آخر الأخبار

من طنجة إلى العالم.. كيف غزت السيارات المصنعة بعاصمة البوغاز عدة دول؟ هل أصبح بروز «الوحش الصيني» قريبًا؟

الـمـنظــومة‭ ‬الصــنـاعــــية‭ ‬المــغربـــيــة‭ ‬تنــتج‭ ‬نحــو‭ ‬400‭ ‬ألف‭ ‬ســــيــــــارة‭ ‬ومصنع‭ ‬«‬رونو‭ ‬طنجة‮»‬‭ ‬صاحب‭ ‬حصة‭ ‬الأسد

لم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬‮«‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‮»‬‭ ‬مرتبطًا‭ ‬فقط‭ ‬بموقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬عند‭ ‬بوابة‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬أو‭ ‬باعتبارها‭ ‬مدينة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬اسمُها‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬بصناعة‭ ‬السيَّارات‭ ‬وبواحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬التجارب‭ ‬الصناعية‭ ‬تحوُّلا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬يعتمد‭ ‬‮«‬بدرجة‭ ‬كبيرة‮»‬‭ ‬على‭ ‬الأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬والخدماتية‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬صناعي‭ ‬متكامل‭ ‬يحتضن‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المنظومات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬السيَّارات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭.‬

داخل‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬الجديدة‭ ‬يبرز‭ ‬مصنع‭ ‬رونو‭ ‬طنجة‭ ‬باعتباره‭ ‬المحركَ‭ ‬الأساسيَ‭ ‬لهذا‭ ‬التحوُّل،‭ ‬فالمصنع‭ ‬‮«‬الذي‭ ‬دشنه‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬سنة‭ ‬2012‮»‬‭ ‬تحوَّل‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنيةٍ‭ ‬قصيرةٍ‭ ‬إلى‭ ‬منشأة‭ ‬صناعية‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المدينة،‭ ‬وحتَّى‭ ‬حدود‭ ‬المغرب‭ ‬نفسه،‭ ‬ليصبح‭ ‬عنصرًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬داخل‭ ‬استراتيجية‭ ‬مجموعة‭ ‬رونو‭ ‬العالمية،‭ ‬وقاعدة‭ ‬إنتاجية‭ ‬تنافس‭ ‬مواقع‭ ‬تاريخية‭ ‬للمجموعة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬توسُّع‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السيَّارات‭ ‬المصنعة‭ ‬سنويًّا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬انتقالًا‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬صناعي‭ ‬متكامل‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الإنتاج‭ ‬واللوجستيك‭ ‬والتكوين‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والطاقات‭ ‬النظيفة،‭ ‬ويعيد‭ ‬رسم‭ ‬موقع‭ ‬المغرب‭ ‬داخل‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‭ ‬لصناعة‭ ‬السيَّارات‭.‬

*أرقام‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬التحوُّل‭ ‬الصناعي

تكشف‭ ‬المعطيات‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بأداء‭ ‬مجموعة‭ ‬رونو‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬المغرب‭ ‬يُؤدّيه‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الصناعية‭ ‬للمجموعة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬فقد‭ ‬تجاوز‭ ‬إنتاج‭ ‬مصنعي‭ ‬طنجة‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء‭ ‬394‭ ‬ألف‭ ‬سيارة،‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬واحدة،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يُمثّل‭ ‬نحو‭ ‬17%‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي‭ ‬للمجموعة‭.‬

هذا‭ ‬يعني‭ ‬عمليًّا‭ ‬أنَّ‭ ‬سيارة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬كلّ‭ ‬ست‭ ‬سيَّارات‭ ‬تنتجها‭ ‬رونو‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مصانعها‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬تحمل‭ ‬بصمة‭ ‬الصناعة‭ ‬المغربية،‭ ‬وهو‭ ‬مُؤشّر‭ ‬يعكس‭ ‬التحوُّل‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬المملكة،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭.‬

مصنع‭ ‬طنجة‭ ‬استحوذ‭ ‬على‭ ‬الحصة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بعدما‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬السيارات‭ ‬المصنعة‭ ‬داخله‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬299‭ ‬ألف‭ ‬سيارة‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬أمَّا‭ ‬مصنع‭ ‬الشركة‭ ‬المغربية‭ ‬لصناعة‭ ‬السيارات‭ ‬‮«‬صوماكا‮»‬‭ ‬بالدار‭ ‬البيضاء‭ ‬فتجاوز‭ ‬إنتاجه‭ ‬95‭ ‬ألف‭ ‬سيارة‭.‬

وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬أهمية‭ ‬إضافية‭ ‬عندما‭ ‬توضع‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬مواقع‭ ‬إنتاج‭ ‬أخرى‭ ‬تابعة‭ ‬للمجموعة،‭ ‬فقد‭ ‬تجاوز‭ ‬إنتاج‭ ‬مصنع‭ ‬طنجة‭ ‬وحده‭ ‬مجموع‭ ‬إنتاج‭ ‬مصنعي‭ ‬رونو‭ ‬في‭ ‬مدينتي‭ ‬فالنسيا‭ ‬وبلد‭ ‬الوليد‭ ‬الإسبانيتين،‭ ‬وهو‭ ‬تحوُّل‭ ‬يعكس‭ ‬تغيّر‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬الصناعية‭ ‬داخل‭ ‬المجموعة‭ ‬الفرنسية‭.‬

ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬فقط‭ ‬بالأرقام‭ ‬المجردة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬خلف‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬تُوجد‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تطوَّرت‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬توسُّع‭ ‬المصنع‭.‬

*مــــن‭ ‬مـشـــروع‭ ‬صـــنــــاعي‭ ‬إلــى‭ ‬مـنـظــومـة‭ ‬مـتــكامـلــة

عندما‭ ‬أُطلق‭ ‬مشروع‭ ‬مصنع‭ ‬طنجة‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬يتجاوز‭ ‬إنشاء‭ ‬وحدة‭ ‬لتجميع‭ ‬السيارات‭ ‬فقط،‭ ‬فقد‭ ‬صُمّم‭ ‬المشروع‭ ‬ليكون‭ ‬نقطةَ‭ ‬انطلاقٍ‭ ‬لبناء‭ ‬نظامٍ‭ ‬صناعيٍّ‭ ‬متكاملٍ‭ ‬قادرٍ‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والموردين‭ ‬والشركاء‭ ‬الصناعيين‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات،‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تتحقَّق‭ ‬تدريجيًّا،‭ ‬فقد‭ ‬تشكَّلت‭ ‬عن‭ ‬المصنع‭ ‬منظومةٌ‭ ‬تضمُّ‭ ‬عشرات‭ ‬الموردين‭ ‬والشركات‭ ‬الصناعية‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬المكونات‭ ‬المختلفة‭ ‬للسيارات‭. ‬تضمُّ‭ ‬هذه‭ ‬الشبكة‭ ‬نحو‭ ‬87‭ ‬موردًا‭ ‬من‭ ‬المستوى‭ ‬الأول،‭ ‬وهي‭ ‬شركات‭ ‬تُوفّر‭ ‬القطع‭ ‬والمكونات‭ ‬الأساسية‭ ‬لخطوط‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وقد‭ ‬اختارت‭ ‬نسبةٌ‭ ‬كبيرةٌ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬إنشاء‭ ‬وحداتها‭ ‬داخل‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬المحاذية‭ ‬لميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬مما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬وتخفيض‭ ‬فترات‭ ‬التوريد‭.‬

هذا‭ ‬التمركز‭ ‬الصناعي‭ ‬خلق‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬مدينة‭ ‬صناعية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتفاعل‭ ‬فيها‭ ‬مختلف‭ ‬الحلقات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬باستمرار،‭ ‬حيث‭ ‬تتحرَّك‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬والمكونات‭ ‬والمنتجات‭ ‬النهائية‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬جغرافي‭ ‬محدود،‭ ‬وترتكز‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬القرب‭ ‬بين‭ ‬المصنع‭ ‬والموردين‭ ‬ومراكز‭ ‬التصدير،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬أصبح‭ ‬يحظى‭ ‬باهتمامٍ‭ ‬متزايدٍ‭ ‬داخل‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬العالمية‭.‬

