تواصل معنا

إقتصاد

الحملة الانتخابية لا تحرك صناديق الاقتراع فقط.. وراء كل حملة عشرات الخِدْمات والعمال .. لكن ماذا يبقى لاقتصاد طنجة بعد إغلاق الصناديق؟

لم‭ ‬تكن‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ “‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع‭” ‬مجرد‭ ‬سباق‭ ‬سياسي‭ ‬بين‭ ‬المرشحين‭ ‬والأحزاب‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬أصوات‭ ‬الناخبين؛‭ ‬فخلف‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الصاخب،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مدينة‭ ‬أخرى‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬صمت‭: ‬آلات‭ ‬المطابع‭ ‬اشتغلت‭ ‬لساعات‭ ‬إضافية،‭ ‬ومصممو‭ ‬الغرافيك‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬طلبات‭ ‬مستعجلة،‭ ‬وشركات‭ ‬كراء‭ ‬السيارات‭ ‬تلقت‭ ‬حجوزات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحملات‭ ‬والتنقلات،‭ ‬وقاعات‭ ‬احتضنت‭ ‬لقاءات‭ ‬تواصلية،‭ ‬ومزودو‭ ‬معدات‭ ‬الصوت‭ ‬والإضاءة‭ ‬وجدوا‭ ‬بدورهم‭ ‬سوقًا‭ ‬موسمية،‭ ‬فيما‭ ‬استفاد‭ ‬شباب‭ ‬وأشخاص‭ ‬آخرون‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬مؤقتة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالتوزيع،‭ ‬وتعليق‭ ‬الملصقات،‭ ‬وتنظيم‭ ‬اللقاءات،‭ ‬ومواكبة‭ ‬الحملات‭ ‬الميدانية‭.‬

الانتخابات،‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬تحرك‭ ‬فقط‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع؛‭ ‬إنّها‭ ‬تحرك‭ “‬ولو‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة‭” ‬سلسلةً‭ ‬اقتصاديةً‭ ‬كاملة‭. ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يطرح‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭: ‬هل‭ ‬أنفقت‭ ‬الأحزاب‭ ‬والمرشحون‭ ‬أموالًا‭ ‬خلال‭ ‬الحملة؟‭ ‬بل‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬أين‭ ‬ذهبت‭ ‬هذه‭ ‬الأموال؟‭ ‬ومن‭ ‬استفاد‭ ‬منها؟‭ ‬وهل‭ ‬بقيت‭ ‬داخل‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحلية‭ ‬للمدينة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬منها‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬وموردين‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬طنجة؟

ثم‭ ‬هناك‭ ‬سؤال‭ ‬ثالث‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬رافعة‭ ‬حقيقية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الطنجي،‭ ‬أم‭ ‬أنَّها‭ ‬مجرد‭ ‬موجة‭ ‬استهلاك‭ ‬قصيرة‭ ‬تظهر‭ ‬بقوة‭ ‬ثم‭ ‬تختفي‭ ‬بمجرد‭ ‬انتهاء‭ ‬الاقتراع؟

من‭ ‬الورقة‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭.. ‬الانتخابات‭ ‬تفتح‭ ‬موسم‭ ‬المطابع

ربما‭ ‬تكون‭ ‬المطابع‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬الانتخابات‭ ‬اقتربت،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬الشعارات‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تمتلئ‭ ‬القاعات‭ ‬بالمرشحين‭ ‬والأنصار،‭ ‬تبدأ‭ ‬الملفات‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المطابع‭: ‬صور‭ ‬المرشحين،‭ ‬الأسماء،‭ ‬الرموز،‭ ‬البرامج،‭ ‬المنشورات،‭ ‬الملصقات،‭ ‬اللافتات،‭ ‬القمصان،‭ ‬القبعات،‭ ‬الشارات،‭ ‬وحتّى‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬الهوية‭ ‬البصرية‭ ‬التي‭ ‬ترافق‭ ‬الحملات‭.‬

وفي‭ ‬طنجة،‭ ‬أظهرت‭ ‬تغطيات‭ ‬صحفية‭ ‬محلية‭ ‬أنّ‭ ‬المطابع‭ ‬وورشات‭ ‬التواصل‭ ‬البصري‭ ‬شهدت‭ ‬حركية‭ ‬لافتة،‭ ‬خلال‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الدعامات‭ ‬التي‭ ‬يحتاجها‭ ‬المرشحون‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭ ‬جدًّا‭.‬

