ثقافة

مـحـمـد شـكــــري: مشاكس بني شيكر بين العبقرية والتدمير الذاتي

بقـلم‭: ‬مصطفى‭ ‬أقلعي‭ ‬ناصر،‭ ‬مدير‭ ‬المدرسة‭ ‬العليا‭ ‬للهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬والبناء‭ ‬والتشييد‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬فاس‭ ‬الخاصة

ترجمة‭:‬ ‬الأستاذ‭ ‬رشيد‭ ‬برهون

نظم‭ ‬ميغيل‭ ‬دي‭ ‬أونامونو‭ ‬قصيدة‭ “‬تحية‭ ‬إلى‭ ‬الريفيين‭” ‬في‭ ‬بلباو‭ ‬سنة‭ ‬1909،‭ ‬وقد‭ ‬جاءت‭ ‬صرخةً‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الحملة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسبانية‭ ‬على‭ ‬قبائل‭ ‬الريف،‭ ‬في‭ ‬عدوان‭ ‬عسكري‭ ‬عُرف‭ ‬بـ‭”‬حرب‭ ‬مليلية‭ ‬الثانية‭” ‬أو‭ “‬حرب‭ ‬الريف‭ ‬لسنة‭ ‬1909‭”‬،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬محاولة‭ ‬للاستحواذ‭ ‬على‭ ‬مناجم‭ ‬الحديد‭ ‬بجبل‭ ‬بني‭ ‬بويفرور‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬الناظور‭.‬

‭”‬أنحن‭ ‬مورٌ‭ ‬في‭ ‬ضبابٍ‭ ‬كثيف؟‭ ‬أنحن‭ ‬مورٌ‭ ‬في‭ ‬عتمة‭ ‬الغيم؟

أم‭ ‬نحن‭ ‬ريفيون‭ ‬منفيون؟‭ “‬أأنتم‭ ‬إخوتي؟‭ ‬أجل،‭ ‬أنتم‭ ‬إخوتي‭!‬

قاتلوا،‭ ‬قاتلوا‭ ‬يا‭ ‬إخوتي،‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬الروح،‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬غار‭ ‬العدالة‭ ‬البشرية‭!‬

واجهوا‭ ‬النفاق‭ ‬الشحيح‭ ‬لأولئك‭ ‬الذين‭ ‬حوّلوا‭ ‬المسيح‭ ‬إلى‭ ‬احتكار،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬تجارة،

وجعلوا‭ ‬من‭ ‬الصليب‭ ‬رايةً،‭ ‬وباسمه‭ ‬تُحمى‭ ‬البضائع‭”. ‬

يرى‭ ‬إدريس‭ ‬كسيكس‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬في‭ ‬مسالك‭ ‬عدم‭ ‬الانصياع‭”‬،‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬الانصياع‭ ‬ليس‭ ‬فوضى‭ ‬ولا‭ ‬عدمية،‭ ‬بل‭ ‬أفقٌ‭ ‬فكريّ‭ ‬يهزّ‭ ‬البنيات‭ ‬القائمة‭ (‬الدولة،‭ ‬الأسرة،‭ ‬الثقافات‭ ‬العالمة‭ ‬والشعبية‭ ‬والمحلية‭)‬،‭ ‬ويخلخل‭ ‬المتخيل،‭ ‬بما‭ ‬يوسّع‭ ‬مجال‭ ‬حرية‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة‭.‬

لا‭ ‬أستطيع‭ ‬مقاومة‭ ‬هذه‭ ‬الرغبة‭: ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬عثراتي‭. ‬قرارٌ‭ ‬يلازمني‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬عاتبني‭ ‬عليه‭ ‬المقرّبون،‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أُقدِم‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬رواية‭ ‬أشبه‭ ‬بوصية‭ ‬عن‭ ‬طنجة‭. ‬فهم‭ ‬يرون‭ ‬فيّ‭ ‬حكّاءً‭ ‬من‭ ‬زمنٍ‭ ‬آخر،‭ ‬راوياً‭ ‬يذكّر‭ ‬بآخر‭ ‬أصوات‭ ‬الحكي‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬جامع‭ ‬الفنا‭ ‬بمراكش‭.‬

