آخر الأخبار
توترات الرباط ومدريد بعد أحداث سبتة تدفع المغرب لتنويع بواباته الأوروبية انطلاقًا من طنجة نحو البرتغال

البدائل تشمل الربط الكهربائي والرحلات البحرية والنفق البحري
في ظل استمرار التوتر الذي يطبع العلاقات المغربية الإسبانية، منذ أحداث سبتة شهر يوليوز الماضي، تتّجه الرباط إلى توسيع خياراتها في الربط مع أوروبا، من خلال إحياء مشاريع مع البرتغال تشمل الكهرباء والنقل والبنية التحتية؛ مما يمنح المغرب منافذ إضافية لا تمرّ حصرًا عبر الأراضي والموانئ الإسبانية.
وتبرز طنجة في قلب هذا التوجّه، باعتبارها نقطة الانطلاق الرئيسية لعددٍ من مشاريع الربط المقترحة مع الضفة الأوروبية، من الربط الكهربائي والبحري مع البرتغال إلى تصوُّرات مستقبلية لربط طرقي مباشر، في وقت تواصل فيه إسبانيا الاحتفاظ بموقعها بوصفها شريكًا أساسيًّا للمغرب في مجالات الطاقة والتجارة والنقل.
*الــربط الكـهربــائي.. مـن طنجة إلــى البــرتــغـــــال
ويندرج توجه المغرب نحو إعادة إحياء مشروع الربط الكهربائي المباشر مع البرتغال ضمن سياسة أوسع لتنويع الشراكات والمنافذ الأوروبية، في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية توترًا على خلفية عملية الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة أواخر يوليوز الماضي، ولا يعني المشروع التخلّي عن إسبانيا أو استبدالها بالبرتغال، بقدر ما يعكس رغبة الرباط في تقليص الاعتماد على مسار أوروبي واحد في قطاعات استراتيجية، خصوصًا الطاقة والبنية التحتية والتجارة واللوجستيك.
وعاد المشروع المغربي البرتغالي إلى جدول الأعمال بعد توقّف منذ سنة 2022، عقب اللقاء الذي جمع وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي بنظيرتها البرتغالية ماريا دا غراسا كارفاليو في لشبونة يوم 20 يوليوز الماضي، حيث اتَّفق الطرفان على استئناف العمل به والبحث عن التمويلات الضرورية، سواء عبر آليات الدعم الأوروبية أو بمشاركة القطاع الخاص، وتستهدف الوصلة الجديدة قدرة تناهز 1000 ميغاواط، بما يمنح المغرب منفذًا مباشرًا إضافيًّا نحو الشبكة الكهربائية الأوروبية.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأنَّ الربط الكهربائي المغربي بأوروبا يمرُّ حاليًا عبر إسبانيا فقط، من خلال خطين بحريين بجهد 400 كيلوفولت، تبلغ القدرة التقنية لكل منهما 700 ميغاواط، أي نحو 1400 ميغاواط إجمالا، وكان المغرب وإسبانيا قد وقّعا سنة 2019 اتِّفاقا لإنشاء خط ثالث بالقدرة نفسها، وبكلفة قدرت آنذاك بنحو 150 مليون يورو، لكنَّه لم يدخل الخدمة إلى حدود الآن.
في المقابل، سيتيح الربط المرتقب مع البرتغال مسارًا مباشرًا جديدًا نحو الشبكة الأوروبية، دون الاعتماد حصرًا على البنية التحتية الإسبانية، وسيكون الخط ثنائي الاتجاه، بما يسمح بتبادل الكهرباء وَفْق حاجيات كل طرف وظروف السوق، إذ يمكن للمغرب استيراد الكهرباء خلال فترات ارتفاع الطلب أو تراجع الإنتاج، وتصديرها عند توفر فائض، مما يمنح المنظومة الوطنية مرونة أكبر.
ولا تزال الكلفة النهائية للمشروع غير محسومة، إذ تتراوح التقديرات بين 800 مليون ومليار يورو، ما يستدعي تحديث الدراسات التقنية والمالية وتحديد المسار النهائي للكابل البحري، كما يسعى البلدان إلى منح المشروع صفة «مشروع ذي مصلحة أوروبية»، بما قد يفتح المجال أمام التمويل الأوروبي واستقطاب استثمارات القطاع الخاص.