داخل‭ ‬المطبعة،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬العملية‭ ‬بسيطة‭ ‬كما‭ ‬تبدو‭ ‬للمتلقي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭. ‬فخلف‭ ‬منشور‭ ‬انتخابي‭ ‬صغير‭ ‬توجد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬تبدأ‭ ‬بالتصميم،‭ ‬ثم‭ ‬معالجة‭ ‬الملفات،‭ ‬واختيار‭ ‬الورق،‭ ‬والطباعة،‭ ‬والقطع،‭ ‬والتوضيب،‭ ‬ثم‭ ‬التسليم‭.‬

أما‭ ‬اللافتات‭ ‬والقمصان‭ ‬والقبعات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدعامات،‭ ‬فتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خِدْمات‭ ‬إضافية‭ ‬ومهارات‭ ‬مختلفة؛‭ ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬الانتخابات‭ ‬لا‭ ‬تنعش‭ ‬المطبعة‭ ‬وحدها،‭ ‬إنها‭ ‬تحرك‭ ‬شبكة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الموردين‭ ‬والمهنيين‭: ‬مصمم،‭ ‬طابع،‭ ‬تقني،‭ ‬عامل‭ ‬في‭ ‬التوضيب،‭ ‬عامل‭ ‬في‭ ‬التسليم،‭ ‬مورد‭ ‬للورق،‭ ‬مورد‭ ‬للأحبار،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬ورشات‭ ‬أخرى‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬أو‭ ‬تجهيز‭ ‬بعض‭ ‬الدعامات،‭ ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬أولى‭ ‬حلقاتها‭ ‬الاقتصادية‭.‬

الانتخابات‭.. ‬‮«‬أسبوعان‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يعادلان‭ ‬أشهرًا‭ ‬من‭ ‬العمل

المثير‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الانتخابي‭ ‬أنَّ‭ ‬الطلب‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم،‭ ‬إنه‭ ‬ينفجر‭ ‬فجأة؛‭ ‬تصل‭ ‬الطلبات‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬ويكون‭ ‬المرشح‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭. ‬الحملة‭ ‬محدودة‭ ‬المدة،‭ ‬وكل‭ ‬يوم‭ ‬ضائع‭ ‬يعني‭ ‬ضياع‭ ‬فرصة‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬الناخبين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬بعض‭ ‬المطابع‭ ‬تتحوَّل‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحملة‭ ‬إلى‭ ‬ورشات‭ ‬تعمل‭ ‬بوتيرة‭ ‬غير‭ ‬عادية‭.‬

وتشير‭ ‬معطيات‭ ‬وطنية‭ ‬حديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬أنشطة‭ ‬الطباعة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسجل‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬رقم‭ ‬المعاملات‭ ‬خلال‭ ‬المواسم‭ ‬الانتخابية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفترات‭ ‬العادية،‭ ‬مع‭ ‬استفادة‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬طباعة‭ ‬الملصقات‭ ‬والمنشورات‭ ‬واللافتات‭ ‬والدعامات‭ ‬المختلفة‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تظل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتصريحات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬إسقاطها‭ ‬آليًا‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬مطابع‭ ‬طنجة‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭: ‬الانتخابات‭ ‬تمنح‭ ‬المطبعة‭ ‬دفعة‭ ‬قوية،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تمنحها‭ ‬سوقًا‭ ‬دائمة؛‭ ‬فبمجرد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحملة،‭ ‬تتوقف‭ ‬الطلبات‭ ‬الانتخابية‭ ‬تقريبًا،‭ ‬وتعود‭ ‬الآلات‭ ‬إلى‭ ‬إيقاعها‭ ‬الطبيعي‭.‬

السيارات‭.. ‬الحملة‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عجلات‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬المدينة

