آخر الأخبار
من المسيرة الخضراء إلى قرار مجلس الأمن.. طــنـجـة والصـحــراء: عقود من الارتباط الوجداني والتكامل الاقتصادي

أبناء البوغاز ساروا على درب 500 من أجدادهم الذين شاركوا في المسيرة.. والمدينة تحوّلت إلى محطة دبلوماسية ومؤثر داعم للوحدة الترابية
في السادس من نونبر من كل عام، عندما يُخلِّد الشعب المغربي ذكرى المسيرة الخضراء، ذلك الحدث التاريخي الذي صنعه الإيمان بالوحدة الوطنية والعزم على استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى الوطن الأم، يتذكّر سكان مدينة طنجة 450 رجلًا، و50 امرأةً، تطوَّعوا للمشاركة في هذا الحدث الذي كان شرارةً حاسمةً على درب استرجاع المغرب للأقاليم الصحراوية، ونقطة البداية لمسار بدأه الملك الراحل الحسن الثاني، واستمرَّ فيه خلفه الملك محمد السادس.
اليوم، وفي غمرة احتفال المغاربة بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الصادر يوم 31 أكتوبر 2025، باعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء أساسًا لتسوية الملف، الذي قرر الملك محمد السادس جعله عيدًا وطنيًّا باسم «عيد الوحدة»، يتذكّر العالم حدث المسيرة الخضراء، التي انطلقت سنة 1975، بنداء من الملك الراحل الحسن الثاني، لتُشكّل محطةً فاصلةً في تاريخ المغرب الحديث، إذ برهنت للعالم أجمع على قدرة المغاربة على تحقيق مطالبهم الوطنية بأسلوب سلميّ، وحضاريّ ومنظم، وقوامه الإيمان، والانضباط، والوحدة الوطنية.
في هذه المحطة، بدأت تتشكَّل أواصر وطنيَّة قويَّة بين شمال المغرب وجنوبه، ففي «لائحة الشرف» للمتطوعين في المسيرة الخضراء، نجد 4700 مشاركا قدموا من الأقاليم الشمالية للمملكة، من مدن طنجة وتطوان وشفشاون والحسيمة ليكون جزءا من الحدث، قبل أن يحتفلوا مع أبنائهم وأحفادهم بعدها بخمسين عامًا، بعيد الوحدة، في حين ظلت طنجة دائمًا تمدّ يدها الاقتصادية والدبلوماسية لتكون رافدًا من روافد القضية الوطنية الأولى.
البداية من المسيرة الخضراء
كانت المسيرة الخضراء تتويجًا لمسار طويل من الكفاح السياسي والدبلوماسي خاضه المغرب؛ من أجل استرجاع صحرائه، التي ظلَّت تحت السيطرة الإسبانية لما يقارب تسعين سنة، وبعد صدور رأي محكمة العدل الدولية في لاهاي، الذي أكَّد وجود روابط بيعة وولاء تاريخية بين قبائل الصحراء وسلاطين المغرب، وجه الملك الحسن الثاني نداءه الشهير إلى الشعب المغربي في 16 أكتوبر 1975، داعيًا إيّاه إلى تنظيم مسيرة سلمية إلى الأقاليم الجنوبية لتحريرها واسترجاعها إلى الوطن.
تجاوب المغاربة مع هذا النداء التاريخي بسرعة غير مسبوقة، إذ لبى أكثر من350 ألف متطوع ومتطوعة من مختلف مناطق البلاد نداء العاهل الراحل، في مشهدٍ وطنيٍّ فريدٍ جمع بين الرجال والنساء، الشيوخ والشباب، العمال والفلاحين، الجنود والطلبة، وقد شارك سكان شمال المملكة بقوّة في هذه الملحمة الوطنية، حيث خرجت وفود من مدن تطوان والحسيمة وطنجة وشفشاون والعرائش، وحتى تازة، إلى جانب وفود من الوسط والجنوب، لتلتقي كلُّها على هدف واحد وهو استرجاع الأرض السليبة وتوحيد التراب الوطني.
