آخر الأخبار

من المسيرة الخضراء إلى قرار مجلس الأمن.. طــنـجـة والصـحــراء: عقود من الارتباط الوجداني والتكامل الاقتصادي

أبناء‭ ‬البوغاز‭ ‬ساروا‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬500‭ ‬من‭ ‬أجدادهم‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬المسيرة‭.. ‬والمدينة‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬ومؤثر‭ ‬داعم‭ ‬للوحدة‭ ‬الترابية

في‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬نونبر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬عندما‭ ‬يُخلِّد‭ ‬الشعب‭ ‬المغربي‭ ‬ذكرى‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء،‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬صنعه‭ ‬الإيمان‭ ‬بالوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬والعزم‭ ‬على‭ ‬استرجاع‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬الأم،‭ ‬يتذكّر‭ ‬سكان‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬450‭ ‬رجلًا،‭ ‬و50‭ ‬امرأةً،‭ ‬تطوَّعوا‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬شرارةً‭ ‬حاسمةً‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬استرجاع‭ ‬المغرب‭ ‬للأقاليم‭ ‬الصحراوية،‭ ‬ونقطة‭ ‬البداية‭ ‬لمسار‭ ‬بدأه‭ ‬الملك‭ ‬الراحل‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني،‭ ‬واستمرَّ‭ ‬فيه‭ ‬خلفه‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭.‬

اليوم،‭ ‬وفي‭ ‬غمرة‭ ‬احتفال‭ ‬المغاربة‭ ‬بقرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬الصادر‭ ‬يوم‭ ‬31‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬باعتماد‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬أساسًا‭ ‬لتسوية‭ ‬الملف،‭ ‬الذي‭ ‬قرر‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬جعله‭ ‬عيدًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬عيد‭ ‬الوحدة‮»‬،‭ ‬يتذكّر‭ ‬العالم‭ ‬حدث‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء،‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬سنة‭ ‬1975،‭ ‬بنداء‭ ‬من‭ ‬الملك‭ ‬الراحل‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني،‭ ‬لتُشكّل‭ ‬محطةً‭ ‬فاصلةً‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المغرب‭ ‬الحديث،‭ ‬إذ‭ ‬برهنت‭ ‬للعالم‭ ‬أجمع‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المغاربة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مطالبهم‭ ‬الوطنية‭ ‬بأسلوب‭ ‬سلميّ،‭ ‬وحضاريّ‭ ‬ومنظم،‭ ‬وقوامه‭ ‬الإيمان،‭ ‬والانضباط،‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المحطة،‭ ‬بدأت‭ ‬تتشكَّل‭ ‬أواصر‭ ‬وطنيَّة‭ ‬قويَّة‭ ‬بين‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬وجنوبه،‭ ‬ففي‭ ‬‮«‬لائحة‭ ‬الشرف‮»‬‭ ‬للمتطوعين‭ ‬في‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء،‭ ‬نجد‭ ‬4700‭ ‬مشاركا‭ ‬قدموا‭ ‬من‭ ‬الأقاليم‭ ‬الشمالية‭ ‬للمملكة،‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان‭ ‬وشفشاون‭ ‬والحسيمة‭ ‬ليكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الحدث،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحتفلوا‭ ‬مع‭ ‬أبنائهم‭ ‬وأحفادهم‭ ‬بعدها‭ ‬بخمسين‭ ‬عامًا،‭ ‬بعيد‭ ‬الوحدة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ظلت‭ ‬طنجة‭ ‬دائمًا‭ ‬تمدّ‭ ‬يدها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬لتكون‭ ‬رافدًا‭ ‬من‭ ‬روافد‭ ‬القضية‭ ‬الوطنية‭ ‬الأولى‭.‬