إذا‭ ‬كانت‭ ‬المطابع‭ ‬تتحرك‭ ‬بسبب‭ ‬الورق‭ ‬والحبر،‭ ‬فإنَّ‭ ‬شركات‭ ‬كراء‭ ‬السيارات‭ ‬تتحرك‭ ‬بسبب‭ ‬التنقل‭. ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كبيرة‭ ‬مثل‭ ‬طنجة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭: ‬مرشح‭ ‬يريد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حي،‭ ‬لقاء‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬أخرى،‭ ‬اجتماع‭ ‬مع‭ ‬فئة‭ ‬مهنية،‭ ‬جولة‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬لقاء‭ ‬تواصلي،‭ ‬تجمُّع،‭ ‬تنقل‭ ‬فريق‭ ‬الحملة،‭ ‬ومواكبة‭ ‬لوجستيكية؛‭ ‬وهنا‭ ‬تدخل‭ ‬السيارات‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للحملة‭.‬

فبعض‭ ‬الحملات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سيارات‭ ‬مخصصة‭ ‬للمرشحين،‭ ‬وأخرى‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬نقل‭ ‬لأعضاء‭ ‬فرقها‭ ‬أو‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬أنشطتها،‭ ‬فيما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الحافلات‭ ‬أو‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬الجماعي‭ ‬عند‭ ‬تنظيم‭ ‬تجمعات‭ ‬أكبر‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬المنشورة‭ ‬وطنيًّا‭ ‬بشأن‭ ‬الموسم‭ ‬الانتخابي‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬كراء‭ ‬السيارات‭ ‬والحافلات،‭ ‬وخدمات‭ ‬السائقين‭ ‬والنقل،‭ ‬تدخل‭ ‬ضمن‭ ‬الأنشطة‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬خلال‭ ‬الحملات‭.‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنَّ‭ ‬كل‭ ‬رحلة‭ ‬انتخابية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬وراءها‭ ‬سلسلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬صغيرة‭: ‬شركة‭ ‬كراء،‭ ‬سائق،‭ ‬محطة‭ ‬وقود،‭ ‬خدمة‭ ‬غسل‭ ‬السيارات،‭ ‬صيانة،‭ ‬إطارات،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬مطاعم‭ ‬ومقاهٍ‭ ‬تستقبل‭ ‬فرق‭ ‬الحملة‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬تنقلاتها‭.‬

وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬أكثر‭ ‬اتِّساعًا‭: ‬هل‭ ‬الانتخابات‭ ‬تنعش‭ ‬فقط‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬المرشحين؟‭ ‬الجواب‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭.‬

فالأموال‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬جيب‭ ‬السائق،‭ ‬مثلًا،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنفق‭ ‬لاحقًا‭ ‬في‭ ‬متجر‭ ‬أو‭ ‬مطعم‭ ‬أو‭ ‬محطة‭ ‬وقود؛‭ ‬وبذلك‭ ‬قد‭ ‬تنتقل‭ ‬السيولة‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬لكن‭ ‬حجم‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬محلية‭ ‬دقيقة‭ ‬حتى‭ ‬يمكن‭ ‬قياسه‭ ‬بالأرقام،‭ ‬ولا‭ ‬تكفي‭ ‬الملاحظة‭ ‬الميدانية‭ ‬وحدها‭ ‬لإثبات‭ ‬حجم‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحضري‭ ‬ككل‭.‬

القاعات‭.. ‬السياسة‭ ‬تدخل‭ ‬قطاع‭ ‬المناسبات

في‭ ‬كل‭ ‬حملة‭ ‬انتخابية،‭ ‬هناك‭ ‬لحظات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭: ‬قاعة،‭ ‬فندق،‭ ‬مقر،‭ ‬فضاء‭ ‬للقاء،‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬لاستقبال‭ ‬المواطنين؛‭ ‬مكان‭ ‬لتنظيم‭ ‬لقاء‭ ‬مع‭ ‬المهنيين‭ ‬أو‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين،‭ ‬وهنا‭ ‬يستفيد‭ ‬قطاع‭ ‬تنظيم‭ ‬المناسبات‭ ‬والفضاءات‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬التجمعات‭.‬

الانتخابات‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهم‭ ‬تشبه‭ ‬موسمًا‭ ‬قصيرًا‭ ‬تتضاعف‭ ‬خلاله‭ ‬الطلبات،‭ ‬ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بكراء‭ ‬المكان‭ ‬فقط؛‭ ‬فأي‭ ‬لقاء‭ ‬انتخابي‭ ‬يحتاج‭ ‬غالبًا‭ ‬إلى‭ ‬كراسي‭ ‬وطاولات‭ ‬وتجهيزات‭ ‬تقنية‭ ‬وصوتيات‭ ‬وإضاءة‭ ‬وأحيانًا‭ ‬شاشات‭ ‬ومنصات‭ ‬ولافتات‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتسع‭ ‬الدائرة؛‭ ‬فقاعة‭ ‬واحدة‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬دخلًا‭ ‬لعددٍ‭ ‬من‭ ‬مقدمي‭ ‬الخدمات‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه‭: ‬مالك‭ ‬الفضاء،‭ ‬تقني‭ ‬الصوت،‭ ‬تقني‭ ‬الإضاءة،‭ ‬عامل‭ ‬نظافة‭.‬

