آخر الأخبار

من قلب طنجة إلى الأسواق الأسبوعية.. أين تبحث الأحزاب عن الصوت الأخير في دائرة طنجة-أصيلة؟

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬الاقتراع‭ ‬تتغير‭ ‬جغرافية‭ ‬الحملة‭:‬ من‭ ‬المنصات‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬ومن‭ ‬اللقاءات‭ ‬المركزية‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬والدواوير‭ ‬وشبكات‭ ‬القرب

22‭  ‬ لائحة‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬خـــمــــســــــــة ‬مقاعد‭ ‬

في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬كان‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬يشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬ما‭ ‬اعتادته‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬خلال‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬التشريعية‭: ‬منصات،‭ ‬لقاءات‭ ‬جماهيرية،‭ ‬صور‭ ‬المرشحين،‭ ‬شعارات‭ ‬حزبية،‭ ‬قيادات‭ ‬وطنية،‭ ‬وبرامج‭ ‬تحاول‭ ‬كل‭ ‬لائحة‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تثبيت‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬انتخابي‭ ‬واسع،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬23‭ ‬شتنبر،‭ ‬بدأت‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الميدان‭.‬

السيارات‭ ‬تتحرك‭ ‬أكثر‭ ‬نحو‭ ‬الأطراف،‭ ‬والمرشحون‭ ‬يظهرون‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الأسبوعية،‭ ‬واللقاءات‭ ‬الصغيرة‭ ‬تتكاثر‭ ‬داخل‭ ‬الأحياء،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تستعيد‭ ‬الجماعات‭ ‬القروية‭ ‬والأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للحملة‭.‬

في‭ ‬دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬فقط‭ ‬بسباق‭ ‬انتخابي‭ ‬بين‭ ‬أسماء‭ ‬حزبية،‭ ‬بل‭ ‬بمواجهة‭ ‬مع‭ ‬جغرافية‭ ‬انتخابية‭ ‬معقدة‭: ‬مدينة‭ ‬ضخمة،‭ ‬أحياء‭ ‬ذات‭ ‬كثافة‭ ‬سكانية‭ ‬مرتفعة،‭ ‬مجال‭ ‬قروي‭ ‬موزع‭ ‬على‭ ‬جماعات‭ ‬ودواوير،‭ ‬وأصيلة‭ ‬ومحيطها‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬خصوصيات‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭.‬

وتتنافس‭ ‬في‭ ‬الدائرة‭ ‬22‭ ‬لائحة‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد‭ ‬بمجلس‭ ‬النواب،‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬تجرى‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر،‭ ‬بعدما‭ ‬انطلقت‭ ‬الحملة‭ ‬رسميًّا‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬شتنبر‭ ‬وتستمر‭ ‬إلى‭ ‬منتصف‭ ‬ليل‭ ‬22‭ ‬منه‭. ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬تطرحه‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬للحملة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭: ‬أين‭ ‬توجد‭ ‬الكتلة‭ ‬الناخبة؟‭ ‬بل‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭: ‬أين‭ ‬تستطيع‭ ‬الأحزاب‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الناخب؟‭ ‬ومَن‭ ‬يملك‭ ‬التنظيم‭ ‬والوقت‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬فعلية‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع؟

*عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الوقت‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الخطاب

في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬الحملات‭ ‬موردًا‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتعويض‭: ‬الوقت؛‭ ‬فمنذ‭ ‬انطلاق‭ ‬الحملة،‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬مرشح‭ ‬أن‭ ‬أمامه‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬أسبوعين‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الناخبين‭. ‬وفي‭ ‬البداية‭ ‬يمكن‭ ‬تخصيص‭ ‬الوقت‭ ‬للقاءات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتقديم‭ ‬البرنامج،‭ ‬وإبراز‭ ‬المرشحين،‭ ‬واستضافة‭ ‬القيادات،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬النهاية،‭ ‬يتغير‭ ‬الحساب؛‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬المرشح،‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬المناسب؛‭ ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يعقد‭ ‬لقاءً،‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬قبل؛‭ ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لديه‭ ‬صورة‭ ‬انتخابية‭ ‬منتشرة‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬شبكة‭ ‬ميدانية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬خارج‭ ‬الشاشة‭. ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬أهمية‭ ‬الجماعات‭ ‬القروية‭ ‬والأسواق‭ ‬الأسبوعية‭ ‬والأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬طنجة‭. ‬فالحملة‭ ‬الانتخابية‭ “‬في‭ ‬أسبوعها‭ ‬الأخير‭” ‬تتحول‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬الظهور‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬الانتشار؛‭ ‬وهذا‭ ‬الانتشار‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬منطقة‭ ‬ما‭ ‬تمثل‭ ‬أصواتًا‭ ‬مضمونة‭ ‬لحزب‭ ‬معين،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الأحزاب‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءات‭ ‬يجب‭ ‬ألّا‭ ‬تغيب‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭.‬