البداية‭ ‬من‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء

كانت‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬تتويجًا‭ ‬لمسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الكفاح‭ ‬السياسي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬خاضه‭ ‬المغرب؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استرجاع‭ ‬صحرائه،‭ ‬التي‭ ‬ظلَّت‭ ‬تحت‭ ‬السيطرة‭ ‬الإسبانية‭ ‬لما‭ ‬يقارب‭ ‬تسعين‭ ‬سنة،‭ ‬وبعد‭ ‬صدور‭ ‬رأي‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬لاهاي،‭ ‬الذي‭ ‬أكَّد‭ ‬وجود‭ ‬روابط‭ ‬بيعة‭ ‬وولاء‭ ‬تاريخية‭ ‬بين‭ ‬قبائل‭ ‬الصحراء‭ ‬وسلاطين‭ ‬المغرب،‭ ‬وجه‭ ‬الملك‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني‭ ‬نداءه‭ ‬الشهير‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬أكتوبر‭ ‬1975،‭ ‬داعيًا‭ ‬إيّاه‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬مسيرة‭ ‬سلمية‭ ‬إلى‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬لتحريرها‭ ‬واسترجاعها‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭.‬

تجاوب‭ ‬المغاربة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬النداء‭ ‬التاريخي‭ ‬بسرعة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬إذ‭ ‬لبى‭ ‬أكثر‭ ‬من350‭ ‬ألف‭ ‬متطوع‭ ‬ومتطوعة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬البلاد‭ ‬نداء‭ ‬العاهل‭ ‬الراحل،‭ ‬في‭ ‬مشهدٍ‭ ‬وطنيٍّ‭ ‬فريدٍ‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء،‭ ‬الشيوخ‭ ‬والشباب،‭ ‬العمال‭ ‬والفلاحين،‭ ‬الجنود‭ ‬والطلبة،‭ ‬وقد‭ ‬شارك‭ ‬سكان‭ ‬شمال‭ ‬المملكة‭ ‬بقوّة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬الوطنية،‭ ‬حيث‭ ‬خرجت‭ ‬وفود‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬تطوان‭ ‬والحسيمة‭ ‬وطنجة‭ ‬وشفشاون‭ ‬والعرائش،‭ ‬وحتى‭ ‬تازة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬وفود‭ ‬من‭ ‬الوسط‭ ‬والجنوب،‭ ‬لتلتقي‭ ‬كلُّها‭ ‬على‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬وهو‭ ‬استرجاع‭ ‬الأرض‭ ‬السليبة‭ ‬وتوحيد‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬المسيرة‭ ‬مجرد‭ ‬تحرّك‭ ‬جماهيري،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬رمزا‭ ‬للوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬الصلبة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬كل‭ ‬مكونات‭ ‬الشعب‭ ‬المغربي‭ ‬بشأن‭ ‬قضية‭ ‬مصيرية،‭ ‬فالمشاركون‭ ‬لم‭ ‬يحملوا‭ ‬سلاحًا،‭ ‬بل‭ ‬حملوا‭ ‬المصاحف‭ ‬والأعلام‭ ‬الوطنية‭ ‬وصور‭ ‬الملك‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني،‭ ‬وساروا‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬منتظمة‭ ‬نحو‭ ‬الأقاليم‭ ‬الصحراوية،‭ ‬وسط‭ ‬تنظيم‭ ‬محكم‭ ‬وإيمان‭ ‬عميق‭ ‬بعدالة‭ ‬قضيتهم،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬ترجمة‭ ‬فعلية‭ ‬لشعار‭ ‬‮«‬الله،‭ ‬الوطن،‭ ‬الملك‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬أظهرت‭ ‬للعالم‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وحدته‭ ‬بالوسائل‭ ‬السلمية‭ ‬والحضارية‭.‬

وعبر‭ ‬شاحنات‭ ‬تحركت‭ ‬من‭ ‬أقصى‭ ‬شمال‭ ‬المملكة،‭ ‬انطلقت‭ ‬المسيرة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬طرفاية‭ ‬في‭ ‬اتِّجاه‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬ومرت‭ ‬بمدن‭ ‬وقرى‭ ‬عديدة،‭ ‬وسط‭ ‬تغطية‭ ‬إعلامية‭ ‬واسعة‭ ‬دولية‭ ‬جعلت‭ ‬أنظار‭ ‬العالم‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬المغرب،‭ ‬وكان‭ ‬الانضباط‭ ‬الذي‭ ‬طبعها‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬العالي‭ ‬للشعب‭ ‬المغربي،‭ ‬ولم‭ ‬تسجل‭ ‬أيَّ‭ ‬تجاوزات‭ ‬أو‭ ‬أعمال‭ ‬عنف،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬المسيرة‭ ‬أشبه‭ ‬بمسيرة‭ ‬شعبية‭ ‬ضخمة‭ ‬تسير‭ ‬بثقة‭ ‬نحو‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬اعتقد‭ ‬العالم‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬أمر‭ ‬مستحيل‭.‬