وتؤكد‭ ‬المعطيات‭ ‬الوطنية‭ ‬بشأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الانتخابي‭ ‬أنّ‭ ‬خِدْمات‭ ‬كراء‭ ‬القاعات،‭ ‬والممونين،‭ ‬والحراسة‭ ‬والتنظيف،‭ ‬ومعدات‭ ‬الصوت‭ ‬والإضاءة،‭ ‬تدخل‭ ‬ضمن‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬كثافة‭ ‬النشاط‭ ‬خلال‭ ‬الحملات‭.‬

لكن‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬الرواج‭ ‬المهني‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام؛‭ ‬قد‭ ‬ترتفع‭ ‬مداخيل‭ ‬مزود‭ ‬خدمات‭ ‬الصوتيات‭ ‬خلال‭ ‬الحملة‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬الناتج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للمدينة‭ ‬ارتفع‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه،‭ ‬وهذا‭ ‬التفريق‭ ‬مُهمّ‭ ‬جدًا‭ ‬لفهم‭ ‬الظاهرة‭.‬

الشغل‭ ‬المؤقت‭.. ‬الانتخابات‭ ‬تمنح‭ ‬دخلًا‭ ‬لأشخاص‭ ‬لا‭ ‬يظهرون‭ ‬في‭ ‬الصورة

هناك‭ ‬فئة‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الأكثر‭ ‬استفادة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الانتخابي،‭ ‬لكنها‭ ‬الأقل‭ ‬ظهورًا‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬والأخبار‭: ‬إنهم‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يشتغلون‭ ‬بشكل‭ ‬مؤقت‭ ‬خلال‭ ‬الحملة،‭ ‬وشباب‭ ‬يوزعون‭ ‬المنشورات‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬المنشورة‭ ‬بشأن‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الحملات‭ ‬تخلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬مؤقتة‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفئات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬التوزيع،‭ ‬والترويج‭ ‬الميداني،‭ ‬والتواصل‭ ‬الرقمي،‭ ‬والتصوير،‭ ‬والمونتاج،‭ ‬وتنظيم‭ ‬اللقاءات‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬وظائف‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الانتخابية‭: ‬إدخال‭ ‬دخل‭ ‬مؤقت‭ ‬إلى‭ ‬جيوب‭ ‬أشخاص‭ ‬لا‭ ‬يتوفرون‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬عمل‭ ‬قار‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬شخص‭ ‬يعمل‭ ‬خمسة‭ ‬أيام‭ ‬أو‭ ‬أسبوعين‭ ‬في‭ ‬الحملة،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬محدودًا‭ ‬مقارنة‭ ‬بمصاريف‭ ‬الحملة؛‭ ‬لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أسرة،‭ ‬يمكن‭ ‬لهذا‭ ‬الدخل‭ ‬المؤقت‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭. ‬وهنا‭ ‬تتحول‭ ‬الانتخابات‭ ‬من‭ ‬حدث‭ ‬سياسي‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬أيضًا‭.‬

الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬يدخل‭ ‬على‭ ‬الخط

لكن‭ ‬الانتخابات‭ ‬الحالية‭ ‬ليست‭ ‬انتخابات‭ ‬المنشور‭ ‬الورقي‭ ‬وحده؛‭ ‬هناك‭ ‬أيضًا‭ ‬فيسبوك،‭ ‬وإنستغرام،‭ ‬وتيك‭ ‬توك،‭ ‬ويوتيوب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الفيديوهات‭ ‬القصيرة‭ ‬والتصميمات‭ ‬الرقمية‭ ‬والبث‭ ‬المباشر‭.‬