وتتجاوز أهمية المشروع الجانب التقني، إذ يرتبط بتوجه المغرب نحو تنويع علاقاته الاقتصادية مع أوروبا وعدم ربط القطاعات الاستراتيجية بشريك أو مسار واحد، يأتي ذلك في سياق ارتفاع الطلب الوطني على الكهرباء، الذي بلغ سنة 2025 نحو 49 تيراواط للساعة بزيادة 7,4%، فيما ارتفعت ذروة الاستهلاك إلى 7990 ميغاواط، قبل أن تسجل ذروة جديدة بلغت 8400 ميغاواط خلال يوليوز 2026.
وبلغت القدرة الكهربائية المركبة في المغرب نحو 12.314 ميغاواط، تُمثّل الطاقات المتجددة منها 46,1%، لكنَّ الفحم ظلَّ المصدر الرئيسي للإنتاج الفعلي سنة 2025 بحصة قاربت 61,5%، مقابل 16% للرياح و10,9% للغاز و5,8% للطاقة الشمسية. ويجعل هذا الواقع من تطوير الإنتاج المتجدد والتخزين وشبكات الربط الخارجي عناصر مترابطة في السياسة الطاقية للمملكة.
كما أبرز انقطاع الكهرباء الواسع الذي ضرب إسبانيا والبرتغال في 28 أبريل 2025 أهمية هذه الروابط، بعدما طلبت شركة «Red Eléctrica» الإسبانية دعمًا من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، وعُكس اتجاه تدفق الكهرباء من المغرب نحو إسبانيا للمساهمة في إعادة تشغيل الشبكة، وأظهرت الأزمة أن الربط الكهربائي يمكن أن يكون قناةً للدعم وتصدير الطاقة، وليس مجرد وسيلة للاستيراد.
وبذلك، لا يتجه المغرب، وفق المعطيات المتاحة، إلى التخلّي عن الربط مع إسبانيا، التي تظل شريكًا رئيسيًّا، وإنَّما إلى إضافة منفذ آخر عبر البرتغال، ويمنح تعدّد الروابط المملكة هامشًا أوسعَ للمناورة في تدبير حاجياتها الكهربائية، خصوصًا مع ارتفاع الطلب وتوسع الاستثمار في الطاقات المتجددة.
وفي ظل التوتر الحالي مع مدريد، يكتسب المشروع بُعدًا سياسيًّا واقتصاديًّا إضافيًّا، من دون أن يعني بالضرورة أنَّ الرباط تنظر إلى لشبونة بوصفها بديلًا لإسبانيا، فالعلاقات المغربية الإسبانية ترتكز على مصالح متشابكة في التجارة والاستثمار والطاقة والهجرة والأمن، لكنَّ تعزيز الشراكة مع البرتغال يتيح للمغرب توسيع دائرة خياراته وتقليل مخاطر الاعتماد على قناة واحدة، بما يدعم على المدى المتوسط طموحه للتحول إلى محور لتبادل الطاقة بين أوروبا وإفريقيا.
*هل يوجه الميناء المتوسطي أنظاره إلى بورتيماو؟
ولم تكن فكرة تنويع المغرب لمساراته البحرية نحو أوروبا وليدة الظرف الحالي، إذ برزت البرتغال بوصفها خيارًا بديلًا في صيف 2021، عندما دخلت العلاقات المغربية الإسبانية واحدةً من أكثر مراحلها توترًا، على خلفية استقبال مدريد بشكل سري لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، وهو ما دفع الرباط إلى إعادة ترتيب عدد من خياراتها المرتبطة بالنقل البحري، بما في ذلك استبعاد الموانئ الإسبانية من عملية «مرحبا» في ذلك العام.
