آخر الأخبار
من قلب طنجة إلى الأسواق الأسبوعية.. أين تبحث الأحزاب عن الصوت الأخير في دائرة طنجة-أصيلة؟

ومع اقتراب موعد الاقتراع تتغير جغرافية الحملة: من المنصات الكبرى إلى الأحياء الشعبية ومن اللقاءات المركزية إلى الأسواق والدواوير وشبكات القرب
22 لائحة تتنافس على خـــمــــســــــــة مقاعد
في الأيام الأولى من الحملة الانتخابية، كان المشهد السياسي في طنجة يشبه إلى حد كبير ما اعتادته المدن الكبرى خلال الاستحقاقات التشريعية: منصات، لقاءات جماهيرية، صور المرشحين، شعارات حزبية، قيادات وطنية، وبرامج تحاول كل لائحة من خلالها تثبيت حضورها في فضاء انتخابي واسع، لكن مع اقتراب موعد 23 شتنبر، بدأت صورة أخرى تظهر في الميدان.
السيارات تتحرك أكثر نحو الأطراف، والمرشحون يظهرون في الأسواق الأسبوعية، واللقاءات الصغيرة تتكاثر داخل الأحياء، في حين تستعيد الجماعات القروية والأحياء الشعبية موقعها في الحسابات الأخيرة للحملة.
في دائرة طنجة-أصيلة، لا يتعلق الأمر فقط بسباق انتخابي بين أسماء حزبية، بل بمواجهة مع جغرافية انتخابية معقدة: مدينة ضخمة، أحياء ذات كثافة سكانية مرتفعة، مجال قروي موزع على جماعات ودواوير، وأصيلة ومحيطها بما يحمله من خصوصيات سياسية واجتماعية.
وتتنافس في الدائرة 22 لائحة على خمسة مقاعد بمجلس النواب، في انتخابات تجرى يوم 23 شتنبر، بعدما انطلقت الحملة رسميًّا في 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليل 22 منه. السؤال الذي تطرحه الأيام الأخيرة للحملة ليس فقط: أين توجد الكتلة الناخبة؟ بل سؤال أكثر تعقيدًا: أين تستطيع الأحزاب أن تصل إلى الناخب؟ ومَن يملك التنظيم والوقت والقدرة على تحويل هذا الوصول إلى مشاركة فعلية يوم الاقتراع؟
*عندما يصبح الوقت أهم من الخطاب
في الانتخابات، لا تملك الحملات موردًا غير قابل للتعويض: الوقت؛ فمنذ انطلاق الحملة، يعرف كل مرشح أن أمامه أقل من أسبوعين للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناخبين. وفي البداية يمكن تخصيص الوقت للقاءات الكبرى، وتقديم البرنامج، وإبراز المرشحين، واستضافة القيادات، لكن مع اقتراب النهاية، يتغير الحساب؛ فلم يعد يكفي أن يظهر المرشح، فعليه أن يظهر في المكان المناسب؛ ولا يكفي أن يعقد لقاءً، فعليه أن يصل إلى مناطق لم يصل إليها من قبل؛ ولا يكفي أن تكون لديه صورة انتخابية منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فعليه أن يمتلك شبكة ميدانية قادرة على التحرك خارج الشاشة. وهنا تبدأ أهمية الجماعات القروية والأسواق الأسبوعية والأحياء الشعبية في طنجة. فالحملة الانتخابية “في أسبوعها الأخير” تتحول تدريجيًّا من معركة الظهور إلى معركة الانتشار؛ وهذا الانتشار لا يعني بالضرورة أن منطقة ما تمثل أصواتًا مضمونة لحزب معين، بل يعني أن الأحزاب تنظر إلى هذه المجالات باعتبارها فضاءات يجب ألّا تغيب عنها في المرحلة الأخيرة.
*السوق الأسبوعي.. فضاء اجتماعي يتحول إلى محطة انتخابية
في أحد الغربية، وسيدي اليماني، وسبت الزينات، لا تحتاج الحملة بالضرورة إلى اختراع جمهور جديد؛ السوق الأسبوعي موجود أصلًا، السكان يصلون إليه في يوم معلوم، قادمين من دواوير ومناطق متفرقة، من أجل التجارة أو قضاء الحاجيات أو اللقاءات الاجتماعية.