*السوق‭ ‬الأسبوعي‭.. ‬فضاء‭ ‬اجتماعي‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬انتخابية

في‭ ‬أحد‭ ‬الغربية،‭ ‬وسيدي‭ ‬اليماني،‭ ‬وسبت‭ ‬الزينات،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الحملة‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬اختراع‭ ‬جمهور‭ ‬جديد؛‭ ‬السوق‭ ‬الأسبوعي‭ ‬موجود‭ ‬أصلًا،‭ ‬السكان‭ ‬يصلون‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬معلوم،‭ ‬قادمين‭ ‬من‭ ‬دواوير‭ ‬ومناطق‭ ‬متفرقة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬قضاء‭ ‬الحاجيات‭ ‬أو‭ ‬اللقاءات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الحملة،‭ ‬يوفر‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬يجتمعون‭ ‬فيه‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استدعائهم‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬انتخابية‭. ‬وقد‭ ‬أعلنت‭ ‬الحركة‭ ‬الشعبية‭ ‬عن‭ ‬جولات‭ ‬انتخابية‭ ‬شملت‭ ‬أسواقًا‭ ‬ومناطق‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬خلال‭ ‬الحملة‭ ‬الحالية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬سجلت‭ ‬تحركات‭ ‬انتخابية‭ ‬لأحزاب‭ ‬ومرشحين‭ ‬آخرين‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬القروية‭ ‬المحيطة‭ ‬بالدائرة،‭ ‬لكن‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الجولات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الحذر،‭ ‬فوجود‭ ‬المرشح‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬صوت‭ ‬له،‭ ‬وحضور‭ ‬عشرات‭ ‬الأشخاص‭ ‬حول‭ ‬وكيل‭ ‬لائحة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنهم‭ ‬سيضعون‭ ‬ورقة‭ ‬الحزب‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الصندوق،‭ ‬السياسة‭ ‬الانتخابية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬الحملة؛‭ ‬السوق‭ ‬يمنح‭ ‬المرشح‭ ‬فرصة‭ ‬للتواصل،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يمنحه‭ ‬النتيجة‭. ‬وهذه‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الحضور‭ ‬والتصويت‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬قراءة‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الحملة‭ ‬مسألة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬والحشود‭.‬

*القرى‭ ‬لا‭ ‬تصوت‭ ‬ككتلة‭ ‬واحدة

من‭ ‬أكثر‭ ‬المفاهيم‭ ‬تداولًا‭ ‬في‭ ‬المواسم‭ ‬الانتخابية‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الخزانات‭ ‬الانتخابية‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬التعبير‭ “‬رغم‭ ‬انتشاره‭” ‬يخفي‭ ‬مشكلة‭ ‬أساسية‭: ‬القرية‭ ‬ليست‭ ‬ناخبًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬والجماعة‭ ‬ليست‭ ‬كتلة‭ ‬تصويتية‭ ‬موحدة،‭ ‬والدواوير‭ ‬نفسها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬اختلافًا‭ ‬في‭ ‬الاختيارات؛‭ ‬ما‭ ‬يوجد‭ ‬فعليًّا‭ ‬هو‭ ‬شبكات‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬المحلية،‭ ‬وفاعلون‭ ‬منتخبون،‭ ‬وأعيان،‭ ‬وأسر،‭ ‬وجمعيات،‭ ‬ووجوه‭ ‬اجتماعية،‭ ‬ومرشحون‭ ‬سابقون،‭ ‬وأشخاص‭ ‬يعرفون‭ ‬تفاصيل‭ ‬المجال‭ ‬المحلي،‭ ‬وهذه‭ ‬الشبكات‭ ‬قد‭ ‬تساعد‭ ‬الحملة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الناس،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬امتلاك‭ ‬قرارهم‭ ‬الانتخابي؛‭ ‬فالناخب‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬مرشح‭ ‬يعرفه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬ثم‭ ‬يصوت‭ ‬لمرشح‭ ‬آخر،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬للعائلة‭ ‬علاقة‭ ‬تاريخية‭ ‬بحزب،‭ ‬ثم‭ ‬تتغير‭ ‬اختيارات‭ ‬بعض‭ ‬أفرادها؛‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬لمنتخب‭ ‬محلي‭ ‬أن‭ ‬يدعم‭ ‬مرشحًا،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تنتقل‭ ‬كل‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الجماعية‭ ‬إلى‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للشبكات‭ ‬المحلية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬الوصول،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬امتلاكها‭ ‬أصواتًا‭ ‬مضمونة‭.‬

