مجتمع

نهاية حقبة «أمانديس» بالشمال.. المغرب يطوي صفحة التدبير المفوض لصالح الشركات الجهوية

تستعد‭ ‬مدن‭ ‬الشمال‭ ‬المغربي‭ -‬على‭ ‬رأسها‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان‭- ‬لطي‭ ‬صفحة‭ ‬دامت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬أمانديس‮»‬،‭ ‬التابعة‭ ‬للمجموعة‭ ‬الفرنسية‭ ‬‮«‬فيوليا‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬أشرفت‭ ‬على‭ ‬تدبير‭ ‬قطاع‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬والتطهير‭ ‬السائل‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2002‭.‬

هذه‭ ‬النهاية‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬بوصفها‭ ‬حدثًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬تحوُّل‭ ‬استراتيجي‭ ‬شامل‭ ‬يقوده‭ ‬المغرب‭ ‬نحو‭ ‬إصلاح‭ ‬هيكلي‭ ‬لقطاع‭ ‬التوزيع،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬حقبة‭ ‬‮«‬التدبير‭ ‬المفوض‮»‬‭ ‬للشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬وتعويضه‭ ‬بنظام‭ ‬‮«‬الشركات‭ ‬الجهوية‭ ‬متعددة‭ ‬الخدمات‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬أمانديس‮»‬‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المملكة‭ ‬محط‭ ‬جدل‭ ‬واسع‭ ‬طوال‭ ‬سنوات‭ ‬تسييرها؛‭ ‬فبينما‭ ‬يقر‭ ‬البعض‭ ‬بالقفزة‭ ‬النوعية‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬الشركة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬شبكات‭ ‬الربط‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الناقصة‭ ‬التجهيز،‭ ‬وحماية‭ ‬السواحل‭ ‬من‭ ‬التلوث‭ ‬عبر‭ ‬محطات‭ ‬المعالجة‭ ‬الضخمة،‭ ‬يرى‭ ‬قطاعٌ‭ ‬واسعٌ‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬والفاعلين‭ ‬الجمعويين‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬اتَّسمت‭ ‬بضغطٍ‭ ‬ماديٍّ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬على‭ ‬جيوب‭ ‬المستهلكين‭.‬

فدائمًا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬غلاء‭ ‬الفواتير‭ ‬ونظام‭ ‬‮«‬الأشطر‮»‬‭ ‬وقودًا‭ ‬لاحتجاجات‭ ‬شعبية‭ ‬صاخبة،‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬‮«‬ارحل‭ ‬يا‭ ‬أمانديس‮»‬‭ ‬شعارًا‭ ‬تردد‭ ‬في‭ ‬أزقة‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬رفض‭ ‬تحويل‭ ‬قطاع‭ ‬حيوي‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬تدر‭ ‬أرباحًا‭ ‬تُحول‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭.‬

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬التسليم‭ ‬الرسمي،‭ ‬تتَّجه‭ ‬الأنظار‭ ‬نحو‭ ‬البديل‭ ‬الوطني‭ ‬المتمثّل‭ ‬في‭ ‬‮«‬الشركة‭ ‬الجهوية‭ ‬متعددة‭ ‬الخدمات‮»‬‭ ‬لجهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة‭. ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الجديد‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬السيادة‭ ‬الطاقية‭ ‬والمائية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مؤسسة‭ ‬عمومية‭ ‬تمتلك‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬والدولة‭ ‬حصة‭ ‬الأسد‭ ‬فيها‭.‬

الهدف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬هو‭ ‬توحيد‭ ‬معايير‭ ‬الخدمة‭ ‬بين‭ ‬الحواضر‭ ‬والقرى،‭ ‬وضمان‭ ‬إعادة‭ ‬استثمار‭ ‬الأرباح‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الشبكات‭ ‬المحلية؛‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تصديرها‭ ‬بوصفها‭ ‬أرباحًا‭ ‬للمساهمين‭ ‬الدوليين،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المكتسبات‭ ‬المهنية‭ ‬لآلاف‭ ‬العمال‭ ‬والمستخدمين‭ ‬المغاربة‭ ‬الذين‭ ‬قضوا‭ ‬سنوات‭ ‬داخل‭ ‬الشركة‭ ‬الفرنسية‭.‬

إن‭ ‬رحيل‭ ‬‮«‬أمانديس‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الهُوية‭ ‬البصرية‭ ‬أو‭ ‬استبدال‭ ‬شعار‭ ‬بآخر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لقدرة‭ ‬التدبير‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬التحدِّيات‭ ‬المناخية‭ ‬المتسارعة،‭ ‬وتدبير‭ ‬الندرة‭ ‬المائية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تشهد‭ ‬نموًّا‭ ‬ديمغرافيًّا‭ ‬وصناعيًّا‭ ‬هائلًا‭.‬

الرهان‭ ‬اليوم‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬تأمين‭ ‬التزويد‭ ‬بالماء‭ ‬والكهرباء،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬علاقة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬مع‭ ‬المواطن،‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬الشفافية‭ ‬والعدالة‭ ‬في‭ ‬التسعير‭ ‬والجودة‭ ‬في‭ ‬الخدمة،‭ ‬لتكون‭ ‬نهاية‭ ‬‮«‬أمانديس‮»‬‭ ‬هي‭ ‬البداية‭ ‬الفعلية‭ ‬لعهد‭ ‬الحكامة‭ ‬الجهوية‭ ‬المستدامة‭.‬

Exit mobile version