لم تكن المسيرة مجرد تحرّك جماهيري، بل كانت رمزا للوحدة الوطنية الصلبة التي تجمع كل مكونات الشعب المغربي بشأن قضية مصيرية، فالمشاركون لم يحملوا سلاحًا، بل حملوا المصاحف والأعلام الوطنية وصور الملك الحسن الثاني، وساروا في صفوف منتظمة نحو الأقاليم الصحراوية، وسط تنظيم محكم وإيمان عميق بعدالة قضيتهم، وقد كانت تلك اللحظة ترجمة فعلية لشعار «الله، الوطن، الملك»، إذ أظهرت للعالم أن المغرب قادر على الدفاع عن وحدته بالوسائل السلمية والحضارية.
وعبر شاحنات تحركت من أقصى شمال المملكة، انطلقت المسيرة من مدينة طرفاية في اتِّجاه الصحراء المغربية، ومرت بمدن وقرى عديدة، وسط تغطية إعلامية واسعة دولية جعلت أنظار العالم تتجه إلى المغرب، وكان الانضباط الذي طبعها دليلًا على الوعي السياسي العالي للشعب المغربي، ولم تسجل أيَّ تجاوزات أو أعمال عنف، بل كانت المسيرة أشبه بمسيرة شعبية ضخمة تسير بثقة نحو هدف واحد اعتقد العالم قبل ذلك أنه أمر مستحيل.
من الشمال إلى الجنوب
مشاركة سكان شمال المغرب كانت ذات دلالة عميقة، لأنها أبرزت أن قضية الصحراء لم تكن تخص منطقة دون أخرى، بل كانت قضية وطنية جامعة، فقد ساهم أبناء الشمال في التعبئة والتنظيم، وشاركوا في المسيرة بفعالية، حاملين رمزية خاصة، كون مناطقهم عانت هي الأخرى الاستعمار الإسباني، ما جعلهم أكثر فهمًا لمعنى التحرير والوحدة.
ففي تطوان وشفشاون والحسيمة، التي كانت مستعمرات إسبانية أيضا، وطنجة ذات الوضع الدولي الأكثر تعقيدا، التي انفردت إسبانيا بإدارتها نحو 5 سنوات خلال الحرب العالمية الثانية، نُظمت حملات لجمع المساعدات والتبرعات، وتطوع المئات للسفر إلى الجنوب للمشاركة في المسيرة، في تجسيد واضح للروح الوطنية التي توحد المغاربة من البحر إلى الصحراء.
وانتهت المسيرة بتحقيق هدفها التاريخي، إذ اضطرت إسبانيا إلى التوقيع على اتفاقية مدريد الثلاثية في 14 نوفمبر 1975، التي نصت على إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء وتسليم إدارتها للمغرب وموريتانيا. وهكذا عاد جزء غالٍ من التراب الوطني إلى حضن الوطن الأم، وبدأت مرحلة جديدة من البناء والتعمير في الأقاليم الجنوبية.
ولم تتوقف رمزية المسيرة الخضراء عند حدود الاسترجاع الترابي، بل أصبحت نموذجًا في الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي، فالمغاربة يستحضرونها كل سنة لتجديد العهد بالوحدة الترابية، ولتأكيد تشبثهم بسيادة المغرب على صحرائه، كما تحوَّلت الأقاليم الجنوبية، منذ ذلك الحين، إلى فضاء للتنمية والبناء، حيث شُيّدت البنيات التحتية والموانئ والطرق والمطارات والمناطق الصناعية.