*لماذا‭ ‬تعود‭ ‬الأحزاب‭ ‬إلى‭ ‬المنتخب‭ ‬المحلي؟

في‭ ‬المناطق‭ ‬القروية‭ ‬تحديدًا،‭ ‬يظهر‭ ‬المنتخب‭ ‬المحلي‭ ‬باعتباره‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬مهمة‭ ‬بين‭ ‬الحملة‭ ‬والمجال‭: ‬رئيس‭ ‬جماعة‭ ‬أو‭ ‬مستشار‭ ‬جماعي‭ ‬أو‭ ‬فاعل‭ ‬محلي‭ ‬يعرف‭ ‬الدواوير،‭ ‬يعرف‭ ‬طرق‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬يعرف‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يمكن‭ ‬التواصل‭ ‬معهم،‭ ‬ويعرف‭ ‬كذلك‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬حضور‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬المنتخبة‭ ‬داخل‭ ‬اللوائح‭ ‬الانتخابية‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬تفسيره‭ ‬آليًّا‭ ‬باعتباره‭ ‬محاولة‭ ‬لنقل‭ ‬‮«‬رصيد‭ ‬أصوات‮»‬‭ ‬جاهز‭ ‬إلى‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭.‬

*الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬ليست‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬الانتخابات‭ ‬الجماعية

المواطن‭ ‬قد‭ ‬يختار‭ ‬حزبًا‭ ‬في‭ ‬الجماعة‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬اعتبارات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالخِدْمات‭ ‬والقرب‭ ‬والتدبير‭ ‬المحلي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يختار‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الحزب‭ ‬أو‭ ‬المرشح‭ ‬أو‭ ‬الموقف‭ ‬السياسي‭ ‬الوطني‭. ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬المنتخب‭ ‬المحلي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الحملة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬ميداني‭ ‬وفاعل‭ ‬في‭ ‬التنظيم،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬‮«‬مالكًا‮»‬‭ ‬لأصوات‭ ‬المنطقة‭.‬

*بني‭ ‬مكادة‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الحجم‭ ‬نفسه‭ ‬تحديًا