بالنسبة إلى الحملة، يوفر هذا الواقع فرصة نادرة الوصول إلى عدد من السكان في فضاء يجتمعون فيه بشكل طبيعي، من دون الحاجة إلى استدعائهم إلى قاعة انتخابية. وقد أعلنت الحركة الشعبية عن جولات انتخابية شملت أسواقًا ومناطق من هذا النوع خلال الحملة الحالية، في حين سجلت تحركات انتخابية لأحزاب ومرشحين آخرين في عدد من المناطق القروية المحيطة بالدائرة، لكن قراءة هذه الجولات تحتاج إلى قدر من الحذر، فوجود المرشح في السوق لا يعني أن السوق صوت له، وحضور عشرات الأشخاص حول وكيل لائحة لا يعني أنهم سيضعون ورقة الحزب نفسه في الصندوق، السياسة الانتخابية أكثر تعقيدًا من الصورة التي تنتجها الحملة؛ السوق يمنح المرشح فرصة للتواصل، لكنه لا يمنحه النتيجة. وهذه المسافة بين الحضور والتصويت هي التي تجعل قراءة الأيام الأخيرة من الحملة مسألة تحتاج إلى أكثر من الصور والحشود.
*القرى لا تصوت ككتلة واحدة
من أكثر المفاهيم تداولًا في المواسم الانتخابية الحديث عن «الخزانات الانتخابية»، لكن التعبير “رغم انتشاره” يخفي مشكلة أساسية: القرية ليست ناخبًا واحدًا، والجماعة ليست كتلة تصويتية موحدة، والدواوير نفسها يمكن أن تعرف اختلافًا في الاختيارات؛ ما يوجد فعليًّا هو شبكات من العلاقات المحلية، وفاعلون منتخبون، وأعيان، وأسر، وجمعيات، ووجوه اجتماعية، ومرشحون سابقون، وأشخاص يعرفون تفاصيل المجال المحلي، وهذه الشبكات قد تساعد الحملة للوصول إلى الناس، لكنها لا تعني امتلاك قرارهم الانتخابي؛ فالناخب يمكن أن يستمع إلى مرشح يعرفه منذ سنوات، ثم يصوت لمرشح آخر، ويمكن أن تكون للعائلة علاقة تاريخية بحزب، ثم تتغير اختيارات بعض أفرادها؛ كما يمكن لمنتخب محلي أن يدعم مرشحًا، بينما لا تنتقل كل الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الجماعية إلى الانتخابات التشريعية. لذلك، فإن القيمة الحقيقية للشبكات المحلية تكمن في قدرتها على تنظيم الوصول، وليس في امتلاكها أصواتًا مضمونة.
*لماذا تعود الأحزاب إلى المنتخب المحلي؟
في المناطق القروية تحديدًا، يظهر المنتخب المحلي باعتباره حلقة وصل مهمة بين الحملة والمجال: رئيس جماعة أو مستشار جماعي أو فاعل محلي يعرف الدواوير، يعرف طرق الوصول إليها، يعرف الأشخاص الذين يمكن التواصل معهم، ويعرف كذلك القضايا التي تشغل سكان المنطقة، وهذا ما يفسر حضور عدد من الوجوه المنتخبة داخل اللوائح الانتخابية. لكن هذا الحضور لا ينبغي تفسيره آليًّا باعتباره محاولة لنقل «رصيد أصوات» جاهز إلى الانتخابات التشريعية.
*الانتخابات التشريعية ليست نسخة من الانتخابات الجماعية
المواطن قد يختار حزبًا في الجماعة بناءً على اعتبارات مرتبطة بالخِدْمات والقرب والتدبير المحلي، في حين يختار في الانتخابات التشريعية بناءً على الحزب أو المرشح أو الموقف السياسي الوطني. وهنا يصبح المنتخب المحلي بالنسبة إلى الحملة أقرب إلى دليل ميداني وفاعل في التنظيم، وليس بالضرورة «مالكًا» لأصوات المنطقة.