كل ذلك جعل الصحراء المغربية اليوم نموذجًا في التنمية المستدامة والتعايش، وهي أيضا دليلٌ على الترابط والتكامل بين كل جهات المملكة، فكفاءات كثيرة عملت على المشروع الاستراتيجي «ميناء طنجة المتوسط»، ها هي اليوم تنقل خبراتها إلى ورش ميناء الداخلة الأطلسي، في حين اختار العديد من أبناء الشمال أن ينتقلوا للعمل أو العيش هناك، قبل أن يكونوا أسرا ويصبحوا جزءا من أبناء المنطقة الذين لا يجدون فرقا كبيرا في العيش بين أركان الوطن الواحد مهما بعدت المسافات.
ارتباط وجداني من الأجداد إلى الأحفاد
هذا الارتباط الوجداني الذي ترسخ عبر العديد من المحطات التاريخية، بين طنجة، أقصى نقطة في جغرافيا المملكة المغربية، وأقاليم الصحراء في أقصى جنوب البلاد، يفسر خروج أبناء المدينة إلى الشوارع، حتى قبل اجتماع مجلس الأمن مساء يوم 31 أكتوبر 2025، منتظرين إتمام عملية التصويت، قبل أن تنطلق الاحتفالات التي عبر من خلالها الطنجويون على قناعتهم بأن الوحدة الترابية للمغرب محط إجماع وطني.
وشهدت مدينة البوغاز، مظاهر احتفال واسعة؛ عقب اعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مشروع قرار الجديد الذي يؤكد دعم المجتمع الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه حلًّا نهائيًّا لقضية الصحراء المغربية، فقد خرج الآلاف من سكان المدينة إلى الشوارع والساحات الكبرى في أجواء غلبت عليها المشاعر الوطنية، حيث عمّت مظاهر الفرح والاعتزاز بالإنجاز الدبلوماسي، الذي عُدّ محطّةً مفصليَّةً في مسار هذا الملف الذي يشغل المغرب منذ عقود، وهو أمر لفت انتباه وسائل الإعلام الوطنية، بما في ذلك الرسمية.
ومنذ الساعات الأخيرة التي سبقت التصويت الأممي، بدأت مؤشرات التعبئة الشعبية تظهر في مختلف أحياء طنجة، إذ توافدت أعداد متزايدة من المواطنين نحو ساحة الأمم وسط المدينة، حاملين الأعلام الوطنية ومرددين شعارات تؤكد التشبُّث بالوحدة الترابية للمملكة، ومع الإعلان عن اعتماد القرار الأممي بأغلبية أعضاء مجلس الأمن، تحولت الساحة إلى فضاء احتفالي كبير غمرته الأغاني الوطنية والهتافات التي عبّرت عن فرحة جماعية بانتصار المقاربة المغربية للحل السياسي.
وقد اعتبر المحتفلون أن القرار يُمثّل اعترافًا جديدًا بمصداقية المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي وصفها مجلس الأمن مجددًا بأنها جدية وواقعية وذات مصداقية، كما أكَّد العديد من المواطنين، الذين شاركوا في هذه الاحتفالات، في تصريحات استقتها وسائل إعلام دولية ووطنية ومحلية، أن هذا التطور الدولي يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في كسب دعم متزايد لجهودها الرامية إلى تحقيق تسوية سلمية ونهائية للنزاع الإقليمي المفتعل بشأن الصحراء.
وامتلأت شوارع المدينة بمواكب السيارات المزينة بالأعلام الوطنية، فيما نصبت شاشات عملاقة بساحة الأمم لعرض الأناشيد الوطنية ومشاهد رمزية تستحضر مسيرة المغرب في الدفاع عن وحدته الترابية، كما أطلقت الألعاب النارية، التي أضاءت سماء المدينة، في مشهد عكس حماسًا شعبيًّا كبيرًا وشعورًا عامًّا بالاعتزاز بما تحقق على الصعيد الدبلوماسي، بعد سنوات من محاولات العديد من الأطراف إبقاء الأمور معلقة.