من‭ ‬الشمال‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب

مشاركة‭ ‬سكان‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬عميقة،‭ ‬لأنها‭ ‬أبرزت‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تخص‭ ‬منطقة‭ ‬دون‭ ‬أخرى،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬قضية‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة،‭ ‬فقد‭ ‬ساهم‭ ‬أبناء‭ ‬الشمال‭ ‬في‭ ‬التعبئة‭ ‬والتنظيم،‭ ‬وشاركوا‭ ‬في‭ ‬المسيرة‭ ‬بفعالية،‭ ‬حاملين‭ ‬رمزية‭ ‬خاصة،‭ ‬كون‭ ‬مناطقهم‭ ‬عانت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإسباني،‭ ‬ما‭ ‬جعلهم‭ ‬أكثر‭ ‬فهمًا‭ ‬لمعنى‭ ‬التحرير‭ ‬والوحدة‭.‬

ففي‭ ‬تطوان‭ ‬وشفشاون‭ ‬والحسيمة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مستعمرات‭ ‬إسبانية‭ ‬أيضا،‭ ‬وطنجة‭ ‬ذات‭ ‬الوضع‭ ‬الدولي‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيدا،‭ ‬التي‭ ‬انفردت‭ ‬إسبانيا‭ ‬بإدارتها‭ ‬نحو‭ ‬5‭ ‬سنوات‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬نُظمت‭ ‬حملات‭ ‬لجمع‭ ‬المساعدات‭ ‬والتبرعات،‭ ‬وتطوع‭ ‬المئات‭ ‬للسفر‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬المسيرة،‭ ‬في‭ ‬تجسيد‭ ‬واضح‭ ‬للروح‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬توحد‭ ‬المغاربة‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬إلى‭ ‬الصحراء‭.‬

وانتهت‭ ‬المسيرة‭ ‬بتحقيق‭ ‬هدفها‭ ‬التاريخي،‭ ‬إذ‭ ‬اضطرت‭ ‬إسبانيا‭ ‬إلى‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬مدريد‭ ‬الثلاثية‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬نوفمبر‭ ‬1975،‭ ‬التي‭ ‬نصت‭ ‬على‭ ‬إنهاء‭ ‬الوجود‭ ‬الاستعماري‭ ‬الإسباني‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬وتسليم‭ ‬إدارتها‭ ‬للمغرب‭ ‬وموريتانيا‭. ‬وهكذا‭ ‬عاد‭ ‬جزء‭ ‬غالٍ‭ ‬من‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬إلى‭ ‬حضن‭ ‬الوطن‭ ‬الأم،‭ ‬وبدأت‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬والتعمير‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬رمزية‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الاسترجاع‭ ‬الترابي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬نموذجًا‭ ‬في‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬والتلاحم‭ ‬الشعبي،‭ ‬فالمغاربة‭ ‬يستحضرونها‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬لتجديد‭ ‬العهد‭ ‬بالوحدة‭ ‬الترابية،‭ ‬ولتأكيد‭ ‬تشبثهم‭ ‬بسيادة‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬صحرائه،‭ ‬كما‭ ‬تحوَّلت‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية،‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬للتنمية‭ ‬والبناء،‭ ‬حيث‭ ‬شُيّدت‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والموانئ‭ ‬والطرق‭ ‬والمطارات‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬جعل‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬اليوم‭ ‬نموذجًا‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬والتعايش،‭ ‬وهي‭ ‬أيضا‭ ‬دليلٌ‭ ‬على‭ ‬الترابط‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬جهات‭ ‬المملكة،‭ ‬فكفاءات‭ ‬كثيرة‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬‮«‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‮»‬،‭ ‬ها‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭ ‬تنقل‭ ‬خبراتها‭ ‬إلى‭ ‬ورش‭ ‬ميناء‭ ‬الداخلة‭ ‬الأطلسي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬اختار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشمال‭ ‬أن‭ ‬ينتقلوا‭ ‬للعمل‭ ‬أو‭ ‬العيش‭ ‬هناك،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬أسرا‭ ‬ويصبحوا‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المنطقة‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يجدون‭ ‬فرقا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬بين‭ ‬أركان‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد‭ ‬مهما‭ ‬بعدت‭ ‬المسافات‭.‬

