في الواجهة

نزيف في الأطر الصحية وتستر على غيابات الأساتذة وفضائح في مشاتل المقاولين الشباب

تقرير المجلس الأعلى للحسابات يفضل اختلالات الصحة والتعليم والفلاحة والمقاولات الصغرى في جهة طنجة تطوان الحسيمة

 

حمل تقرير المجلس الأعلى للحسابات الخاص بسنة 2021، والمنشور بالجريدة الرسمية شهر مارس المنصرم، العديد من الملاحظات التي تهم جهة طنجة تطوان الحسيمة، التي وضعت الأصبع على الجرح مرة أخرى بخصوص الكثير من الاختلالات، هذه المرة في مجال الصحة والتعليم والفلاحة والمقاولات الصغرى ومالية المجالس المنتخبة، مُخَلِّفة تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسات المعنية على تدارك الأمر.

خصاص وفوضى في المستشفيات

وفي تقريره الخاص بالموارد البشرية لوزارة الصحة، وضع المجلس الأعلى للحسابات جهة طنجة تطوان الحسيمة ضمن الجهات التي تعاني العديد من التفاوتات والنقائص، ففي الشق المتعلق بتحقيق التوافق بين الموارد الطبية والبنيات التحتية لعرض العلاجات قال التقرير إن متوسط أطباء الإنعاش والتخدير يبلغ 6 أطباء لكل سرير عناية مركزة، وتفتقر الجهة الشمالية بشكل ملحوظ لهذه الفئة من الأطباء، إذ ينحدر الرقم إلى طبيب تخدير واحد لكل 11 سرير عناية مركزة.

وشدد التقرير على ضرورة ترشيد تدبير الموارد البشرية الطبية المتاحة، مبرزا أنه في سياق يتسم بنقص الموارد البشرية الطبية التي تميز جل المؤسسات الصحية، فإن ترشيد إدارة الموارد البشرية يستدعي أساسا تدبيرا ناجعا للموارد البشرية المتاحة، إلا أنه تم الوقوف على مجموعة من الملاحظات في هذا الصدد التي شملت مستشفيات جهة طنجة تطوان الحسيمة أيضا.

ومن ضمن تلك الملاحظات عدم توفر بعض المستشفيات على التخصصات المنصوص عليها في المرسوم المتعلق بالمنظومة الصحية وعرض العلاجات، نظرا لغياب أطباء في هذه الاختصاصات أو عدم كفاية عددهم، الأمر الذي يجعل من الصعب ضمان مداومة العلاجات.

وأشارت الوثيقة إلى تعيين أطباء متخصصين في مؤسسات استشفائية لا تتوافق طبيعة اختصاصاتهم مع سلة العلاجات الخاصة بها، كما هو منصوص عليه في الإطار التنظيمي، ويتعلق الأمر بـ 153 طبيبا اختصاصيا في مستشفيات القرب و648 طبيبا في المستشفيات الإقليمية و179 طبيبا في المستشفيات الجهوية.

وتحدث التقرير عن تعيين أطباء متخصصين في مراكز صحية من المفترض أن تكون، حسب النصوص التنظيمية، تحت إشراف طبيب عام، ويتعلق الأمر بما مجموعه 765 طبيبا متخصصا في مختلف التخصصات، مع وجود عدد مهم من الأطباء في وضعية إلحاق أو الوضع رهن الإشارة لدى مؤسسات أخرى، وعددهم 524 طبيبا، دون احتساب الأطباء الممارسين في المستشفيات الجامعية، وأطباء معينين في مهام إدارية في الإدارة المركزية أو المصالح الخارجية للوزارة وعددهم 827 طبيبا.

تستر على غيابات الأساتذة

ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات بخصوص جهة طنجة تطوان الحسيمة شملة أيضا مجال التعليم، حيث تحدث التقرير عن اختلاف اختلاف المعلومات الصادرة عن الوزارة وتلك التي تتوفر عليها الأكاديميات، وهو ما يعكس النقائص التي تعتري منظومة المعلومات لقطاع التربية الوطنية، فضلا عن عدم قدرتها على تقديم كل المعلومات، وبالتفصيل، حول المنظومة التعليمية وطنيا وجهويا ومحليا، وربط المعلومات فيما بينها، كتلك المرتبطة بالموارد البشرية والمؤسسات التعليمية ونتائج التلاميذ.

وحسب الوثيقة ذاتها، فقد سُجل هذا الاختلاف، على سبيل المثال، على مستوى عدد الأساتذة، حيث تم تسجيل وجود فرق بين معطيات قاعدة بيانات الوزارة وتلك المستقاة مباشرة من الأكاديميات، يتراوح ما بين 15.213 أستاذا خلال سنة 2019-2020 و15.028 أستاذا خلال سنة 2020-2021، وقد سجل هذا التباين على مستوى كل الأكاديميات بدون استثناء، إلا أنه عرف مستويات أكبر في البعض منها، خاصة أكاديمية مراكش – آسفي التي وصل فيها إلى 7.509 أستاذا، تليها أكاديمية طنجة – تطوان – الحسيمة التي وصل فيها الفرق إلى 4.642 أستاذا.