إذا‭ ‬كانت‭ ‬القرى‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المرشح‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التشتت‭ ‬الجغرافي،‭ ‬فإنّ‭ ‬‮«‬بني‭ ‬مكادة‮»‬‭ ‬تفرض‭ ‬عليه‭ ‬المشكلة‭ ‬المعاكسة‭ ‬تقريبًا‭: ‬الحجم‭ ‬والكثافة‭ ‬والتنوع؛‭ ‬فوَفْق‭ ‬نتائج‭ ‬الإحصاء‭ ‬العام‭ ‬للسكان‭ ‬والسكنى‭ ‬2024،‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬مقاطعة‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬567,465‭ ‬نسمة،‭ ‬مقابل‭ ‬386,191‭ ‬نسمة‭ ‬سنة‭ ‬2014،‭ ‬مع‭ ‬150,816‭ ‬أسرة‭ ‬في‭ ‬الإحصاء‭ ‬الأخير‭. ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تضع‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المعادلة‭ ‬الديمغرافية‭ ‬لطنجة،‭ ‬لكن‭ ‬الرقم‭ ‬السكاني‭ ‬ليس‭ ‬رقمًا‭ ‬انتخابيًّا؛‭ ‬فالسكان‭ ‬ليسوا‭ ‬جميعًا‭ ‬ناخبين،‭ ‬والناخبون‭ ‬ليسوا‭ ‬جميعًا‭ ‬مسجلين،‭ ‬والمسجلون‭ ‬ليسوا‭ ‬جميعًا‭ ‬مشاركين،‭ ‬والمشاركون‭ ‬لا‭ ‬يصوتون‭ ‬للائحة‭ ‬واحدة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬حجم‭ ‬المقاطعة‭ ‬يجعل‭ ‬تجاهلها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حملة‭ ‬انتخابية‭ ‬أمرًا‭ ‬صعبًا؛‭ ‬والتحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬مكادة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬داخل‭ ‬بني‭ ‬مكادة؛‭ ‬فالمقاطعة‭ ‬ليست‭ ‬حيًّا‭ ‬واحدًا‭ ‬ولا‭ ‬كتلة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واحدة،‭ ‬إنها‭ ‬مجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأحياء‭ ‬والمجالات‭ ‬السكنية‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬وتركيبتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومستوى‭ ‬كثافتها‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬المحلية‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬صوت‭ ‬بني‭ ‬مكادة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مضللًا؛‭ ‬الأدق‭ ‬هو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أصوات‭ ‬أحياء‭ ‬ومناطق‭ ‬ودوائر‭ ‬اجتماعية‭ ‬مختلفة‭ ‬داخل‭ ‬المقاطعة،‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬العمل‭ ‬الانتخابي‭ ‬أقل‭ ‬استعراضًا‭ ‬وأكثر‭ ‬تنظيمًا؛‭ ‬ففي‭ ‬الأحياء‭ ‬ذات‭ ‬الكثافة‭ ‬السكانية‭.‬

*لا‭ ‬يستطيع‭ ‬المرشح‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬لقاء‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬جولة‭ ‬واحدة‭.. ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تكرار‭ ‬الحضور

المرشح‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المرور‭ ‬من‭ ‬شارع‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ومن‭ ‬حي‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين،‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬السكان،‭ ‬وتنظيم‭ ‬لقاءات‭ ‬صغيرة،‭ ‬وتوثيق‭ ‬النشاط،‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬نشره‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وفي‭ ‬الخلفية،‭ ‬تتحرك‭ ‬فرق‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬الصور‭: ‬مديرو‭ ‬الحملات،‭ ‬والمنسقون‭ ‬المحليون،‭ ‬وأعضاء‭ ‬الفروع،‭ ‬والفرق‭ ‬المكلفة‭ ‬بالتواصل‭ ‬الرقمي،‭ ‬والأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يحددون‭ ‬المسارات‭ ‬والمحطات،‭ ‬جميعهم‭ ‬يدخلون‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة؛‭ ‬وتشير‭ ‬تغطيات‭ ‬محلية‭ ‬للحملة‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬تنامي‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات‭ ‬التنظيمية‭ ‬غير‭ ‬المرئية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التحركات‭ ‬الميدانية‭ ‬للمرشحين،‭ ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬إحدى‭ ‬المفارقات‭ ‬الأساسية‭ ‬للانتخابات‭ ‬الحديثة‭:‬‭ ‬المرشح‭ ‬هو‭ ‬الوجه،‭ ‬لكن‭ ‬الحملة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬شبكة‭ ‬كاملة‭ ‬خلف‭ ‬الوجه،‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬شبكة‭ ‬القرب‭ ‬فلا‭ ‬يملك‭ ‬بالضرورة‭ ‬النتيجة،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬المرشح‭ ‬الأكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬غيره،‭ ‬وقد‭ ‬يبدو‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬ينظم‭ ‬جولات‭ ‬متواصلة‭ ‬أكثر‭ ‬تنظيمًا،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬النشاط،‭ ‬وليست‭ ‬نتائج‭ ‬انتخابية‭.‬

فالانتخابات‭ ‬لا‭ ‬تكافئ‭ ‬بالضرورة‭ ‬من‭ ‬يضع‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الملصقات،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬ينظم‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الجولات،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬ينشر‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الصور‭.‬