*دور‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬الشغل

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لمصنع‭ ‬رونو‭ ‬طنجة‭ ‬دون‭ ‬التوقُّف‭ ‬عند‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬مجموعة‭ ‬رونو‭ ‬تُشغّل‭ ‬بالمغرب‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬مستخدم‭ ‬داخل‭ ‬وحداتها‭ ‬الصناعية‭ ‬والإدارية،‭ ‬بينما‭ ‬يضمُّ‭ ‬مصنع‭ ‬طنجة‭ ‬وحده‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬آلاف‭ ‬وخمسمائة‭ ‬عاملٍ‭ ‬ومُستخدمٍ‭. ‬لكن‭ ‬الأثر‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمشروع‭ ‬يتجاوز‭ ‬الوظائف‭ ‬المباشرة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬قطاع‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬يعتمد‭ ‬بطبيعته‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬المرتبطة‭ ‬به،‭ ‬فكل‭ ‬وظيفة‭ ‬صناعية‭ ‬داخل‭ ‬المصنع‭ ‬تؤدي‭ ‬‮«‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬النقل‭ ‬والخِدْمات‭ ‬واللوجستيك‭ ‬والصيانة‭ ‬والتكوين‭ ‬والتغليف‭ ‬والمطاعم‭ ‬والخدمات‭ ‬التجارية‭.‬

كما‭ ‬أسهم‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬شركات‭ ‬صناعية‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة،‭ ‬مما‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬آلاف‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬الإضافية،‭ ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬ومحيطها،‭ ‬حيث‭ ‬ظهرت‭ ‬أحياء‭ ‬ومناطق‭ ‬عمرانية‭ ‬جديدة‭ ‬وتوسَّعت‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والخِدْمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬

وبات‭ ‬قطاع‭ ‬السيَّارات‭ ‬يُمثّل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مصادر‭ ‬التشغيل‭ ‬في‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسيمة،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬أعداد‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الحاصلين‭ ‬على‭ ‬تكوينات‭ ‬تقنية‭ ‬ومهنية‭.‬

*التــــكويــن‭ ‬باعـتــباره‭ ‬جـــزءًا‭ ‬من‭ ‬المـعــادلـــة‭ ‬الصـناعـيـــة

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬عناصر‭ ‬نجاح‭ ‬تجربة‭ ‬رونو‭ ‬بالمغرب‭ ‬يتمثَّل‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬العنصر‭ ‬البشري،‭ ‬فالصناعة‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الآلات‭ ‬والتجهيزات،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬كفاءاتٍ‭ ‬بشريةٍ‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتطوّرة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬أُنشئ‭ ‬المعهد‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات،‭ ‬الذي‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬أساسي‭ ‬لتأهيل‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬ومنذ‭ ‬إطلاقه،‭ ‬وفَّر‭ ‬المعهد‭ ‬ملايين‭ ‬ساعات‭ ‬التكوين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعدّدة‭ ‬تشمل‭ ‬الروبوتيك‭ ‬والتشغيل‭ ‬الأوتوماتيكي‭ ‬وكهربة‭ ‬السيارات‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬نشاط‭ ‬المؤسَّسة‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬العاملين‭ ‬داخل‭ ‬مصانع‭ ‬رونو‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬تكوين‭ ‬موردي‭ ‬القطاع‭ ‬والشركاء‭ ‬الصناعيين‭ ‬وبرامج‭ ‬موجهة‭ ‬للشباب‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬الاندماج‭ ‬المهني،‭ ‬هذا‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الكفاءات‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬بشرية‭ ‬متخصّصة‭ ‬أصبحت‭ ‬تُمثّل‭ ‬عنصرًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الجاذبية‭ ‬الصناعية‭ ‬للمغربٍ‭.‬

*طنجة‭ ‬المتوسط‭..‬‭ ‬شريان‭ ‬يربط‭ ‬المصنع‭ ‬بالعالم

يصعب‭ ‬فهم‭ ‬نجاح‭ ‬تجربة‭ ‬مصنع‭ ‬رونو‭ ‬طنجة‭ ‬دون‭ ‬التوقّف‭ ‬عند‭ ‬الدور‭ ‬المحوري،‭ ‬الذي‭ ‬يؤديه‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬فالمركب‭ ‬المينائي‭ ‬تحوَّل‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المراكز‭ ‬اللوجستية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وأصبح‭ ‬يُشكّل‭ ‬نقطة‭ ‬الربط‭ ‬الأساسية‭ ‬بين‭ ‬المصانع‭ ‬المغربية‭ ‬والأسواق‭ ‬الدولية‭.‬

وتتوفر‭ ‬المحطة‭ ‬المُخصّصة‭ ‬للسيارات‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬استيعابية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مليون‭ ‬سيارة‭ ‬سنويًّا،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬باستيعاب‭ ‬التدفقات‭ ‬المتزايدة‭ ‬للصادرات،‭ ‬كما‭ ‬ترتبط‭ ‬المنصة‭ ‬بشبكة‭ ‬بحرية‭ ‬واسعة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬الدول‭.‬

أما‭ ‬داخل‭ ‬مصنع‭ ‬طنجة‭ ‬نفسه،‭ ‬فقد‭ ‬دُمجت‭ ‬خطوط‭ ‬سككية‭ ‬مباشرةً‭ ‬تسمح‭ ‬بنقل‭ ‬السيارات‭ ‬نحو‭ ‬الميناء‭ ‬عبر‭ ‬رحلات‭ ‬يومية‭ ‬منتظمة،‭ ‬هذا‭ ‬الربط‭ ‬السككي‭ ‬يُوفّر‭ ‬مزايا‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تقليص‭ ‬التكاليف،‭ ‬وتسريع‭ ‬عمليات‭ ‬النقل،‭ ‬وتقليل‭ ‬الأثر‭ ‬البيئي‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬انبعاثات‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬بنسبة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬90%‭ ‬مقارنة‭ ‬بالنقل‭ ‬الطرقي،‭ ‬وتتكامل‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬مع‭ ‬آلاف‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬والشاحنات‭ ‬التي‭ ‬تتحرك‭ ‬سنويًّا‭ ‬لنقل‭ ‬السيارات‭ ‬والمكونات‭ ‬الصناعية‭.‬

*الإنتاج‭ ‬المغربي‭ ‬داخل‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية

لم‭ ‬يعد‭ ‬المغرب‭ ‬اليوم‭ ‬مجرد‭ ‬موقع‭ ‬لتجميع‭ ‬السيارات‭ ‬أو‭ ‬إنتاج‭ ‬نماذج‭ ‬مُحدّدة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬فالتحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬القطاع‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‮»‬‭ ‬جعلت‭ ‬المملكة‭ ‬تحتلّ‭ ‬موقعًا‭ ‬متقدّمًا‭ ‬داخل‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‭. ‬ارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬الإدماج‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬مكونات‭ ‬سيارات‭ ‬رونو‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬66%‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنحو‭ ‬40%‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬جزءًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬السيارات‭ ‬بات‭ ‬يُصنّع‭ ‬محليًّا‭.‬

كما‭ ‬بلغت‭ ‬قيمة‭ ‬مشتريات‭ ‬المجموعة‭ ‬من‭ ‬الموردين‭ ‬المغاربة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ملياري‭ ‬يورو،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬تطوُّر‭ ‬القدرات‭ ‬الصناعية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وهذا‭ ‬التطوُّر‭ ‬يمنح‭ ‬المغرب‭ ‬موقعًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬داخل‭ ‬الصناعة‭ ‬العالمية؛‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬استقبال‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يشارك‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭.‬

وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬مع‭ ‬توجه‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬نحو‭ ‬تقليص‭ ‬المسافات‭ ‬داخل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬مواقع‭ ‬الإنتاج‭.‬

*المــغرب‭ ‬بــيــن‭ ‬تنـافسية‭ ‬الكلفة‭ ‬وجودة‭ ‬البـنية‭ ‬التحتية

هناك‭ ‬عوامل‭ ‬عديدة‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬موقع‭ ‬المغرب‭ ‬داخل‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬العالمية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬يبرز‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬للمملكة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تفصلها‭ ‬عن‭ ‬أوروبا‭ ‬إلا‭ ‬مسافة‭ ‬قصيرة‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭. ‬كما‭ ‬تستفيد‭ ‬المملكة‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬اتفاقيات‭ ‬التبادل‭ ‬الحرّ،‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬وصول‭ ‬المنتجات‭ ‬إلى‭ ‬عددٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأسواق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك‭ ‬توفر‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحديثة‭ ‬عناصر‭ ‬إضافية‭ ‬للجاذبية‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬سواء‭ ‬تعلَّق‭ ‬الأمر‭ ‬بالموانئ‭ ‬أو‭ ‬الطرق‭ ‬السيارة‭ ‬أو‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬أو‭ ‬شبكات‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭.‬