*بني مكادة… عندما يصبح الحجم نفسه تحديًا
إذا كانت القرى تفرض على المرشح التعامل مع التشتت الجغرافي، فإنّ «بني مكادة» تفرض عليه المشكلة المعاكسة تقريبًا: الحجم والكثافة والتنوع؛ فوَفْق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، بلغ عدد سكان مقاطعة بني مكادة 567,465 نسمة، مقابل 386,191 نسمة سنة 2014، مع 150,816 أسرة في الإحصاء الأخير. هذه الأرقام تضع بني مكادة في قلب المعادلة الديمغرافية لطنجة، لكن الرقم السكاني ليس رقمًا انتخابيًّا؛ فالسكان ليسوا جميعًا ناخبين، والناخبون ليسوا جميعًا مسجلين، والمسجلون ليسوا جميعًا مشاركين، والمشاركون لا يصوتون للائحة واحدة، ومع ذلك، فإن حجم المقاطعة يجعل تجاهلها في أي حملة انتخابية أمرًا صعبًا؛ والتحدي الحقيقي ليس فقط في الوصول إلى بني مكادة، وإنما في الوصول داخل بني مكادة؛ فالمقاطعة ليست حيًّا واحدًا ولا كتلة اجتماعية واحدة، إنها مجموعة واسعة من الأحياء والمجالات السكنية التي تختلف في تاريخها وتركيبتها الاجتماعية ومستوى كثافتها وعلاقاتها المحلية. وبالتالي، فإن الحديث عن «صوت بني مكادة» قد يكون مضللًا؛ الأدق هو الحديث عن أصوات أحياء ومناطق ودوائر اجتماعية مختلفة داخل المقاطعة، هنا يصبح العمل الانتخابي أقل استعراضًا وأكثر تنظيمًا؛ ففي الأحياء ذات الكثافة السكانية.
*لا يستطيع المرشح الاعتماد على لقاء واحد أو جولة واحدة.. هناك حاجة إلى تكرار الحضور
المرشح يحتاج إلى المرور من شارع إلى آخر، ومن حي إلى آخر، والاستفادة من الفاعلين المحليين، والتواصل مع السكان، وتنظيم لقاءات صغيرة، وتوثيق النشاط، ثم إعادة نشره على شبكات التواصل الاجتماعي.
وفي الخلفية، تتحرك فرق لا تظهر دائمًا في الصور: مديرو الحملات، والمنسقون المحليون، وأعضاء الفروع، والفرق المكلفة بالتواصل الرقمي، والأشخاص الذين يحددون المسارات والمحطات، جميعهم يدخلون في معادلة الأيام الأخيرة؛ وتشير تغطيات محلية للحملة الحالية إلى تنامي دور هذه الشبكات التنظيمية غير المرئية في إدارة التحركات الميدانية للمرشحين، وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية للانتخابات الحديثة: المرشح هو الوجه، لكن الحملة في كثير من الأحيان شبكة كاملة خلف الوجه، من يملك شبكة القرب فلا يملك بالضرورة النتيجة، قد يبدو المرشح الأكثر حضورًا في الشارع أكثر قوة من غيره، وقد يبدو الحزب الذي ينظم جولات متواصلة أكثر تنظيمًا، لكن هذه مؤشرات على النشاط، وليست نتائج انتخابية.
فالانتخابات لا تكافئ بالضرورة من يضع أكبر عدد من الملصقات، ولا من ينظم أكبر عدد من الجولات، ولا من ينشر أكبر عدد من الصور.
الصندوق لا يقيس حجم الحملة فقط؛ إنه يقيس قرار الناخب في لحظة الاقتراع، وهذا القرار يتأثر بعوامل متعددة: صورة المرشح، الحزب، التجربة السابقة، العلاقات المحلية، الخطاب السياسي، القضايا الاجتماعية والاقتصادية، درجة التعبئة، وربما أيضًا عوامل شخصية لا تظهر في الخطاب الانتخابي. لهذا السبب، يصعب تحويل كثافة الحملة إلى توقع للنتيجة.
*ماذا تقول أرقام 2021؟
تظل انتخابات 2021 حاضرة في خلفية حسابات الأحزاب، في ذلك الاقتراع، بلغت نسبة المشاركة في عمالة طنجة-أصيلة 32.36% عند إغلاق مكاتب التصويت، بينما أظهرت النتائج المنشورة حصول الاتِّحاد الدستوري على 22,816 صوتًا، والاستقلال على 21,215، والأصالة والمعاصرة على 20,121، والتجمع الوطني للأحرار على 20,019، والاتِّحاد الاشتراكي على 11,323 صوتًا، مع حصول كل حزب من الأحزاب الخمسة الأولى على مقعد واحد وفق النتائج المحلية المنشورة.
ما يهم في هذه الأرقام ليس استخدامها لمعرفة من سيفوز في 2026؛ فهذا غير ممكن من خلال نتائج سابقة وحدها؛ الأهم هو أنها تكشف طبيعة المنافسة داخل الدائرة؛ فالفارق بين عدد من اللوائح المتقدمة كان محدودًا نسبيًّا، ما يعني أن آلاف الأصوات يمكن أن تكون ذات وزن في ترتيب النتائج.