ارتباط‭ ‬وجداني‭ ‬من‭ ‬الأجداد‭ ‬إلى‭ ‬الأحفاد

هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬الوجداني‭ ‬الذي‭ ‬ترسخ‭ ‬عبر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحطات‭ ‬التاريخية،‭ ‬بين‭ ‬طنجة،‭ ‬أقصى‭ ‬نقطة‭ ‬في‭ ‬جغرافيا‭ ‬المملكة‭ ‬المغربية،‭ ‬وأقاليم‭ ‬الصحراء‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬جنوب‭ ‬البلاد،‭ ‬يفسر‭ ‬خروج‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع،‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬اجتماع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬مساء‭ ‬يوم‭ ‬31‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬منتظرين‭ ‬إتمام‭ ‬عملية‭ ‬التصويت،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬الاحتفالات‭ ‬التي‭ ‬عبر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الطنجويون‭ ‬على‭ ‬قناعتهم‭ ‬بأن‭ ‬الوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬للمغرب‭ ‬محط‭ ‬إجماع‭ ‬وطني‭.‬

وشهدت‭ ‬مدينة‭ ‬البوغاز،‭ ‬مظاهر‭ ‬احتفال‭ ‬واسعة؛‭ ‬عقب‭ ‬اعتماد‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬دعم‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لمبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬تحت‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭ ‬بوصفه‭ ‬حلًّا‭ ‬نهائيًّا‭ ‬لقضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬فقد‭ ‬خرج‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬والساحات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬غلبت‭ ‬عليها‭ ‬المشاعر‭ ‬الوطنية،‭ ‬حيث‭ ‬عمّت‭ ‬مظاهر‭ ‬الفرح‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بالإنجاز‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬الذي‭ ‬عُدّ‭ ‬محطّةً‭ ‬مفصليَّةً‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬المغرب‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لفت‭ ‬انتباه‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطنية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الرسمية‭.‬

ومنذ‭ ‬الساعات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬التصويت‭ ‬الأممي،‭ ‬بدأت‭ ‬مؤشرات‭ ‬التعبئة‭ ‬الشعبية‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أحياء‭ ‬طنجة،‭ ‬إذ‭ ‬توافدت‭ ‬أعداد‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬نحو‭ ‬ساحة‭ ‬الأمم‭ ‬وسط‭ ‬المدينة،‭ ‬حاملين‭ ‬الأعلام‭ ‬الوطنية‭ ‬ومرددين‭ ‬شعارات‭ ‬تؤكد‭ ‬التشبُّث‭ ‬بالوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬للمملكة،‭ ‬ومع‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬اعتماد‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬بأغلبية‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬تحولت‭ ‬الساحة‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬احتفالي‭ ‬كبير‭ ‬غمرته‭ ‬الأغاني‭ ‬الوطنية‭ ‬والهتافات‭ ‬التي‭ ‬عبّرت‭ ‬عن‭ ‬فرحة‭ ‬جماعية‭ ‬بانتصار‭ ‬المقاربة‭ ‬المغربية‭ ‬للحل‭ ‬السياسي‭.‬

وقد‭ ‬اعتبر‭ ‬المحتفلون‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬يُمثّل‭ ‬اعترافًا‭ ‬جديدًا‭ ‬بمصداقية‭ ‬المبادرة‭ ‬المغربية‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬مجددًا‭ ‬بأنها‭ ‬جدية‭ ‬وواقعية‭ ‬وذات‭ ‬مصداقية،‭ ‬كما‭ ‬أكَّد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المواطنين،‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاحتفالات،‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬استقتها‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬دولية‭ ‬ووطنية‭ ‬ومحلية،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬الدولي‭ ‬يعكس‭ ‬نجاح‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬دعم‭ ‬متزايد‭ ‬لجهودها‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬تسوية‭ ‬سلمية‭ ‬ونهائية‭ ‬للنزاع‭ ‬الإقليمي‭ ‬المفتعل‭ ‬بشأن‭ ‬الصحراء‭.‬