وفي خضم تلك الأزمة، دخل المغرب والبرتغال في مباحثات بشأن إطلاق خط بحري مباشر بين ميناء بورتيماو، جنوب البرتغال، وميناء طنجة المتوسط، باعتباره مسارًا يمكن أن يوفر بديلًا أمام أفراد الجالية المغربية المقيمة في عدد من الدول الأوروبية، وكان المقترح يحمل “آنذاك” أهمية عملية، بالنظر إلى موقع بورتيماو على الساحل البرتغالي وإمكانية ربطه مباشرةً بشمال المغرب، بما يتيح للمسافرين الوصول إلى أوروبا عبر مسار لا يمر بالموانئ الإسبانية.
ويبعد ميناء بورتيماو عن طنجة بنحو 148 ميلًا بحريًّا، وهي مسافة كان من شأنها أن تجعل الرحلة البحرية في حدود تسع ساعات، بحسب المعطيات التي رافقت طرح المشروع، مقابل مدة أطول بكثير بالنسبة لبعض الخطوط التي تربط طنجة بموانئ جنوب إسبانيا، وكان هذا العامل، إلى جانب إمكانية تفادي الازدحام والانتظار في بعض الموانئ الإسبانية خلال فترات الذروة، من العناصر التي جعلت الخط البرتغالي المقترح يحظى باهتمام في ذلك الظرف.
لكنَّ السياق الذي أفرز الفكرة تغير لاحقًا، فقد انتهت الأزمة المغربية الإسبانية إلى مسار جديد خلال سنة 2022، مع استعادة العلاقات الثنائية لقدر أكبر من الاستقرار وعودة التعاون بين البلدين في عدد من الملفات، من بينها الهجرة والأمن والتجارة، وبذلك لم تعد البرتغال مطروحة باعتبارها بديلًا اضطراريًّا عن إسبانيا؛ كما كان يمكن أن يفهم من سياق سنة 2021، وإنَّما احتفظت الفكرة بقيمتها باعتبارها خيارًا إضافيًّا يمكن تفعيله عندما تتوفر الشروط المناسبة.
وتكشف معطيات عملية «مرحبا» عن حجم أهمية النقل البحري بالنسبة إلى المغرب والجالية المقيمة بالخارج، ففي سنة 2022، عبر نحو 3,08 ملايين فرد من أفراد الجالية المغربية إلى المملكة، بزيادة كبيرة مقارنة بسنة 2021، واختار أكثر من نصفهم المعابر البحرية، ويعني ذلك أنَّ الموانئ والطرق البحرية التي تصل المغرب بأوروبا تُمثّل جزءًا أساسيًّا من حركة تنقل مئات الآلاف من المغاربة، مما يجعل تعدد الخطوط والموانئ ذات أهمية تتجاوز الاعتبارات التجارية البحتة.
ومن هذه الزاوية، لم يكن المقصود من خط بورتيماو – طنجة، حتى في خضم أزمة 2021، توفير منفذ مؤقت فقط، بل كان يحمل إمكانية التحوُّل إلى خط دائم يخدم حركة الأشخاص والبضائع والسياحة، فوجود مسار بحري مباشر مع البرتغال كان سيتيح للمسافرين خياراتٍ أوسع؛ كما كان يمكن أن يفتح المجال أمام تدفقات سياحية متبادلة بين البلدين، خصوصًا أنَّ النقل البحري المباشر قد يشجع مزيدًا من البرتغاليين على زيارة المغرب، وفي المقابل يسهل على المغاربة الوصول إلى البرتغال.
وعندما عادت العلاقات المغربية الإسبانية إلى طبيعتها تدريجيًّا، لم يغلق المغرب هذا الباب نهائيًّا، ففي سنة 2023، أعيد طرح فكرة الخط البحري خلال الاجتماع رفيع المستوى المغربي البرتغالي، حيث تحدث رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن تطوير الربط بين البلدين، بما في ذلك النقل البحري والجوي، وأعلن أن تفعيل الربط البحري كان متوقعا خلال سنة 2024، ورغم أنَّ المشروع لم يتحول إلى خط منتظم وفق التصور الذي طرح حينها، فإن إعادة إحيائه بعد انتهاء الأزمة مع إسبانيا كانت ذات دلالة، لأنَّها أخرجت الفكرة من إطار الاستجابة لظرف دبلوماسي عابر إلى إطار أوسع يتعلق بتنويع خيارات المغرب في الربط مع أوروبا.