لكن خمس سنوات كافية لتغيير الكثير، فتغيرت الأسماء، وتغيرت الاصطفافات، وانتقل مرشحون بين أحزاب، وظهرت وجوه جديدة، وتغيرت أيضًا البيئة السياسية والاجتماعية التي سيصوت داخلها الناخب في 2026؛ لهذا لا يمكن نقل خريطة 2021 إلى 2026 كما هي.
*412 ألف ناخب لكن ليسوا كتلة واحدة
تضم دائرة طنجة-أصيلة 412,447 ناخبًا مسجلًا، بحسب المعطيات المنشورة حول الدوائر الانتخابية بالجهة، فيما تتنافس 22 لائحة على خمسة مقاعد؛ هذا الرقم وحده يفسر جزءًا من حجم الحراك الانتخابي، لكن الرقم الكبير يخفي اختلافات كبيرة بين المناطق؛ فهناك ناخب حضري يعيش وسط كثافة عمرانية هائلة، وهناك ناخب في جماعة قروية قد يكون أقرب إلى شبكة محلية يعرف أفرادها بعضهم بعضًا، وهناك سكان أصيلة ومحيطها، حيث تلعب الخصوصية المحلية دورًا مختلفًا، وبالتالي، لا توجد حملة واحدة داخل الدائرة، وإنما عدة حملات تتحرك في الوقت نفسه داخل فضاءات مختلفة.
الحزب الذي ينجح في إدارة هذه الجغرافيا لا يحتاج بالضرورة إلى الهيمنة على منطقة واحدة، بل إلى توزيع جهده بين عدة مناطق؛ فقد يحصل على أصوات هنا، وأخرى هناك، وثالثة في منطقة قروية، ورابعة داخل حي حضري، والنتيجة النهائية تتشكل من مجموع هذه التفاصيل الصغيرة.
*الشباب يطرحون سؤالًا مختلفًا
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله، خصوصًا داخل طنجة: الشباب؛ معطيات المندوبية السامية للتخطيط المرتبطة بانتخابات 2021 أظهرت أن التسجيل في اللوائح الانتخابية كان أقل بكثير لدى الفئة العمرية 18 إلى 24 سنة مقارنة بالفئات الأكبر سنًا؛ فقد بلغ 33.6% لدى هذه الفئة، مقابل 94.4% لدى الأشخاص في سن 60 سنة فأكثر.
هذه أرقام تخص سياق 2021، ولا ينبغي إسقاطها مباشرة على انتخابات 2026، لكنها تكشف تحديًّا مستمرًا أمام الحملات: كيف تصل إلى جيل لا يتعامل بالضرورة مع السياسة من خلال الوسائل التقليدية نفسها؟
فالملصق في الشارع ينافس الفيديو القصير، والتجمع الانتخابي ينافس المحتوى الرقمي، والخطاب السياسي الطويل ينافس الرسالة المختصرة، وهذا يغير أيضًا معنى «الوصول إلى الناخب». في السابق، كان حضور المرشح في الحي أو السوق أحد المؤشرات الأساسية على نشاطه؛ واليوم، يمكن لجولة في حي أن تتحول خلال ساعات إلى محتوى رقمي يصل إلى آلاف الأشخاص خارج المكان الذي جرت فيه، لكن المشكلة تبقى نفسها: كم شخصًا شاهد؟ وكم شخصًا تفاعل؟ وكم شخصًا سيذهب فعلًا إلى صندوق الاقتراع؟ ولا يمكن الإجابة عن السؤال الأخير قبل يوم التصويت.
*حين تتحول الحملة إلى سباق مع الجغرافيا
كلما اقترب 23 شتنبر، تصبح طنجة-أصيلة أشبه بخريطة تتحرك فوقها عشرات الحملات في الوقت نفسه؛ ففي وسط طنجة هناك منافسة على الانتباه، وفي بني مكادة هناك منافسة على الانتشار، وفي القرى هناك منافسة على القرب، وبالأسواق الأسبوعية هناك منافسة على اللحظة، وفي أصيلة هناك حسابات مرتبطة بخصوصية المدينة وشبكاتها السياسية والاجتماعية. لهذا، فإن آخر أيام الحملة لا يمكن اختزالها في المهرجانات؛ فالمهرجان يعطي صورة، لكن الجولة اليومية تكشف التنظيم واللقاء الصغير يكشف القدرة على الوصول، والسوق يكشف شبكة العلاقات، والحي الشعبي يكشف قدرة الحملة على الانتشار، لكن أيًّا من هذه المؤشرات لا يستطيع أن يحل محل صندوق الاقتراع.