وفي الأحياء الشعبية كما في المناطق الراقية من المدينة، خرج السكان بشكل تلقائي للمشاركة في الاحتفالات، حيث اختلطت الهتافات بالأهازيج الشعبية التي أدّتها فرق فلكلورية محلية معروفة بمنطقة الشمال، مما أضفى على الأجواء طابعا احتفاليا مفعما بالألوان والإيقاعات التراثية، وشهدت هذه التجمعات مشاركة واسعة لمختلف الفئات العمرية، من شباب وكهول ونساء وأطفال، في مشهد جسَّد وحدة المشاعر الوطنية بخصوص قضية تُعدُّ من أقدس القضايا بالنسبة للمغاربة.
وقد أجمع المشاركون في الاحتفالات، على أن القرار الأممي الجديد يُعزّز الموقف المغربي ويُمثّل تتويجا لمسار طويل من الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة لإقناع المجتمع الدولي بواقعية مبادرة الحكم الذاتي كحل نهائي قابل للتطبيق، في انسجام مع مبدأ تقرير المصير عبر حلّ تفاوضي متوافق عليه، وأكَّدت آراء عديدة أن هذا الموقف يعكس أيضًا تحولًا متزايدًا في مواقف الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن، نحو دعم مقاربة ترتكز على الواقعية والتوافق بدل الاستمرار في أطروحات تجاوزها الزمن.
من جانب آخر، رأى عدد من المتتبعين للشأن المحلي، أن الحضور الشعبي الكثيف في شوارع طنجة يعكس ارتباط المغاربة الوثيق بقضية الصحراء، باعتبارها قضية وطنية جامعة تتجاوز كل الانتماءات السياسية أو الجهوية، كما أنَّ تزامن القرار الأممي مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء أضفى رمزية خاصة على المشهد، إذ تداخلت مشاعر الفخر بقرار مجلس الأمن مع أجواء الاحتفال بحدث وطني خالد في الذاكرة الجماعية للمغاربة.
وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي بدورها، تفاعلًا واسعًا مع الاحتفالات التي شهدتها طنجة، حيث تداول سكان المدينة مقاطع فيديو وصورًا توثق للأجواء التي عاشتها طنجة ليلة القرار، مع تعليقات تشيد بالدبلوماسية المغربية التي استطاعت، وفق تعبيرهم، كسب جولة جديدة في الدفاع عن الموقف الوطني داخل أروقة الأمم المتحدة.
واعتبر عدد من الفاعلين المحليين، أنَّ المشهد الذي عاشته طنجة لم يكن مجرد احتفال عابر، بل تعبيرًا جماعيًّا عن الثقة في قدرة المغرب على حسم هذا النزاع بالوسائل السلمية والمؤسساتية، استنادًا إلى الشرعية التاريخية والقانونية التي تعززها قرارات الأمم المتحدة المتتالية. كما أكَّدوا أنَّ هذا الدعم الدولي المتنامي يشكل دافعًا لمواصلة البناء والتنمية في الأقاليم الجنوبية، التي أصبحت اليوم نموذجًا في الاستقرار والنمو في مجال المنطقة المغاربية.
وهكذا، تحوَّلت طنجة في مساء 31 أكتوبر 2025، إلى لوحة من الألوان الوطنية، جسدت فيها المدينة بطريقتها الخاصة التلاحم بين الشعب ومؤسساته في الدفاع عن الوحدة الترابية، وتأكيد أن قضية الصحراء ليست مجرد ملف دبلوماسي، بل رمز لوحدة الأمة المغربية وإصرارها على الدفاع عن سيادتها في كل المحافل الدولية.
دبلـوماســـية في خدمة القضــيـــة الوطـنية
ارتباط طنجة بالأقاليم الجنوبية، لا يقف عند حدود التاريخ والجغرافيا، بل يمتد لما هو اقتصادي ودبلوماسي أيضًا، إذ تُجسِّد المدينة اليوم واحدة من أنجح النماذج التنموية في المغرب، لكنها أيضا أصبحت، من حيث لا يشعر كثيرون، صوتًا مُكمِّلًا لقضية الصحراء المغربية، عبر ما تحققه من دينامية اقتصادية ودبلوماسية تدعم صورة المغرب كقوة صاعدة موحدة من شماله إلى جنوبه.