وفي‭ ‬مطلع‭ ‬التسعينيات،‭ ‬أتيحت‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭: ‬ترجمتُ‭ ‬إلى‭ ‬الإسبانية‭ ‬فصلًا‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭ “‬زمن‭ ‬الأخطاء‭”‬،‭ ‬ورافقته‭ ‬في‭ ‬لقاءاته‭ ‬بكلٍّ‭ ‬من‭ ‬غرناطة‭ ‬وموتريل‭ ‬وألميرية،‭ ‬مرةً‭ ‬محاورًا،‭ ‬ومرةً‭ ‬قارئًا‭ ‬لنصوصه‭. ‬كما‭ ‬ساهمتُ‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬بعض‭ ‬كتاباته‭ ‬وصقلها‭. ‬

كما‭ ‬عملت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭ ‬في‭ ‬تنقيح‭ ‬بعض‭ ‬نصوصه‭ ‬وإعادة‭ ‬صقلها‭. ‬

صدر‭ “‬زمن‭ ‬الأخطاء‭” ‬سنة‭ ‬1992،‭ ‬وهو‭ ‬عمل‭ ‬يكشف،‭ ‬منذ‭ ‬عتبة‭ ‬المراهقة،‭ ‬الوجه‭ ‬العاري‭ ‬لحياة‭ ‬شكري‭: ‬الفقر‭ ‬المدقع،‭ ‬وقسوة‭ ‬الواقع،‭ ‬عوالم‭ ‬البغاء‭ ‬والحانات،‭ ‬وتسلّط‭ ‬الأب،‭ ‬وظلال‭ ‬الطفولة‭ ‬البعيدة‭. ‬إنه‭ ‬نصّ‭ ‬يشهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التأرجح‭ ‬الحاد‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬على‭ ‬وجودٍ‭ ‬مثقلٍ‭ ‬بدوار‭ ‬دائم،‭ ‬غارق‭ ‬في‭ ‬كحول‭ ‬مغشوش،‭ ‬لكنه‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬يهتدي‭ ‬إلى‭ ‬صفاء‭ ‬بصيرة‭ ‬سردية‭ ‬نادرة‭. ‬هكذا‭ ‬يتجلّى‭ ‬شكري‭ ‬ككاتب‭ ‬ملعون،‭ ‬تتصادم‭ ‬حياته‭ ‬الهامشية‭ -‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬تمرّد‭ ‬وتراجيديا‭ (‬الإدمان‭ ‬ونبذ‭ ‬المجتمع‭)- ‬مع‭ ‬زمنه،‭ ‬كما‭ ‬تتصادم‭ ‬أعماله،‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬أسيء‭ ‬فهمها‭ ‬أو‭ ‬وُوجهت‭ ‬بالمنع،‭ ‬مع‭ ‬مقاييسه‭ ‬السائدة‭.‬

ويشهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬هذا‭ ‬المقطع‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬نفسه،‭ ‬وقد‭ ‬تشبّع‭ ‬بسخرية‭ ‬مرة‭ ‬وغضب‭ ‬مسكون‭ ‬بالكحول،‭ ‬حيث‭ ‬ينبسط‭ ‬صوت‭ ‬شكري‭-‬ذلك‭ ‬البوكوفسكي‭ ‬الريفي،‭ ‬ابن‭ ‬آيت‭ ‬شيشار،‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬مريش‭ (‬مليلية‭)‬،‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬قلعية‭ ‬إقالعيين‭ ‬بالريفية‭ -‬مستعرضًا‭ ‬أقصى‭ ‬طاقاته‭ ‬السردية‭ ‬في‭ ‬سيرته‭ ‬المتخيَّلة‭ “‬زمن‭ ‬الأخطاء‭”.‬