وهذا‭ ‬خلق‭ ‬سوقًا‭ ‬أخرى‭: ‬مصممو‭ ‬الغرافيك،‭ ‬مصورون،‭ ‬مصورو‭ ‬فيديو‭. ‬مختصو‭ ‬مونتاج،‭ ‬مسيرو‭ ‬الصفحات‭ ‬صانعو‭ ‬المحتوى،‭ ‬ومختصون‭ ‬في‭ ‬الإعلانات‭ ‬الرقمية‭.‬

تشير‭ ‬تقارير‭ ‬حديثة‭ ‬عن‭ ‬الانتخابات‭ ‬بالمغرب‭ ‬إلى‭ ‬تنامي‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الدعامات‭ ‬التقليدية‭.‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول،‭ ‬إنَّ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الانتخابي‭ ‬تغيّر؛‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬كان‭ ‬المرشح‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬المنشورات،‭ ‬واليوم‭ ‬يحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬الفيديوهات‭ ‬والصور‭ ‬والتصاميم،‭ ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬الهاتف‭ ‬الذكي‭ ‬نفسه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬معدات‭ ‬الحملة‭.‬

لكن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬فيديو‭ ‬قصير‭ ‬قد‭ ‬يوجد‭ ‬مصور‭ ‬ومونتير‭ ‬ومصمم‭ ‬وشخص‭ ‬يدير‭ ‬الصفحة؛‭ ‬الانتخابات‭ ‬إذن‭ ‬خلقت‭ ‬سوقًا‭ ‬رقمية‭ ‬موازية‭ ‬للسوق‭ ‬التقليدية‭.‬

المقاهي‭ ‬والمطاعم‭.. ‬المستفيد‭ ‬غير‭ ‬المباشر

هناك‭ ‬قطاع‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬المباشرة‭ ‬للحملات‭: ‬المقاهي‭ ‬والمطاعم،‭ ‬اللقاءات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تنقل،‭ ‬والتنقل‭ ‬يعني‭ ‬أحيانًا‭ ‬التوقف‭ ‬لتناول‭ ‬الطعام‭ ‬أو‭ ‬عقد‭ ‬اجتماع‭. ‬فرق‭ ‬الحملات‭ ‬تتحرك‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة،‭ ‬وصحفيون‭ ‬يتحركون‭ ‬بين‭ ‬المراكز،‭ ‬ومشاركون‭ ‬في‭ ‬اللقاءات‭ ‬يتنقلون،‭ ‬وممونون‭ ‬يقدمون‭ ‬خدمات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمناسبات‭.‬

وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬الانتخابي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتسرّب‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬خارج‭ ‬الخدمات‭ ‬السياسية‭ ‬المباشرة،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬الأثر‭ ‬المضاعف‭ ‬للإنفاق،‭ ‬لكن‭ ‬بدرجة‭ ‬محدودة‭ ‬وموسمية‭.‬

لكن‭ ‬قياس‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬تحديدًا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬محاسبية‭ ‬ومسوحات‭ ‬ميدانية،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬الانطباعات‭.‬

طنجة‭.. ‬ماذا‭ ‬استفادت‭ ‬فعلًا؟

هنا‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الطنجاوية‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬الانتخابات؟

المؤشرات‭ ‬الميدانية‭ ‬والقطاعية‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬استفاد‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحملة‭:‬

فاستفاد‭ ‬كلٌّ‭ ‬من‭ ‬المطابع‭ ‬والتواصل‭ ‬البصري‭ ‬وكراء‭ ‬السيارات‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستيكية‭ ‬والقاعات‭ ‬والصوتيات‭ ‬والإضاءة،‭ ‬بعض‭ ‬المطاعم‭ ‬والمقاهي‭ ‬استفادت،‭ ‬المصورون‭ ‬ومصممو‭ ‬المحتوى‭ ‬استفادوا‭. ‬كما‭ ‬استفاد‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬مؤقتة‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬ذلك‭ ‬للقول‭ ‬إن‭ ‬الانتخابات‭ ‬أنعشت‭ ‬اقتصاد‭ ‬طنجة‭ ‬ككل؟

هنا‭ ‬ينبغي‭ ‬التريث؛‭ ‬لأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الطنجي‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭.‬

