آخر الأخبار
هل أصبحت طنجة مستشفى عقليًا بلا جدران؟!
في المدن، لا تقاس درجات التحضُّر فقط بما يعلو فيها من بنايات، ولا بما يلمع على واجهاتها من أضواء، بل بقدرتها على تدبير هشاشتها قبل قوتها، وعلى احتواء اختلالاتها قبل التباهي بإنجازاتها. فالحضارة «في جوهرها» ليست عرضًا جماليًا، بل عقدًا أخلاقيًّا غير مكتوب، يضمن للإنسان «كيفما كانت حالته» كرامة العيش وأمان المجال. وحين يختل هذا التوازن، لا يكون الخلل في الهامش، بل في صلب الفكرة التي تقوم عليها المدينة نفسها.
من هذا المنطلق، لم يعد حضور المختلين عقليًا في طنجة مجرد مشهد عابر يثير الشفقة أو الاستغراب، بل تحوّل إلى ظاهرة متضخمة تفرض نفسها بقوة في الفضاء العام، وتعيد طرح أسئلة محرجة حول حدود الأمن الاجتماعي ومسؤولية الدولة في حماية الأفراد، سواء كانوا مرضى أم مواطنين عاديين. ما كان يرى سابقًا كحالات معزولة، صار اليوم أقرب إلى واقع يومي مكتمل الأركان، تتكرّر مشاهده في الأزقة الكبرى قبل الهامشية، وفي قلب المدينة قبل أطرافها، بما يجعل الإحساس العام بأن شيئًا ما قد انكسر في توازن المدينة إحساسًا مشروعًا لا مبالغة فيه.
يكفي أن تمرَّ من ساحة الأمم أو تعبر شارع محمد الخامس لتدرك أنّ الأمر لم يعد يتعلق ببضعة أشخاص فقدوا توازنهم النفسي، بل بانتشار لافت لأفراد في حالات هيجان، أو تعرٍ، أو سلوك عدواني، بما يجعل الاحتكاك بهم احتمالًا قائما في كل لحظة. هنا، لا يعود النقاش أخلاقيًّا حول التعاطف، بل يصبح سؤالًا أمنيًّا بامتياز: كيف يمكن ضمان الحد الأدنى من الطمأنينة في فضاء عمومي فقد قابليته للتوقع؟ وكيف يمكن للمواطن أن يمارس حياته اليومية دون أن يتحوّل الحذر إلى عبء دائم يثقل سلوكه وحركته؟
إن أخطر ما في هذه الظاهرة «ليس فقط تناميها» بل تطبيعنا التدريجي معها. ذلك أن تكرار المشهد ينتج نوعًا من البلادة الجماعية، حيث يتراجع الإحساس بالصدمة، ويحل محله شكل من أشكال القبول القسري. وهنا مكمن الخطر الحقيقي: حين يصبح غير الطبيعي مألوفًا، ويتحوّل الخلل إلى جزء من النظام اليومي، نكون قد دخلنا مرحلة فقدان المعايير، حيث لا يستغرب العنف، ولا يستنكر الانفلات، بل يدرج ضمن «ما يقع».
وما يزيد من تعقيد الصورة هو الغموض الذي يلف مصادر هذا التفاقم. فالرأي العام المحلي بات يتداول، بإلحاح، فرضية تدفق هؤلاء من خارج المدينة، في غياب أي توضيح رسمي يضع حدًّا لهذا الجدل. هل نحن أمام اختلال داخلي ناتج عن عجز منظومة الرعاية، أم أمام عملية غير معلنة لتصريف أزمات اجتماعية من مجالات أخرى نحو طنجة؟ إن استمرار هذا الغموض لا يفرز سوى مزيد من الشك، ويقوض الثقة في قدرة المؤسسات على الإحاطة بالوضع والتحكم فيه.