ودائما في جهة الشمال، سجل المجلس الأعلى للحسابات فوارق مهمة في البيانات الإحصائية الخاصة بالغياب غير المبرر، الممسوكة على مستوى كل من الأكاديميات وإدارة الموارد البشرية، فعلى سبيل المثال، خلال سنة 2020 ، تم تسجيل 174.322 يوم غياب لدى أكاديمية طنجة – تطوان-  الحسيمة، في حين، وخلال نفس السنة، تم تسجيل فقط 9.475 يوم غياب لدى مديرية الموارد البشرية، أي بفارق 137.847 يوم.

فشل المخطط الأخضر بالشمال

أما في مجال الفلاحة، فكانت جهة طنجة تطوان الحسيمة حاضرة في الشق المتعلق بنظام التجميع الفلاحي، الذي اعتمدته وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، كنموذج لتنظيم وتثمين سلاسل أسس مخطط المغرب الأخضر، وتكمن الغاية من اختيار هذا النموذج في محاولة تجاوز الإكراهات المرتبطة بتجزيء الضيعات الفلاحية وتيسير الولوج لتقنيات الإنتاج الحديثة والتمويل والتسويق، غير أن حصيلة المنجزات بالأقاليم الشمالية كانت ضعيفة.

وقال التقرير إنه بالرغم من المجهودات المبذولة، ظلت الحصيلة الكاملة للإنجازات دون المستوى المستهدف، حيث لم يتم تنفيذ سوى 63 مشروعا من بين 286 مشروعا مبرمجا، إلى غاية أبريل 2020، أي بنسبة إنجاز لم تتجاوز 22 في المائة، وقد مكنت المشاريع المنجزة من تجميع مساحة تقارب 183 هكتارا وأكثر من 126 ألف رأس من الماشية لصالح 56.473 فلاحا مُجمعا، بنسب إنجاز تمثل على التوالي 23 و8 و15 في المائة فقط من الأهداف المتوقعة.

وحلت جهة طنجة تطوان الحسيمة ضمن الجهات التي حققت معدلات منخفضة من الإنجاز، لا تتعدى 24 في المائة، وهي أيضا جهات فاس مكناس، وبني ملال خنيفرة، والدار البيضاء سطات، والرباط سلا القنيطرة، ومراكش آسفي، والعيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي الذهب.

مشاتل المقاولين.. معطيات كارثية

وبشكل سلبي، كانت جهة طنجة تطوان الحسيمة حاضرة أيضا في الجزء الخاص بمشاتل المقاولين الشباب، الذي وصف تقرير المجلس الأعلى للحسابات بأنه “برنامج طموح لم يحقق كل أهدافه ما يستدعي إعادة بلورته”، علما أن الهدف من البرنامج هو إحداث فضاءات مؤقتة لاحتضان الأنشطة المهنية المزاولة من طرف الشباب تمكنهم من اكتراء محلات مهنية بأثمنة تفضيلية مع توفير الخدمات والتجهيزات الأساسية والمواكبة والتتبع، وقد حددت أهداف هذا البرنامج ومؤشراته الأساسية في إنشاء 4000 مقاولة وإحداث 40 ألف منصب شغل وتحقيق استثمارات خاصة بقيمة ملياري درهم، إلى جانب تقليص معدل فشل المقاولات المنشأة حديثا.

وتحدث التقرير عن إسناد بعض المحلات المهنية في غياب دفتر للتحملات يحدد المعايير المعتمدة لانتقاء المستفيدين والإطار المرجعي لتنظيم علاقتهم بالجماعة، ووضع ضوابط استغلالهم للمحلات وإجراءات الإسناد أو الفسخ، ومن بين المحلات المعنية 24 موجودة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، منها 15 بجماعة طنجة و9 بشفشاون.

كما أن الأنشطة المزاولة على مستوى بعض مشاتل المقاولات في طنجة وشفشاون، إلى جانب تازة وسطاتووجدة، لا تستجيب للشروط المنصوص عليها، إذ تقتصر على أنشطة لا تمت بصلة لما هو صناعي، وفق ما ورد في التقرير، كما هو الشأن بالنسبة للأنشطة المتعلقة بالإطعام والنجارة واللحامة والنسيج والألبسة، علاوة على كونها تفتقر إلى الطابع الابتكاري ولا تساهم في إحداث مناصب الشغل في غالب الأحيان، مما يؤكد وجود نقص فيما يتعلق باختيار الأنشطة الملائمة للمشاتل، أو في التأكد مسبقا من وجود فئة مستهدفة قبل الشروع في تنفيذ المشاريع.

وتحدث التقرير أيضا عن أنه لم يتم إحداث خلية التتبع والنصح بمشاتل المقاولات المشغلة رغم التنصيص عليها بالاتفاقيات الأصلية لإحداث مشاتل المقاولات ومالحقها، في حين أن المشاتل التي تتوفر على هذه الخلية لا توفر العدد الكافي والمؤهل من الموظفين، وهنا استحضر التقرير مشتلين، هما طنجة وتازة واللذان يتكونان من موظف جماعي واحد فقط تقتصر مهمته على تتبع وضعية الباقي استخالصه، دون أن تشمل خدمات التتبع والنصح.