الصندوق‭ ‬لا‭ ‬يقيس‭ ‬حجم‭ ‬الحملة‭ ‬فقط؛‭ ‬إنه‭ ‬يقيس‭ ‬قرار‭ ‬الناخب‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وهذا‭ ‬القرار‭ ‬يتأثر‭ ‬بعوامل‭ ‬متعددة‭: ‬صورة‭ ‬المرشح،‭ ‬الحزب،‭ ‬التجربة‭ ‬السابقة،‭ ‬العلاقات‭ ‬المحلية،‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬درجة‭ ‬التعبئة،‭ ‬وربما‭ ‬أيضًا‭ ‬عوامل‭ ‬شخصية‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الانتخابي‭. ‬لهذا‭ ‬السبب،‭ ‬يصعب‭ ‬تحويل‭ ‬كثافة‭ ‬الحملة‭ ‬إلى‭ ‬توقع‭ ‬للنتيجة‭.‬

*ماذا‭ ‬تقول‭ ‬أرقام‭ ‬2021؟

تظل‭ ‬انتخابات‭ ‬2021‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬خلفية‭ ‬حسابات‭ ‬الأحزاب،‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاقتراع،‭ ‬بلغت‭ ‬نسبة‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬عمالة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬32‭.‬36%‭ ‬عند‭ ‬إغلاق‭ ‬مكاتب‭ ‬التصويت،‭ ‬بينما‭ ‬أظهرت‭ ‬النتائج‭ ‬المنشورة‭ ‬حصول‭ ‬الاتِّحاد‭ ‬الدستوري‭ ‬على‭ ‬22,816‭ ‬صوتًا،‭ ‬والاستقلال‭ ‬على‭ ‬21,215،‭ ‬والأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬على‭ ‬20,121،‭ ‬والتجمع‭ ‬الوطني‭ ‬للأحرار‭ ‬على‭ ‬20,019،‭ ‬والاتِّحاد‭ ‬الاشتراكي‭ ‬على‭ ‬11,323‭ ‬صوتًا،‭ ‬مع‭ ‬حصول‭ ‬كل‭ ‬حزب‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬الخمسة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬واحد‭ ‬وفق‭ ‬النتائج‭ ‬المحلية‭ ‬المنشورة‭.‬

ما‭ ‬يهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬ليس‭ ‬استخدامها‭ ‬لمعرفة‭ ‬من‭ ‬سيفوز‭ ‬في‭ ‬2026؛‭ ‬فهذا‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نتائج‭ ‬سابقة‭ ‬وحدها؛‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬تكشف‭ ‬طبيعة‭ ‬المنافسة‭ ‬داخل‭ ‬الدائرة؛‭ ‬فالفارق‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬اللوائح‭ ‬المتقدمة‭ ‬كان‭ ‬محدودًا‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬آلاف‭ ‬الأصوات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬وزن‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬النتائج‭.‬

لكن‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬كافية‭ ‬لتغيير‭ ‬الكثير،‭ ‬فتغيرت‭ ‬الأسماء،‭ ‬وتغيرت‭ ‬الاصطفافات،‭ ‬وانتقل‭ ‬مرشحون‭ ‬بين‭ ‬أحزاب،‭ ‬وظهرت‭ ‬وجوه‭ ‬جديدة،‭ ‬وتغيرت‭ ‬أيضًا‭ ‬البيئة‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬سيصوت‭ ‬داخلها‭ ‬الناخب‭ ‬في‭ ‬2026؛‭ ‬لهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نقل‭ ‬خريطة‭ ‬2021‭ ‬إلى‭ ‬2026‭ ‬كما‭ ‬هي‭.‬

*412‭ ‬ألف‭ ‬ناخب‭ ‬لكن‭ ‬ليسوا‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة

تضم‭ ‬دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬412,447‭ ‬ناخبًا‭ ‬مسجلًا،‭ ‬بحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬المنشورة‭ ‬حول‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية‭ ‬بالجهة،‭ ‬فيما‭ ‬تتنافس‭ ‬22‭ ‬لائحة‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد؛‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬وحده‭ ‬يفسر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الحراك‭ ‬الانتخابي،‭ ‬لكن‭ ‬الرقم‭ ‬الكبير‭ ‬يخفي‭ ‬اختلافات‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬المناطق؛‭ ‬فهناك‭ ‬ناخب‭ ‬حضري‭ ‬يعيش‭ ‬وسط‭ ‬كثافة‭ ‬عمرانية‭ ‬هائلة،‭ ‬وهناك‭ ‬ناخب‭ ‬في‭ ‬جماعة‭ ‬قروية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬محلية‭ ‬يعرف‭ ‬أفرادها‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضًا،‭ ‬وهناك‭ ‬سكان‭ ‬أصيلة‭ ‬ومحيطها،‭ ‬حيث‭ ‬تلعب‭ ‬الخصوصية‭ ‬المحلية‭ ‬دورًا‭ ‬مختلفًا،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬حملة‭ ‬واحدة‭ ‬داخل‭ ‬الدائرة،‭ ‬وإنما‭ ‬عدة‭ ‬حملات‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬داخل‭ ‬فضاءات‭ ‬مختلفة‭.‬

الحزب‭ ‬الذي‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬توزيع‭ ‬جهده‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬مناطق؛‭ ‬فقد‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬أصوات‭ ‬هنا،‭ ‬وأخرى‭ ‬هناك،‭ ‬وثالثة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬قروية،‭ ‬ورابعة‭ ‬داخل‭ ‬حي‭ ‬حضري،‭ ‬والنتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭.‬

*الشباب‭ ‬يطرحون‭ ‬سؤالًا‭ ‬مختلفًا

هناك‭ ‬عامل‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله،‭ ‬خصوصًا‭ ‬داخل‭ ‬طنجة‭: ‬الشباب؛‭ ‬معطيات‭ ‬المندوبية‭ ‬السامية‭ ‬للتخطيط‭ ‬المرتبطة‭ ‬بانتخابات‭ ‬2021‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬التسجيل‭ ‬في‭ ‬اللوائح‭ ‬الانتخابية‭ ‬كان‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬لدى‭ ‬الفئة‭ ‬العمرية‭ ‬18‭ ‬إلى‭ ‬24‭ ‬سنة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفئات‭ ‬الأكبر‭ ‬سنًا؛‭ ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬33‭.‬6%‭ ‬لدى‭ ‬هذه‭ ‬الفئة،‭ ‬مقابل‭ ‬94‭.‬4%‭ ‬لدى‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬60‭ ‬سنة‭ ‬فأكثر‭.‬

هذه‭ ‬أرقام‭ ‬تخص‭ ‬سياق‭ ‬2021،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬إسقاطها‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬انتخابات‭ ‬2026،‭ ‬لكنها‭ ‬تكشف‭ ‬تحديًّا‭ ‬مستمرًا‭ ‬أمام‭ ‬الحملات‭: ‬كيف‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬بالضرورة‭ ‬مع‭ ‬السياسة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوسائل‭ ‬التقليدية‭ ‬نفسها؟

فالملصق‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬ينافس‭ ‬الفيديو‭ ‬القصير،‭ ‬والتجمع‭ ‬الانتخابي‭ ‬ينافس‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي،‭ ‬والخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الطويل‭ ‬ينافس‭ ‬الرسالة‭ ‬المختصرة،‭ ‬وهذا‭ ‬يغير‭ ‬أيضًا‭ ‬معنى‭ ‬‮«‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الناخب‮»‬‭. ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬كان‭ ‬حضور‭ ‬المرشح‭ ‬في‭ ‬الحي‭ ‬أو‭ ‬السوق‭ ‬أحد‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأساسية‭ ‬على‭ ‬نشاطه؛‭ ‬واليوم،‭ ‬يمكن‭ ‬لجولة‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭ ‬إلى‭ ‬محتوى‭ ‬رقمي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬الأشخاص‭ ‬خارج‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬جرت‭ ‬فيه،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تبقى‭ ‬نفسها‭: ‬كم‭ ‬شخصًا‭ ‬شاهد؟‭ ‬وكم‭ ‬شخصًا‭ ‬تفاعل؟‭ ‬وكم‭ ‬شخصًا‭ ‬سيذهب‭ ‬فعلًا‭ ‬إلى‭ ‬صندوق‭ ‬الاقتراع؟‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬الأخير‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬التصويت‭.‬

*حين‭ ‬تتحول‭ ‬الحملة‭ ‬إلى‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الجغرافيا

كلما‭ ‬اقترب‭ ‬23‭ ‬شتنبر،‭ ‬تصبح‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬أشبه‭ ‬بخريطة‭ ‬تتحرك‭ ‬فوقها‭ ‬عشرات‭ ‬الحملات‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه؛‭ ‬ففي‭ ‬وسط‭ ‬طنجة‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬على‭ ‬الانتباه،‭ ‬وفي‭ ‬بني‭ ‬مكادة‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬على‭ ‬الانتشار،‭ ‬وفي‭ ‬القرى‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬على‭ ‬القرب،‭ ‬وبالأسواق‭ ‬الأسبوعية‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬على‭ ‬اللحظة،‭ ‬وفي‭ ‬أصيلة‭ ‬هناك‭ ‬حسابات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بخصوصية‭ ‬المدينة‭ ‬وشبكاتها‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬لهذا،‭ ‬فإن‭ ‬آخر‭ ‬أيام‭ ‬الحملة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬المهرجانات؛‭ ‬فالمهرجان‭ ‬يعطي‭ ‬صورة،‭ ‬لكن‭ ‬الجولة‭ ‬اليومية‭ ‬تكشف‭ ‬التنظيم‭ ‬واللقاء‭ ‬الصغير‭ ‬يكشف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول،‭ ‬والسوق‭ ‬يكشف‭ ‬شبكة‭ ‬العلاقات،‭ ‬والحي‭ ‬الشعبي‭ ‬يكشف‭ ‬قدرة‭ ‬الحملة‭ ‬على‭ ‬الانتشار،‭ ‬لكن‭ ‬أيًّا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬محل‭ ‬صندوق‭ ‬الاقتراع‭.‬

*هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬خزانات‭ ‬أم‭ ‬أمام‭ ‬خريطة‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬الصغيرة؟

ربما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬انتخابات‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭: ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬خزانات‭ ‬انتخابية‮»‬‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬مناطق‭ ‬يمكن‭ ‬فتحها‭ ‬واستخراج‭ ‬أصواتها‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬أكثر‭ ‬تشعبًا؛‭ ‬فهناك‭ ‬آلاف‭ ‬الأصوات‭ ‬موزعة‭ ‬بين‭ ‬مناطق‭ ‬متعددة،‭ ‬وكل‭ ‬مجموعة‭ ‬صغيرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬شيئًا‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬النهائي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬لا‭ ‬تمنح‭ ‬سوى‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد،‭ ‬فقد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬منطقة‭ ‬واحدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حسم‭ ‬المعركة‭ ‬وحدها،‭ ‬لكن‭ ‬مجموع‭ ‬الفوارق‭ ‬الصغيرة‭ ‬بين‭ ‬الأحياء‭ ‬والجماعات‭ ‬قد‭ ‬يصنع‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية،‭ ‬وهنا‭ ‬تتحول‭ ‬الانتخابات‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬تجميع‭ ‬دقيقة‭. ‬صوت‭ ‬هنا،‭ ‬وعشرات‭ ‬هناك،‭ ‬ومئات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬أخرى،‭ ‬ومشاركة‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬حي،‭ ‬ومشاركة‭ ‬أقل‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬آخر،‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل،‭ ‬وليس‭ ‬حجم‭ ‬الحملة‭ ‬في‭ ‬الصور،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬لائحة‭ ‬وأخرى‭.‬