فميناء طنجة المتوسط، الذي استقبل خلال سنة 2024، ما يفوق 10 ملايين حاوية نمطية، يعد أكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ويعكس رؤية اقتصادية بعيدة المدى جعلت من الشمال منصة استراتيجية لتدفق التجارة بين أوروبا وأفريقيا والعالم، غير أن هذا الإنجاز لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بالبعد الترابي والسيادي الذي يحمله، فكلما اشتدت مكانة طنجة الاقتصادية، ازدادت جاذبية النموذج المغربي الذي يسعى إلى نقل هذا النجاح نحو الأقاليم الجنوبية.
ففي أقصى الجنوب، تتجسَّد الرؤية نفسها في مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الذي يُنتظر أن يكون أحد أكبر المشاريع المينائية في القارة، باستثمار يفوق 12 مليار درهم، ليشكّل حلقة جديدة في الربط اللوجستي بين طنجة والداخلة، والخط الرابط بين الميناءين ليس مجرد طريق بحري، بل مسار رمزي لوحدة المغرب الاقتصادية والمجالية، حيث يصبح التكامل بين الشمال والجنوب أداة فعّالة لترسيخ الوحدة الترابية من خلال الاقتصاد.
ويوازي هذا المجهود تطوير مشاريع البنية التحتية الكبرى، وعلى رأسها الطريق السريع تزنيت “العيون” الداخلة، الذي يُمكّن من ربط هذه الجهات بباقي التراب الوطني في أقل من يوم واحد، ما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من الدورة الاقتصادية الوطنية، وسيُصبح من الممكن التحرُّك من طنجة إلى غاية الداخلة عبر طريق بري متطور.
من طنجة إلى الداخلة
على الصعيد الدبلوماسي، تحوَّلت طنجة -خلال العقد الأخير- إلى فضاء مفتوح للنقاش الدولي، فهي المدينة التي تحتضن العديد من المنتديات الدولية، أبرزها منتدى «ميدايز»، الذي ينظمه معهد «أماديوس» سنويًّا، ويُعدُّ من أهم اللقاءات الجيوسياسية في القارة الإفريقية، وفي تكون قضية الصحراء المغربية حاضرة بقوة.
ويستقطب المنتدى قادة سياسيين واقتصاديين من أكثر من 80 دولة، ويُشكِّل مناسبة للمغرب لتوضيح مواقفه بشأن القضايا الإقليمية، وعلى رأسها قضية الصحراء، من منطلق التنمية والاستقرار لا من منطق النزاع، وبذلك، أضحت طنجة واجهة دبلوماسيَّة موازية للمغرب، تقدم رواية الوحدة الترابية في صيغة اقتصادية وتنموية تقنع الفاعلين الدوليين بجدوى المقاربة المغربية.
ونجاح النموذج الطنجي في إدارة المشاريع الكبرى، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير بنيات تحتية بمعايير عالمية، يعزِّز المصداقية الدبلوماسية للمغرب حين يعرض قدرته على تحويل الصحراء إلى نموذج مماثل، فالدبلوماسية لم تعد فقط بيانات ومذكرات، بل أصبحت أيضا طُرقًا وموانئ ومناطق صناعية تُثبت أن التنمية هي أقوى حجة في الدفاع عن السيادة.
وهكذا تمتد طنجة، بموانئها ومؤتمراتها وبروح الانفتاح التي تتميز بها، كرمز لوحدة التراب الوطني في أبعاده الحديثة، ومن شمال المملكة حيث يلتقي البحران الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، إلى جنوبها حيث تمتد الرمال لتعانق المياه، تتجسد فكرة المغرب الواحد، البلد الذي يصنع دبلوماسيته عبر اقتصاده، ويدافع عن صحرائه بإنجازاته لا بشعاراته.