كما‭ ‬أسهمت‭ ‬تنافسية‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬المغرب‭ ‬وجهة‭ ‬جذابة‭ ‬للشركات‭ ‬الصناعية،‭ ‬لكن‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬ربَّما‭ ‬يتمثَّل‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الكلفة‭ ‬التنافسية‭ ‬ومستويات‭ ‬الجودة‭ ‬المطلوبة‭ ‬دوليًّا،‭ ‬فالشركات‭ ‬العالمية‭ ‬أصبحت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مواقع‭ ‬لا‭ ‬تُوفّر‭ ‬فقط‭ ‬انخفاض‭ ‬النفقات،‭ ‬بل‭ ‬تضمن‭ ‬أيضًا‭ ‬الاستقرار‭ ‬والكفاءة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬معايير‭ ‬الجودة‭ ‬والتسليم‭.‬

*مــصنع‭ ‬طنــجـة‭ ‬والــرهان‭ ‬الـبـيـــئـــــي

منذ‭ ‬انطلاقه،‭ ‬قدَّم‭ ‬مصنع‭ ‬طنجة‭ ‬نفسه‭ ‬باعتباره‭ ‬مشروعًا‭ ‬صناعيًّا‭ ‬يعتمد‭ ‬مقاربةً‭ ‬بيئيةً‭ ‬مُتقدّمة،‭ ‬فالموقع‭ ‬صُمّم‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬تسمح‭ ‬بخفض‭ ‬الانبعاثات‭ ‬والحدّ‭ ‬من‭ ‬الأثر‭ ‬البيئي‭ ‬للأنشطة‭ ‬الصناعية‭. ‬ويعتمد‭ ‬المصنع‭ ‬اعتمادًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬خاصة‭ ‬الطاقة‭ ‬الريحية‭ ‬والكتلة‭ ‬الحيوية،‭ ‬كما‭ ‬يستخدم‭ ‬نظامًا‭ ‬لإعادة‭ ‬تدوير‭ ‬المياه‭ ‬الصناعية‭ ‬بهدف‭ ‬تقليص‭ ‬استهلاك‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭.‬

وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الجوانب‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬التحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬قطاع‭ ‬السيارات‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬المعايير‭ ‬البيئية‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للمصانع‭.‬

*التحـــوُّل‭ ‬نحـو‭ ‬الســـــيارات‭ ‬الكــــهربائية‭ ‬وتــحــديات‭ ‬المســـتقــــبل

رغم‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬حقَّقها‭ ‬القطاع،‭ ‬فإنَّ‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬ستطرح‭ ‬تحدِّيات‭ ‬جديدة،‭ ‬فالتحوُّل‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬يفرض‭ ‬تغييرات‭ ‬عميقة‭ ‬داخل‭ ‬الصناعة‭.‬

وتحتاج‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬إلى‭ ‬استثــــــمارات‭ ‬ضـــــخــــــــــــمة‭ ‬في‭ ‬التــــــكنولوجــــــــــــــــــيا‭ ‬والمنصات‭ ‬الصناعية‭ ‬الجـديدة‭ ‬وســلاسل‭ ‬الإمـــداد‭ ‬الخــــاصة‭ ‬بالبـــــطاريــــــــــــــــات‭ ‬والمــــــــــــــــكونـــــــات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬وسيكون‭ ‬على‭ ‬المغرب‭ ‬مواصـــــلة‭ ‬تطـــــــــــــــــوير‭ ‬قدراته‭ ‬الصناعية،‭ ‬حتى‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬موقعه‭ ‬داخل‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭.‬

لكنَّ‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحالية‭ ‬تُوحي‭ ‬بأنَّ‭ ‬المملكة‭ ‬تمتلك‭ ‬عناصر‭ ‬مُهمّة‭ ‬تساعدها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التحوُّلات،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬المشاريع‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والصناعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبطاريات‭.‬

*صناعة‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي

ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬مصنع‭ ‬سيارات‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬إنتاجه‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬أرقام‭ ‬قياسية،‭ ‬فالمدينة‭ ‬شهدت‭ ‬تحوُّلًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬واجتماعيًّا‭ ‬واسعَ‭ ‬النطاق‭ ‬أعاد‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامحها‭ ‬بوضوح‭.‬

وأصبحت‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬مُحرّكًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬للاستثمار‭ ‬والتشغيل‭ ‬والتصدير،‭ ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬صناعية‭ ‬جديدة‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬بين‭ ‬الإنتاج‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬مصنع‭ ‬رونو‭ ‬لم‭ ‬تتحوَّل‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬مركز‭ ‬لصناعة‭ ‬السيَّارات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬نموذجًا‭ ‬لكيفية‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬صناعية‭ ‬متكاملة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬تتغيَّر‭ ‬فيه‭ ‬خريطة‭ ‬الصناعة‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متسارع،‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬المغرب‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬موقعه‭ ‬داخل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الصناعات‭ ‬تنافسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