أما بخصوص تسوية الوضعية القانونية للمشاتل، فقال التقرير إنه على الرغم من أن الاتفاقيات المحدثة لمشاتل المقاولات قد نصت على أن ملكيتها تؤول إلى الجماعات التي أنجزتها داخل نفوذها الترابي، فإن عددا من الجماعات لم تقم بتسوية الوضعية العقارية لهذه الأراضي عبر إبرام عقود التفويت مع مالكها وتحفيظها باسمها وإدراجها ضمن سجل أمالكها، خاصة وأنه تم الاتفاق على تفويت بعض هذه العقارات إلى الجماعات بالمجان قبيل الشروع في تنفيذ هذه المشاتل، وتحدث التقرير عن مشاتل طنجة وشفشاون والفنيدق، مبرزا أن عدم مبادرتها إلى مباشرة إجراءات تسوية الوضعية العقارية، قد يؤثر على موقفها القانوني في مواجهة المستفيدين من المحلات الذين لم يحترموا دفاتر التحملات وبنود عقود الكراء، وكذا في مواجهة المترامين عليها.

ووقف المجلس على وجود تباين في مستوى التزام المصالح اللاممركزة للسلطة الحكومية المكلفة بالصناعة والتجارة بشأن مواكبة وتتبع المشاتل التي تدخل في دائرة نفوذها الترابي واختلاف درجة إلمامها بإشكاليات تدبير هذه المشاتل، فمعظم الاستمارات وردت على المجالس الجهوية للحسابات دون تضمينها المعطيات المطلوبة بحجة عدم توفرها لدى المندوبيات الجهوية والإقليمية لهذه الوزارة، فيما اعتبرت بعض هذه المندوبيات نفسها غير معنية بتدبير المشاتل لكونها قد سُلمت للجماعات، وذلك على الرغم من أنها تعتبر عضوا قانونيا، أو رئيسا أحيانا، في لجان إسناد المحلات، أي اللجنة الثلاثية أو الرباعية، التي لم تعقد اجتماعاتها بالنسبة لعدد من المشاتل منذ أن أسندت المحلات أول مرة للمستفيدين أو لمدد وصلت أحيانا لأزيد من عشر سنوات، على غرار مشتل طنجة.

ملاحظات حول مالية المجالس

ومن الأمور المثيرة التي حملها التقرير، رصد تأثير أزمة “كوفيد 19” على تدبير الجماعات الترابية، حيث ذكر أن البند الخاص بتقديم مواد غذائية لفائدة الفئات المعوزة الأكثر استفادة من تحويلات الاعتمادات على مستوى مجال الجهات، مع قيام ثمان جهات بذلك، إضافة إلى تسجيل بعض المبادرات الاستثنائية على مستوى جزء التجهيز وبمبالغ مهمة، ذاكر بالتحديد جهة طنجة – تطوان – الحسيمة التي قامت بتحويل اعتماد قدره 50 مليون درهم قصد المساهمة في تمويل تجهيز المستشفيات الإقليمية على صعيد الجهة بمختبرات للكشف عن الفيروس.

أما معدل الادخار الخام فقد تبين عدم تراجعه لدى الجهات والعمالات والأقاليم مع استقراره في مستويات مرتفعة خاصة بالنسبة للجهات، في مقابل تدنيه لدى الجماعات، خاصة تلك الكبرى وفي مقدمتها طنجة إلى جانب الرباط والدار البيضاء والتي انخفض بها إلى أقل من 10 في المائة.

وفي الشق المتعلق بتدبير الجهات، تطرق التقرير إلى وجود نقائص على مستوى حكامة الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع، مشيرا إلى تكليف الوكالتين الجهويتين لتنفيذ المشاريع، على مستوى جهتي طنجة تطوان الحسيمة وبني ملال خنيفرة، بإنجاز مشاريع وبرامج التنمية التي أقرها مجلسا الجهتين، دون إعمال مبدأ التدرج لمراعاة القدرات التدبيرية للوكالتين اعتبارا لحداثة إنشائهما ولكونهما كانتا في طور إرساء هياكلهما الإدارية.

وشدد التقرير أيضا على ضرورة العمل على تحسيس محفظة المساهمات المالية للجهات، مشيرا إلى عدم اعتماد رؤية استراتيجية على مستوى جهة طنجة تطوان الحسيمة تقرر على أساسها الجهة المساهمة في رأسمال الشركات في حدود إمكانياتها المالية وتدبير مساهماتها فيها، حيث لا تتوفر الجهة على تصور حول تقدم أداء الشركات التي تساهم فيها والعلى برنامج زمني لتحرير حصصها في رأسمالها، لا على كيفية تدبير محفظة المساهمات على المدى المتوسط والبعيد.

Exit mobile version