وامتلأت‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭ ‬بمواكب‭ ‬السيارات‭ ‬المزينة‭ ‬بالأعلام‭ ‬الوطنية،‭ ‬فيما‭ ‬نصبت‭ ‬شاشات‭ ‬عملاقة‭ ‬بساحة‭ ‬الأمم‭ ‬لعرض‭ ‬الأناشيد‭ ‬الوطنية‭ ‬ومشاهد‭ ‬رمزية‭ ‬تستحضر‭ ‬مسيرة‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وحدته‭ ‬الترابية،‭ ‬كما‭ ‬أطلقت‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية،‭ ‬التي‭ ‬أضاءت‭ ‬سماء‭ ‬المدينة،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬عكس‭ ‬حماسًا‭ ‬شعبيًّا‭ ‬كبيرًا‭ ‬وشعورًا‭ ‬عامًّا‭ ‬بالاعتزاز‭ ‬بما‭ ‬تحقق‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأطراف‭ ‬إبقاء‭ ‬الأمور‭ ‬معلقة‭.‬

وفي‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الراقية‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬خرج‭ ‬السكان‭ ‬بشكل‭ ‬تلقائي‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات،‭ ‬حيث‭ ‬اختلطت‭ ‬الهتافات‭ ‬بالأهازيج‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬أدّتها‭ ‬فرق‭ ‬فلكلورية‭ ‬محلية‭ ‬معروفة‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشمال،‭ ‬مما‭ ‬أضفى‭ ‬على‭ ‬الأجواء‭ ‬طابعا‭ ‬احتفاليا‭ ‬مفعما‭ ‬بالألوان‭ ‬والإيقاعات‭ ‬التراثية،‭ ‬وشهدت‭ ‬هذه‭ ‬التجمعات‭ ‬مشاركة‭ ‬واسعة‭ ‬لمختلف‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية،‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬وكهول‭ ‬ونساء‭ ‬وأطفال،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬جسَّد‭ ‬وحدة‭ ‬المشاعر‭ ‬الوطنية‭ ‬بخصوص‭ ‬قضية‭ ‬تُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أقدس‭ ‬القضايا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمغاربة‭.‬

وقد‭ ‬أجمع‭ ‬المشاركون‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬الجديد‭ ‬يُعزّز‭ ‬الموقف‭ ‬المغربي‭ ‬ويُمثّل‭ ‬تتويجا‭ ‬لمسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الجهود‭ ‬السياسية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬المبذولة‭ ‬لإقناع‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بواقعية‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬كحل‭ ‬نهائي‭ ‬قابل‭ ‬للتطبيق،‭ ‬في‭ ‬انسجام‭ ‬مع‭ ‬مبدأ‭ ‬تقرير‭ ‬المصير‭ ‬عبر‭ ‬حلّ‭ ‬تفاوضي‭ ‬متوافق‭ ‬عليه،‭ ‬وأكَّدت‭ ‬آراء‭ ‬عديدة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يعكس‭ ‬أيضًا‭ ‬تحولًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬نحو‭ ‬دعم‭ ‬مقاربة‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الواقعية‭ ‬والتوافق‭ ‬بدل‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬أطروحات‭ ‬تجاوزها‭ ‬الزمن‭.‬

من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬رأى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المتتبعين‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي،‭ ‬أن‭ ‬الحضور‭ ‬الشعبي‭ ‬الكثيف‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬طنجة‭ ‬يعكس‭ ‬ارتباط‭ ‬المغاربة‭ ‬الوثيق‭ ‬بقضية‭ ‬الصحراء،‭ ‬باعتبارها‭ ‬قضية‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة‭ ‬تتجاوز‭ ‬كل‭ ‬الانتماءات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الجهوية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬تزامن‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬مع‭ ‬الذكرى‭ ‬الخمسين‭ ‬للمسيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬أضفى‭ ‬رمزية‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬المشهد،‭ ‬إذ‭ ‬تداخلت‭ ‬مشاعر‭ ‬الفخر‭ ‬بقرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬مع‭ ‬أجواء‭ ‬الاحتفال‭ ‬بحدث‭ ‬وطني‭ ‬خالد‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬للمغاربة‭.‬