وتظهر هذه التجربة أن الرباط “حتى عندما عادت إلى التعاون مع مدريد” لم تتعامل مع البدائل التي ظهرت خلال أزمة 2021 باعتبارها أوراقًا مؤقتة ينبغي التخلي عنها بانتهاء الأزمة، فالربط البحري مع البرتغال ظل خيارًا يمكن العودة إليه عند الحاجة، سواء لأسباب مرتبطة بالنقل أو السياحة أو التجارة، أو باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع لتعدد الشركاء والمسارات الأوروبية.
وبالنسبة إلى إسبانيا، فإنَّ قيام مسارات بديلة لا يعني بالضرورة خسارة فورية لحجم كبير من الحركة البحرية، بالنظر إلى أفضلية موانئها من حيث القرب الجغرافي وكثافة الرحلات، لكن وجود بديل برتغالي قابل للتطوير يمنح المسافرين المغاربة خيارات إضافية، وقد يحد مستقبلًا من الاعتماد المطلق على الموانئ الإسبانية، خصوصًا إذا اقترنت الرحلات المنتظرة بأسعار تنافسية وبرنامج منتظم ومواعيد ملائمة، وبذلك تحوَّلت فكرة “ولدت في ظل أزمة دبلوماسية” إلى ورقة احتياطية أبقى المغرب عليها مفتوحة، ضمن تصوُّر يقوم على ألَّا تكون علاقته بأوروبا مرتبطة بمسار واحد أو شريك واحد.
*نفق بحري في اتجاه جديد
ويمتد توجه المغرب نحو البرتغال إلى ما أبعد من مشاريع الربط الكهربائي والنقل البحري، إذ ظهرت خلال السنوات الأخيرة تصوُّرات لمشاريع بنية تحتية كبرى من شأنها “في حال انتقالها من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ” إعادة رسم بعض مسارات الربط بين المملكة وأوروبا، ومن بين هذه التصورات مشروع طموح لربط المغرب بالبرتغال عبر نفق بحري مُخصّص للطريق السيار، بما يفتح مسارًا بريًّا مباشرًا بين البلدين، ويُعزّز موقع المغرب بوصفه حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «OkDiario» الإسبانية في ماي الماضي، دخل المشروع مرحلة أكثر تقدمًا من التخطيط، مع تصور لربط شبكة الطرق ذات السعة الكبيرة شمال مدينة طنجة بالمنظومة الطرقية في منطقة «ألغارفي» جنوب البرتغال، لا سيَّما الطريق السيار A22 ويعتمد التصوُّر على إنشاء نفق مزدوج يضم مسارات منفصلة لحركة السير في الاتجاهين، إلى جانب ممرّ مخصص للجوانب التقنية والطوارئ، بما يسمح بتوفير شروط السلامة اللازمة لمنشأة تمتد تحت البحر.
وتتجاوز أهمية الفكرة مجرد اختصار المسافة بين ضفتي البحر، إذ يمكن لهذا النوع من المشاريع “إذا ما تحقق” أن يخلق ممرًا بريًّا جديدًا أمام حركة الأشخاص والبضائع، ويربط بصورة مباشرة بين موانئ ومناطق صناعية ومراكز لوجستية في البلدين؛ كما أنَّ موقع طنجة “باعتبارها نقطة رئيسية في شبكات النقل المغربية” وموقع ألغارفي كبوابة جنوبية للبرتغال يمنحان المشروع بُعدًا يتصل بإعادة توزيع بعض التدفقات التجارية واللوجستية بين شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن التصور الهندسي إلى أنَّ المشروع لن يكون عملية إنشائية بسيطة، بالنظر إلى طبيعة البيئة البحرية والضغوط الجيولوجية والمخاطر المرتبطة ببناء منشأة تحت الماء، ولهذا تبرز ضمن الحلول التقنية قيد الدراسة تقنيات للحفر بواسطة آلات متخصصة، إلى جانب إمكانية استخدام مقاطع مسبقة الصنع يتم تركيبها في بيئة بحرية، مع اعتماد أنظمة متقدمة للتهوية والمراقبة والسلامة، وملاجئ ومخارج مخصصة للتعامل مع الحالات الطارئة.