*هل نحن أمام “خزانات“ أم أمام خريطة من الأصوات الصغيرة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في قراءة انتخابات طنجة-أصيلة: الحديث عن «خزانات انتخابية» يوحي بأن هناك مناطق يمكن فتحها واستخراج أصواتها دفعة واحدة، لكن الواقع أكثر تشعبًا؛ فهناك آلاف الأصوات موزعة بين مناطق متعددة، وكل مجموعة صغيرة يمكن أن تغير شيئًا في الحساب النهائي، خصوصًا في دائرة لا تمنح سوى خمسة مقاعد، فقد لا تكون هناك منطقة واحدة قادرة على حسم المعركة وحدها، لكن مجموع الفوارق الصغيرة بين الأحياء والجماعات قد يصنع النتيجة النهائية، وهنا تتحول الانتخابات إلى عملية تجميع دقيقة. صوت هنا، وعشرات هناك، ومئات في منطقة أخرى، ومشاركة أعلى في حي، ومشاركة أقل في حي آخر، هذه التفاصيل، وليس حجم الحملة في الصور، هي التي تصنع في النهاية الفارق بين لائحة وأخرى.
*الاختبار يبدأ بعد انتهاء الحملة
عند منتصف ليلة 22 شتنبر، ستتوقف الحملة رسميًّا؛ ستتوقف الجولات، ستختفي مكبرات الصوت، ستتراجع القوافل، وستبقى الملصقات في الشوارع شاهدة على أسبوعين من المنافسة؛ لكن الاختبار الحقيقي سيكون في اليوم التالي؛ عندها ستنتقل المنافسة من الشارع إلى مكاتب التصويت، ومن الخطاب إلى الرقم، ومن الصورة إلى المحضر. وعند إعلان النتائج، سيصبح ممكنًا قياس ما إذا كانت الحملات قد نجحت في تحويل انتشارها الميداني إلى مشاركة وأصوات، وما إذا كانت الحسابات التي بنتها الأحزاب حول المدن والأحياء والقرى والأسواق قد انعكست فعلًا داخل صناديق الاقتراع. حتى ذلك الوقت، ستظل كل قراءة للنتائج المقبلة مجرد قراءة محتملة، وليست نتيجة.
*طنجة–أصيلة.. حين تكشف الحملة أكثر مما تقوله الشعارات
تكشف الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية في طنجة-أصيلة أن المعركة لا تجري فقط فوق المنصات. إنها تجري في السوق الأسبوعي، وفي الزقاق، وفي الحي، وفي مقر الحزب، وفي السيارة التي تنتقل بين جماعتين، وفي الهاتف الذي ينسق جولة، وفي الفيديو الذي يوثق لقاءً صغيرًا. إنها تجري أيضًا في العلاقة بين المدينة والقرية، وبين المنتخب المحلي والمرشح التشريعي، وبين التنظيم الحزبي والفاعلين الاجتماعيين.
لكن هذه الشبكات كلها تظل في النهاية أمام سؤال واحد: هل استطاعت الحملة أن تحول الحضور إلى مشاركة؟ فالقرية لا تصوت كوحدة واحدة. وبني مكادة ليست صندوقًا واحدًا. وأصيلة ليست كتلة انتخابية مغلقة. والسوق الأسبوعي لا يمنح أصواتًا تلقائيًّا. والحشد لا يساوي عدد الأصوات.
والانتشار التنظيمي لا يعني نتيجة محسومة في دائرة تضم 412,447 ناخبًا مسجلًا و22 لائحة تتنافس على خمسة مقاعد، ربما تكون أهم معركة في الأيام الأخيرة هي تلك التي لا تظهر كاملة في الصور: معركة الوصول إلى الناخب، وإقناعه بالمشاركة، ثم انتظار قراره داخل المعزل. وفي نهاية المطاف، لن تكون الجغرافيا هي التي تصوت؛ الناخبون هم من سيصوتون، وعندها فقط ستعرف الأحزاب ما إذا كانت جولاتها في الأسواق والدواوير والأحياء الشعبية قد أنتجت حضورًا سياسيًّا عابرًا، أم نجحت فعلًا في تحويل هذا الحضور إلى أصوات. أما قبل ذلك، فكل ما يمكن قراءته هو حركة الحملات، لا اتجاه صناديق الاقتراع.