*الاختبار‭ ‬يبدأ‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحملة

عند‭ ‬منتصف‭ ‬ليلة‭ ‬22‭ ‬شتنبر،‭ ‬ستتوقف‭ ‬الحملة‭ ‬رسميًّا؛‭ ‬ستتوقف‭ ‬الجولات،‭ ‬ستختفي‭ ‬مكبرات‭ ‬الصوت،‭ ‬ستتراجع‭ ‬القوافل،‭ ‬وستبقى‭ ‬الملصقات‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬أسبوعين‭ ‬من‭ ‬المنافسة؛‭ ‬لكن‭ ‬الاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي؛‭ ‬عندها‭ ‬ستنتقل‭ ‬المنافسة‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬إلى‭ ‬مكاتب‭ ‬التصويت،‭ ‬ومن‭ ‬الخطاب‭ ‬إلى‭ ‬الرقم،‭ ‬ومن‭ ‬الصورة‭ ‬إلى‭ ‬المحضر‭. ‬وعند‭ ‬إعلان‭ ‬النتائج،‭ ‬سيصبح‭ ‬ممكنًا‭ ‬قياس‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الحملات‭ ‬قد‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬انتشارها‭ ‬الميداني‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬وأصوات،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الحسابات‭ ‬التي‭ ‬بنتها‭ ‬الأحزاب‭ ‬حول‭ ‬المدن‭ ‬والأحياء‭ ‬والقرى‭ ‬والأسواق‭ ‬قد‭ ‬انعكست‭ ‬فعلًا‭ ‬داخل‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭. ‬حتى‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬ستظل‭ ‬كل‭ ‬قراءة‭ ‬للنتائج‭ ‬المقبلة‭ ‬مجرد‭ ‬قراءة‭ ‬محتملة،‭ ‬وليست‭ ‬نتيجة‭.‬

*طنجةأصيلة‭.. ‬حين‭ ‬تكشف‭ ‬الحملة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تقوله‭ ‬الشعارات

تكشف‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬أن‭ ‬المعركة‭ ‬لا‭ ‬تجري‭ ‬فقط‭ ‬فوق‭ ‬المنصات‭. ‬إنها‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الأسبوعي،‭ ‬وفي‭ ‬الزقاق،‭ ‬وفي‭ ‬الحي،‭ ‬وفي‭ ‬مقر‭ ‬الحزب،‭ ‬وفي‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬بين‭ ‬جماعتين،‭ ‬وفي‭ ‬الهاتف‭ ‬الذي‭ ‬ينسق‭ ‬جولة،‭ ‬وفي‭ ‬الفيديو‭ ‬الذي‭ ‬يوثق‭ ‬لقاءً‭ ‬صغيرًا‭. ‬إنها‭ ‬تجري‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المدينة‭ ‬والقرية،‭ ‬وبين‭ ‬المنتخب‭ ‬المحلي‭ ‬والمرشح‭ ‬التشريعي،‭ ‬وبين‭ ‬التنظيم‭ ‬الحزبي‭ ‬والفاعلين‭ ‬الاجتماعيين‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات‭ ‬كلها‭ ‬تظل‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬واحد‭: ‬هل‭ ‬استطاعت‭ ‬الحملة‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬الحضور‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة؟‭ ‬فالقرية‭ ‬لا‭ ‬تصوت‭ ‬كوحدة‭ ‬واحدة‭. ‬وبني‭ ‬مكادة‭ ‬ليست‭ ‬صندوقًا‭ ‬واحدًا‭. ‬وأصيلة‭ ‬ليست‭ ‬كتلة‭ ‬انتخابية‭ ‬مغلقة‭. ‬والسوق‭ ‬الأسبوعي‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬أصواتًا‭ ‬تلقائيًّا‭. ‬والحشد‭ ‬لا‭ ‬يساوي‭ ‬عدد‭ ‬الأصوات‭.‬

والانتشار‭ ‬التنظيمي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نتيجة‭ ‬محسومة‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬تضم‭ ‬412,447‭ ‬ناخبًا‭ ‬مسجلًا‭ ‬و22‭ ‬لائحة‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬أهم‭ ‬معركة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬الصور‭: ‬معركة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الناخب،‭ ‬وإقناعه‭ ‬بالمشاركة،‭ ‬ثم‭ ‬انتظار‭ ‬قراره‭ ‬داخل‭ ‬المعزل‭. ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الجغرافيا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصوت؛‭ ‬الناخبون‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬سيصوتون،‭ ‬وعندها‭ ‬فقط‭ ‬ستعرف‭ ‬الأحزاب‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬جولاتها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬والدواوير‭ ‬والأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬قد‭ ‬أنتجت‭ ‬حضورًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬عابرًا،‭ ‬أم‭ ‬نجحت‭ ‬فعلًا‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬إلى‭ ‬أصوات‭. ‬أما‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬هو‭ ‬حركة‭ ‬الحملات،‭ ‬لا‭ ‬اتجاه‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭.‬

Exit mobile version