وشهدت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بدورها،‭ ‬تفاعلًا‭ ‬واسعًا‭ ‬مع‭ ‬الاحتفالات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬طنجة،‭ ‬حيث‭ ‬تداول‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬مقاطع‭ ‬فيديو‭ ‬وصورًا‭ ‬توثق‭ ‬للأجواء‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬طنجة‭ ‬ليلة‭ ‬القرار،‭ ‬مع‭ ‬تعليقات‭ ‬تشيد‭ ‬بالدبلوماسية‭ ‬المغربية‭ ‬التي‭ ‬استطاعت،‭ ‬وفق‭ ‬تعبيرهم،‭ ‬كسب‭ ‬جولة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الموقف‭ ‬الوطني‭ ‬داخل‭ ‬أروقة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

واعتبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين،‭ ‬أنَّ‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬عاشته‭ ‬طنجة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬احتفال‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬تعبيرًا‭ ‬جماعيًّا‭ ‬عن‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬حسم‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬بالوسائل‭ ‬السلمية‭ ‬والمؤسساتية،‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬الشرعية‭ ‬التاريخية‭ ‬والقانونية‭ ‬التي‭ ‬تعززها‭ ‬قرارات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المتتالية‭. ‬كما‭ ‬أكَّدوا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬الدولي‭ ‬المتنامي‭ ‬يشكل‭ ‬دافعًا‭ ‬لمواصلة‭ ‬البناء‭ ‬والتنمية‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬نموذجًا‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬والنمو‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المنطقة‭ ‬المغاربية‭.‬

وهكذا،‭ ‬تحوَّلت‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬مساء‭ ‬31‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬إلى‭ ‬لوحة‭ ‬من‭ ‬الألوان‭ ‬الوطنية،‭ ‬جسدت‭ ‬فيها‭ ‬المدينة‭ ‬بطريقتها‭ ‬الخاصة‭ ‬التلاحم‭ ‬بين‭ ‬الشعب‭ ‬ومؤسساته‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوحدة‭ ‬الترابية،‭ ‬وتأكيد‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ملف‭ ‬دبلوماسي،‭ ‬بل‭ ‬رمز‭ ‬لوحدة‭ ‬الأمة‭ ‬المغربية‭ ‬وإصرارها‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬سيادتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭.‬

دبلـوماســـية‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬القضــيـــة‭ ‬الوطـنية

ارتباط‭ ‬طنجة‭ ‬بالأقاليم‭ ‬الجنوبية،‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬التاريخ‭ ‬والجغرافيا،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬اقتصادي‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬أيضًا،‭ ‬إذ‭ ‬تُجسِّد‭ ‬المدينة‭ ‬اليوم‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أنجح‭ ‬النماذج‭ ‬التنموية‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضا‭ ‬أصبحت،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬كثيرون،‭ ‬صوتًا‭ ‬مُكمِّلًا‭ ‬لقضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬تحققه‭ ‬من‭ ‬دينامية‭ ‬اقتصادية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬تدعم‭ ‬صورة‭ ‬المغرب‭ ‬كقوة‭ ‬صاعدة‭ ‬موحدة‭ ‬من‭ ‬شماله‭ ‬إلى‭ ‬جنوبه‭.‬

فميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬الذي‭ ‬استقبل‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬حاوية‭ ‬نمطية،‭ ‬يعد‭ ‬أكبر‭ ‬ميناء‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬ويعكس‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬منصة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتدفق‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وأفريقيا‭ ‬والعالم،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالأرقام،‭ ‬بل‭ ‬بالبعد‭ ‬الترابي‭ ‬والسيادي‭ ‬الذي‭ ‬يحمله،‭ ‬فكلما‭ ‬اشتدت‭ ‬مكانة‭ ‬طنجة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ازدادت‭ ‬جاذبية‭ ‬النموذج‭ ‬المغربي‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬نحو‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭.‬