كما يفترض أن يخضع المشروع، قبل أي انتقال إلى التنفيذ، لسلسلة من الدراسات البيئية والجيوتقنية والتقنية، بالنظر إلى حساسية المجال البحري وتأثير أي أشغال كبرى على الأنظمة البيئية والتيارات والأحياء البحرية، ويجري تصور المشروع على مراحل تبدأ بالدراسات الأولية والتقييمات البيئية، وتحليل طبيعة قاع البحر، ثم إعداد المداخل ومناطق التجميع، قبل الانتقال إلى الأشغال الرئيسية تحت البحر، وصولًا إلى تركيب أنظمة التشغيل وإجراء الاختبارات اللازمة.
وتتجاوز التكلفة الأولية للمشروع، وفق المعطيات المنشورة، 800 مليون يورو، وهي قيمة مرشحة للتغير تبعا لنتائج الدراسات وطبيعة التكوينات الجيولوجية والمخاطر الزلزالية، فضلًا عن النموذج المالي الذي سيعتمد لتمويل المنشأة، كما أن الكلفة لا ترتبط بحفر النفق وحده، وإنما تشمل الدراسات والتراخيص والبنى التحتية المرتبطة بمداخله وتجهيزاته الأساسية.
وفي حال بلوغ المشروع مرحلة التنفيذ، فإنَّ الإدارة التشغيلية يفترض أن تستفيد من التقنيات الرقمية الحديثة، بما في ذلك أنظمة المراقبة الفورية لحركة المرور والتحصيل الإلكتروني للرسوم، فضلا عن استخدام نماذج رقمية للبنية التحتية تساعد على توقع الأعطاب وتحسين أعمال الصيانة، ويعكس ذلك توجهًا نحو تصميم منشأة لا تقتصر وظيفتها على العبور، وإنما تعتمد منظومة متكاملة لإدارة حركة المرور والسلامة والاستمرارية التشغيلية.
ويأتي هذا التصور في وقت يوجد فيه مشروع آخر أكثر رسوخا على مستوى الدراسات والاتصالات الرسمية، يتعلق بالربط القاري بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق، ويختلف المشروعان في طبيعتهما ومسارهما، فالنفق المغربي الإسباني المقترح مخصص أساسا للسكك الحديدية، بينما يعتمد التصور المغربي البرتغالي على ربط طرقي مباشر، ومع ذلك، فإنَّ كليهما يعكس اتجاهًا واحدًا يتمثل في البحث عن بنى تحتية قادرة على جعل مضيق جبل طارق فضاء للربط وليس مجرد حاجز جغرافي بين أوروبا وإفريقيا.
ويبلغ طول النفق المقترح بين المغرب وإسبانيا نحو 42 كيلومترًا، منها نحو 28 كيلومترا تحت قاع البحر، مع اختيار منطقة «عتبة المضيق» بين بونتا بالوما الإسبانية وبونتا مالاباطا المغربية باعتبارها المسار الأقل عمقا نسبيًّا، ويتضمن التصور ثلاثة أروقة، اثنان منها للسكك الحديدية لنقل المسافرين والبضائع، بينما يخصص الثالث للخدمات والصيانة والطوارئ، فيما تشير تقديرات الجمعية الإسبانية لدراسات الاتصالات الثابتة عبر مضيق جبل طارق إلى إمكانية اكتمال المشروع خلال الفترة الممتدة بين 2030 و2040.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن مجرد تعدد هذه التصورات يكشف اتجاها نحو توسيع الخيارات المرتبطة بالربط الأوروبي، بحيث لا تظل حركة التجارة والتنقل مرتبطة بمسار واحد، فإلى جانب الروابط القائمة مع إسبانيا، تبرز البرتغال باعتبارها شريكا يمكن أن يُوفّر منفذًا إضافيًّا، سواء عبر البحر أو الكهرباء أو، على المدى الأبعد، من خلال مشاريع بنية تحتية أكثر طموحًا، ولا يعني ذلك أن الرباط تتعامل مع هذه المشاريع بوصفها بدائلَ جاهزة عن إسبانيا، بقدر ما يعكس رغبة في امتلاك خيارات متعددة.