وإذا كان من غير المنصف اختزال هؤلاء في كونهم مصدرَ تهديدٍ، فإن من غير المسؤول أيضًا تجاهل ما قد ينجم عن بعض الحالات غير المؤطرة طبّيًّا من سلوكيات خطرة. فالمريض النفسي، حين يترك دون علاج أو متابعة، لا يترك فقط لآلامه الخاصة، بل يتحوّل رغما عنه إلى عنصرٍ غير متحكم فيه داخل الفضاء العام. وهنا تتقاطع المأساة الإنسانية مع الإشكال الأمني، في صورة مركبة لا يمكن تبسيطها أو الهروب منها.
الحديث عن المسؤولية يقودنا مباشرة إلى واقع البنيات الصحية، حيث يقف مستشفى الرازي نموذجًا لاختلال عميق يتجاوز حدود مؤسسة بعينها، ليعكس وضعا هيكليا تعانيه منظومة الصحة النفسية برمتها. خصاص في الأطر، ضعف في الإمكانيات، وطاقة استيعابية محدودة لا تواكب الطلب المتزايد، كلها عوامل تجعل من الإيواء والعلاج استثناءً بدل أن يكونا قاعدة. وفي ظل هذا العجز، يدفع بالمرضى دفعا إلى الشارع، فيتحول الفضاء العام إلى بديل قسري لمؤسسات يفترض أن تقوم بهذا الدور.
أما المقاربات المعتمدة، فتكاد تختزل في تدخلات موسمية لا تمس جوهر المشكل. حملات لجمع المتشردين والمرضى، سرعان ما ينتهي أثرها بإعادة انتشارهم في فضاءات أخرى، دون تتبّع أو إدماج أو علاج فعلي. إنها سياسة تدبير الظاهر دون الباطن، حيث يعاد إنتاج المشهد نفسه دوريًّا، وكأنّنا أمام حلقة مفرغة من العجز المؤسسي.
وفي خضم هذا الواقع، تستمر المدينة في تقديم نفسها بوصفها قطبًا حضريًّا حديثًا، تضخُّ فيه الاستثمارات، وتزين فضاءاته بالمشاريع التجميلية. غير أنَّ هذا التباين بين الصورة المعلنة والواقع المعيش بات صارخًا إلى درجة يصعب معها الإقناع. فليس من المنطقي أن تقاس جاذبية المدن بلمعان واجهاتها فقط، بينما يتآكل الإحساس بالأمان في عمقها. إن تحضر المدن لا يقاس بارتفاع بناياتها، بل بمدى قدرتها على حماية أضعف فئاتها، وضمان كرامتهم دون الإضرار بسلامة الآخرين.
إن استفحال ظاهرة المختلين عقليًّا في طنجة ليس معطى قدريًّا، بل نتيجة مباشرة لفراغ مؤسساتي وتدبيري واضح. والحل لا يكمن في الإقصاء أو المقاربة الأمنية الصرفة، بل في بناء سياسة مندمجة، قوامها تعزيز البنيات الصحية، إحداث مراكز إيواء لائقة، توفير فرق تدخل متخصّصة، وإرساء آليات للتتبّع والإدماج. كما أن المصارحة مع الرأي العام، وتوضيح خلفيات ما يجري، تظل شرطًا أساسيًّا لاستعادة الثقة وامتصاص الاحتقان.
لقد بلغت الظاهرة مستوى لم يعد يسمح بالمماطلة أو التجاهل. طنجة اليوم أمام مفترق طرقٍ حقيقيٍ: إما أن تعيد ترتيب أولوياتها، وتضع الإنسان في صلب سياساتها، وإما تستمر في إدارة الأزمة بمنطق الترقيع، إلى أن تتحول إلى واقع أكثر تعقيدًا وخطورةً. وعندها، لن يكون السؤال عن الحلّ، بل عن الكلفة التي سندفعها جميعًا نتيجة هذا التأخر؟
بقـلم: نزار الهسكوري