ففي‭ ‬أقصى‭ ‬الجنوب،‭ ‬تتجسَّد‭ ‬الرؤية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬ميناء‭ ‬الداخلة‭ ‬الأطلسي‭ ‬الذي‭ ‬يُنتظر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬المشاريع‭ ‬المينائية‭ ‬في‭ ‬القارة،‭ ‬باستثمار‭ ‬يفوق‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬ليشكّل‭ ‬حلقة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الربط‭ ‬اللوجستي‭ ‬بين‭ ‬طنجة‭ ‬والداخلة،‭ ‬والخط‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬الميناءين‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬طريق‭ ‬بحري،‭ ‬بل‭ ‬مسار‭ ‬رمزي‭ ‬لوحدة‭ ‬المغرب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمجالية،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‭ ‬أداة‭ ‬فعّالة‭ ‬لترسيخ‭ ‬الوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاقتصاد‭.‬

ويوازي‭ ‬هذا‭ ‬المجهود‭ ‬تطوير‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الطريق‭ ‬السريع‭ ‬تزنيت‭ “‬العيون‭” ‬الداخلة،‭ ‬الذي‭ ‬يُمكّن‭ ‬من‭ ‬ربط‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬بباقي‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬واحد،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وسيُصبح‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬التحرُّك‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬الداخلة‭ ‬عبر‭ ‬طريق‭ ‬بري‭ ‬متطور‭.‬

من‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬الداخلة

على‭ ‬الصعيد‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬تحوَّلت‭ ‬طنجة‭ -‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير‭- ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬للنقاش‭ ‬الدولي،‭ ‬فهي‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنتديات‭ ‬الدولية،‭ ‬أبرزها‭ ‬منتدى‭ ‬‮«‬ميدايز‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬ينظمه‭ ‬معهد‭ ‬‮«‬أماديوس‮»‬‭ ‬سنويًّا،‭ ‬ويُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬اللقاءات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية،‭ ‬وفي‭ ‬تكون‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭.‬

ويستقطب‭ ‬المنتدى‭ ‬قادة‭ ‬سياسيين‭ ‬واقتصاديين‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭ ‬دولة،‭ ‬ويُشكِّل‭ ‬مناسبة‭ ‬للمغرب‭ ‬لتوضيح‭ ‬مواقفه‭ ‬بشأن‭ ‬القضايا‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬التنمية‭ ‬والاستقرار‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬النزاع،‭ ‬وبذلك،‭ ‬أضحت‭ ‬طنجة‭ ‬واجهة‭ ‬دبلوماسيَّة‭ ‬موازية‭ ‬للمغرب،‭ ‬تقدم‭ ‬رواية‭ ‬الوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتنموية‭ ‬تقنع‭ ‬الفاعلين‭ ‬الدوليين‭ ‬بجدوى‭ ‬المقاربة‭ ‬المغربية‭.‬

ونجاح‭ ‬النموذج‭ ‬الطنجي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى،‭ ‬واستقطاب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وتطوير‭ ‬بنيات‭ ‬تحتية‭ ‬بمعايير‭ ‬عالمية،‭ ‬يعزِّز‭ ‬المصداقية‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬للمغرب‭ ‬حين‭ ‬يعرض‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الصحراء‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬مماثل،‭ ‬فالدبلوماسية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فقط‭ ‬بيانات‭ ‬ومذكرات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أيضا‭ ‬طُرقًا‭ ‬وموانئ‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭ ‬تُثبت‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬هي‭ ‬أقوى‭ ‬حجة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭.‬

وهكذا‭ ‬تمتد‭ ‬طنجة،‭ ‬بموانئها‭ ‬ومؤتمراتها‭ ‬وبروح‭ ‬الانفتاح‭ ‬التي‭ ‬تتميز‭ ‬بها،‭ ‬كرمز‭ ‬لوحدة‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬أبعاده‭ ‬الحديثة،‭ ‬ومن‭ ‬شمال‭ ‬المملكة‭ ‬حيث‭ ‬يلتقي‭ ‬البحران‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬والمحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬إلى‭ ‬جنوبها‭ ‬حيث‭ ‬تمتد‭ ‬الرمال‭ ‬لتعانق‭ ‬المياه،‭ ‬تتجسد‭ ‬فكرة‭ ‬المغرب‭ ‬الواحد،‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬دبلوماسيته‭ ‬عبر‭ ‬اقتصاده،‭ ‬ويدافع‭ ‬عن‭ ‬صحرائه‭ ‬بإنجازاته‭ ‬لا‭ ‬بشعاراته‭.‬

Exit mobile version