طنجة‭ ‬مدينة‭ ‬صناعية‭ ‬ومينائية‭ ‬وسياحية‭ ‬وخدماتية؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنّ‭ ‬الإنفاق‭ ‬الانتخابي،‭ ‬رغم‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأنشطة،‭ ‬يبقى‭ ‬جزءًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬وموسميًّا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحضري؛‭ ‬الانتخابات‭ ‬تحرك‭ ‬جيوبًا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تغير‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد؛‭ ‬وهذا‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬الوصف‭ ‬الأدق‭ ‬للظاهرة‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬فقط‭.. ‬بل‭ ‬في‭ ‬وجهته

هناك‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭: ‬كم‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬تنفق‭ ‬في‭ ‬الحملات‭ ‬يبقى‭ ‬داخل‭ ‬طنجة؟

إذا‭ ‬كانت‭ ‬مطبعة‭ ‬طنجة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬المنشورات،‭ ‬وشركة‭ ‬طنجة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬السيارات،‭ ‬وقاعة‭ ‬طنجة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬اللقاء،‭ ‬وتقني‭ ‬طنجة‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يركب‭ ‬الصوتيات،‭ ‬والعامل‭ ‬الطنجي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يوزع‭ ‬المنشورات،‭ ‬فإن‭ ‬الإنفاق‭ ‬يبقى‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭. ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬أو‭ ‬مطابع‭ ‬خارج‭ ‬المدينة،‭ ‬فإن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الدورة‭ ‬المالية‭ ‬يغادر‭ ‬طنجة‭.‬

وتشير‭ ‬تغطيات‭ ‬حديثة‭ ‬حول‭ ‬مطابع‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المهنيين‭ ‬المحليين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬تركيز‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬السياسية‭ ‬إعداد‭ ‬الدعامات‭ ‬التواصلية‭ ‬خارج‭ ‬المدينة‭ ‬يحرم‭ ‬المطابع‭ ‬الجهوية‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬رقم‭ ‬معاملاتها‭. ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬مفارقة‭ ‬مهمة‭: ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كل‭ ‬إنفاقها‭ ‬طنجاويًّا؛‭ ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬قياس‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المحلي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬إنفاق‭ ‬المال،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬حجمه‭.‬

من‭ ‬يستفيد‭ ‬أكثر؟

الجواب‭ ‬ليس‭ ‬واحدًا‭: ‬المطبعة‭ ‬الكبيرة‭ ‬قد‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬طلبيات‭ ‬ضخمة،‭ ‬لكن‭ ‬مطبعة‭ ‬صغيرة‭ ‬قد‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬عشرات‭ ‬الطلبات‭ ‬المحدودة‭. ‬شركة‭ ‬كراء‭ ‬السيارات‭ ‬قد‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬عقود‭ ‬متعددة،‭ ‬وسائق‭ ‬مستقل‭ ‬قد‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬أيام‭ ‬عمل‭ ‬إضافية‭. ‬شركة‭ ‬تنظيم‭ ‬مناسبات‭ ‬قد‭ ‬تشتغل‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف،‭ ‬لكن‭ ‬عامل‭ ‬تركيب‭ ‬قد‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬فقط‭.‬

أي‭ ‬أن‭ ‬الانتخابات‭ ‬توزع‭ ‬منافعها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬متساوٍ؛‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬قوة‭ ‬المرشح‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬الحملة‭ ‬يؤثران‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭: ‬فالحملة‭ ‬الكبيرة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سيارات‭ ‬أكثر،‭ ‬منشورات‭ ‬أكثر،‭ ‬لقاءات‭ ‬أكثر،‭ ‬معدات‭ ‬أكثر،‭ ‬وأشخاص‭ ‬أكثر؛‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬تعتمد‭ ‬حملة‭ ‬محدودة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الرابح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬الانتخابات‮»‬‭ ‬بصيغة‭ ‬عامة‭ ‬سيكون‭ ‬تبسيطًا‭ ‬لظاهرة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭.‬

هل‭ ‬تكفي‭ ‬أيام‭ ‬الحملة‭ ‬لتحريك‭ ‬اقتصاد‭ ‬مدينة؟

ربما‭ ‬تكفي‭ ‬لتحريك‭ ‬بعض‭ ‬الأنشطة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬لإحداث‭ ‬تحول‭ ‬اقتصادي؛‭ ‬وهذا‭ ‬فرق‭ ‬جوهري‭. ‬الرواج‭ ‬الموسمي‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬يرتفع‭ ‬لفترة‭ ‬محددة‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مستواه‭ ‬السابق؛‭ ‬أما‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحقيقي،‭ ‬فيرتبط‭ ‬بارتفاع‭ ‬مستدام‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬والدخل‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭ ‬والاستثمار‭.‬