أما‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬سيحدد‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بقدرة‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬المصنع‭ ‬المنتج‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬الشريك‭ ‬الصناعي‭ ‬الذي‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الابتكار‭ ‬والتطوير‭ ‬وصناعة‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭. ‬وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬قد‭ ‬تتحدَّد‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭ ‬لصناعة‭ ‬السيارات‭ ‬المغربية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬داخل‭ ‬طنجة،‭ ‬وإنَّما‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الصناعية‭ ‬الوطنية‭ ‬بأكملها‭.‬

*هل‭ ‬يكون‭ ‬المستقبل‭ ‬للسيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬الصينية؟

وفي‭ ‬ظل‭ ‬التحوُّلات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬عالميًّا،‭ ‬تبدو‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬مقبلةً‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬فيها‭ ‬دورها‭ ‬الحالي‭ ‬باعتبارها‭ ‬مركزًا‭ ‬لتصنيع‭ ‬السيارات‭ ‬التقليدية‭ ‬نحو‭ ‬موقع‭ ‬أكثر‭ ‬تقدُّمًا‭ ‬داخل‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل‭. ‬

فالتوجه‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬السيَّارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬والذكية‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الاستثمار‭ ‬الصناعي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ويضع‭ ‬المغرب‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لتعزيز‭ ‬موقعه‭ ‬ضمن‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الدولية‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتزايد‭ ‬للشركات‭ ‬الصينية‭ ‬بالسوق‭ ‬المغربية‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكًا‭ ‬متناميًّا‭ ‬لما‭ ‬توفره‭ ‬المملكة‭ ‬من‭ ‬مزايا‭ ‬تنافسية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬التجارية‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

وتبدو‭ ‬طنجة‭ ‬مرشحة‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التحوُّلات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬توفره‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬طنجة‭ ‬تك‮»‬‭ ‬من‭ ‬مؤهلات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬وصناعية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬استثمارات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬ومكوناتها‭. ‬فالمدينة‭ ‬الذكية‭ ‬التي‭ ‬يجري‭ ‬تطويرها‭ ‬تستهدف‭ ‬احتضان‭ ‬صناعات‭ ‬متقدّمة‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬مرتفعة،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬أنشطة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالابتكار‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والرقمنة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والصناعات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬الدقيقة،‭ ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬اهتمام‭ ‬المصنعين‭ ‬الصينيين‭ ‬بتوسيع‭ ‬حضورهم‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬المنظومة‭ ‬الجديدة‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬جذب‭ ‬رئيسية‭ ‬للمشاريع‭ ‬الصناعية‭ ‬المستقبلية‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرةً‭ ‬على‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬ومحيطها،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬توسيع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصناعية‭ ‬لن‭ ‬يقتصر‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬الصادرات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬سيمتد‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬شغل‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬المصانع‭ ‬والشركات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬ستستفيد‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية،‭ ‬مثل‭ ‬النقل‭ ‬والخدمات‭ ‬واللوجستيك‭ ‬والتكوين‭ ‬المهني‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتطوير‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬تنوّعًا‭ ‬وقدرةً‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬الشابة‭.‬

وتشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬المغرب‭ ‬لا‭ ‬يتحرك‭ ‬فقط‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانته‭ ‬كقاعدة‭ ‬إنتاجية‭ ‬للسيارات،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬موقع‭ ‬استراتيجي‭ ‬داخل‭ ‬الصناعات‭ ‬المستقبلية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتنقل‭ ‬الذكي‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬عليها‭ ‬المملكة‭ ‬لضمان‭ ‬أمنها‭ ‬الطاقي‭.‬

وإذا‭ ‬نجحت‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬استثمار‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬الصناعي‭ ‬واستقطاب‭ ‬مشاريع‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬فإن‭ ‬طنجة‭ ‬قد‭ ‬تتحوَّل‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأقطاب‭ ‬الصناعية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬حوض‭ ‬المتوسط‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬بما‭ ‬يُعزّز‭ ‬مكانة‭ ‬المغرب‭ ‬بوصفه‭ ‬مركزًا‭ ‬عالميًّا‭ ‬لصناعة‭ ‬السيارات‭ ‬المستقبلية‭ ‬وفاعلًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصناعي‭ ‬الدولي‭.‬

Exit mobile version