والانتخابات،‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تشبه‭ ‬مواسم‭ ‬أخرى‭ ‬تعرفها‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات؛‭ ‬إنها‭ ‬تضخ‭ ‬سيولة‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬استمرارها‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬وصف‭ ‬الانتخابات‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬ورش‭ ‬اقتصادي‭ ‬موسمي‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬من‭ ‬وصفها‭ ‬بمحرك‭ ‬دائم‭ ‬للاقتصاد‭. ‬وقد‭ ‬استخدمت‭ ‬تقارير‭ ‬اقتصادية‭ ‬حديثة‭ ‬هذا‭ ‬الوصف‭ ‬تحديدًا،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬استفادة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المهن‭ ‬والخدمات‭ ‬خلال‭ ‬الحملات‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬الأثر‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بفترة‭ ‬الانتخابات‭.‬

بعد‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭.. ‬ماذا‭ ‬بقي؟

ثم‭ ‬يأتي‭ ‬اليوم‭ ‬الموالي؛‭ ‬تهدأ‭ ‬الشوارع،‭ ‬تتوقف‭ ‬السيارات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬تختفي‭ ‬بعض‭ ‬اللافتات،‭ ‬تعود‭ ‬المطابع‭ ‬إلى‭ ‬طلباتها‭ ‬العادية،‭ ‬يعود‭ ‬مزودو‭ ‬الصوتيات‭ ‬إلى‭ ‬المناسبات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وتنتهي‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬المؤقتين‭.‬

هنا‭ ‬تظهر‭ ‬حقيقة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الانتخابي‭: ‬إنه‭ ‬اقتصاد‭ ‬سريع‭ ‬الصعود‭ ‬وسريع‭ ‬الهبوط،‭ ‬لكنه‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭: ‬مداخيل‭ ‬إضافية،‭ ‬فواتير‭ ‬مؤداة،‭ ‬أجور‭ ‬مؤقتة،‭ ‬خدمات‭ ‬قدمت،‭ ‬ومهارات‭ ‬اكتسبها‭ ‬أشخاص‭ ‬اشتغلوا‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭.‬

وبالنسبة‭ ‬لبعض‭ ‬المهنيين،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬فرصة‭ ‬لتعويض‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ركود‭ ‬عرفته‭ ‬أعمالهم‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬سابقة،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬وحدها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬انتعاش‭ ‬اقتصادي‭ ‬مستدام‭ ‬في‭ ‬طنجة‭.‬

المدينة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬ومقاولات‭ ‬منتجة،‭ ‬وفرص‭ ‬شغل‭ ‬مستقرة،‭ ‬وسياحة‭ ‬وصناعة‭ ‬وخِدْمات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬القيمة‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭.‬

أما‭ ‬الانتخابات،‭ ‬فدورها‭ ‬مختلف؛‭ ‬إنها‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬موعد‭ ‬محدد،‭ ‬تفتح‭ ‬سوقًا‭ ‬مؤقتة،‭ ‬تحرك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المهن،‭ ‬تمنح‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬دخلًا‭ ‬إضافيًّا،‭ ‬ثم‭ ‬تنسحب،‭ ‬وتترك‭ ‬وراءها‭ ‬سؤالًا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬مفتوحًا‭:‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الانتخابات‭ ‬تحرك‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬قليلة،‭ ‬فكم‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الطنجاوية‭ ‬لو‭ ‬بقيت‭ ‬نسبة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإنفاق‭ ‬داخل‭ ‬المدينة؟

ذلك‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭. ‬ليس‭: ‬هل‭ ‬أنفقت‭ ‬الحملات؟‭ ‬بل‭: ‬من‭ ‬استفاد؟‭ ‬وكم‭ ‬استفاد؟‭ ‬وأين‭ ‬بقي‭ ‬المال؟‭ ‬وهل‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬السيولة‭ ‬المؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬محلية،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬مجرد‭ ‬موجة‭ ‬عابرة‭ ‬انتهت‭ ‬بانتهاء‭ ‬الحملة؟‭ ‬

تابعنا على الفيسبوك