‭”‬رفاق‭ ‬رحلتي‭ ‬تهاووا‭ ‬في‭ ‬دروب‭ ‬الجنون،‭ ‬أو‭ ‬ظلّوا‭ ‬أسرى‭ ‬هذيانٍ‭ ‬يتيهون‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬بلا‭ ‬غاية؛‭ ‬وآخرون،‭ ‬مدفوعين‭ ‬بحلم‭ ‬فردوس‭ ‬عابر‭ ‬أو‭ ‬عالمٍ‭ ‬أرحب،‭ ‬مضوا‭ ‬في‭ ‬درب‭ ‬المنفى‭. ‬كانت‭ ‬رحلتهم‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬زمن،‭ ‬وأكاد‭ ‬أستعيد‭ ‬صورة‭ ‬بعضهم‭ ‬وهم‭ ‬يحتسون‭ ‬كأسهم‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتلاشوا‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬أحدهم‭ ‬حمل‭ ‬كيسًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬من‭ ‬ترابٍ‭ ‬كتعويذة،‭ ‬ليحفظ‭ ‬صلته‭ ‬بالأرض،‭ ‬أو‭ ‬ليغرس‭ ‬فيه‭ ‬نعناعًا‭ ‬في‭ ‬منفاه‭ ‬الجديد‭. ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬ثمن‭ ‬البؤس‭ ‬الذي‭ ‬يخنق‭ ‬الشمال؛‭ ‬أيامٌ‭ ‬عسيرة‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬بنيتيث‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬أصيلة‭. ‬لكن،‭ ‬متى‭ ‬عرفنا‭ ‬زمنًا‭ ‬أفضل؟‭ ‬تساءلتُ‭. ‬لمن‭ ‬تنتمي‭ ‬تلك‭ ‬الألحان‭ ‬الشجية‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬بعيد؟‭ ‬إنها‭ ‬للراحلين‭: ‬تائهين،‭ ‬مذعورين،‭ ‬منبوذين،‭ ‬يفرّون‭ ‬وهم‭ ‬يجرّون‭ ‬حياةً‭ ‬مثقلة‭ ‬نحو‭ ‬اقتلاع‭ ‬جديد‭. ‬لقد‭ ‬أفقرتنا‭ ‬حانات‭ ‬طنجة‭ ‬الحديثة‭ -‬ملاجئ‭ ‬السكارى‭- ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬وجوه‭ ‬روّادها‭ ‬مرايا‭ ‬للحزن‭ ‬والانحطاط‭. ‬أمّا‭ ‬أصحابها،‭ ‬الغرباء‭ ‬عن‭ ‬الحرفة،‭ ‬بوجوههم‭ ‬العابسة‭ ‬وجشعهم‭ ‬الفجّ،‭ ‬فليسوا‭ ‬إلا‭ ‬زمرة‭ ‬من‭ ‬المحتالين‭”. ‬

تغيّرت‭ ‬الحانات،‭ ‬وتبدّل‭ ‬أصحابها‭ ‬أكثر؛‭ ‬وكالمدينة‭ ‬نفسها‭ -‬طنجة‭ ‬ذات‭ ‬الذاكرة‭ ‬المفقودة‭-‬صاروا‭ ‬قصيري‭ ‬الذاكرة،‭ ‬لا‭ ‬يثبتون‭ ‬على‭ ‬أسماء،‭ ‬ولا‭ ‬يقيمون‭ ‬للعلاقات‭ ‬وزنًا‭. ‬هكذا‭ ‬تمضي‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الأخطاء؛‭ ‬أتيه‭ ‬ليلًا‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬موحشة‭. ‬المجانين‭ ‬انطووا‭ ‬على‭ ‬ذواتهم،‭ ‬وانسحبوا‭ ‬إلى‭ ‬الداخل،‭ ‬فبدوا‭ ‬كأنهم‭ ‬استعادوا‭ ‬عقولهم،‭ ‬وأطلقوا‭ ‬لحاهم،‭ ‬لا‭ ‬تمرّدًا‭ ‬ولا‭ ‬تجديفًا،‭ ‬بل‭ ‬استسلامًا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سلّموا‭ ‬أمرهم‭.‬

وقد‭ ‬أرهقني‭ ‬التجوال‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تهب‭ ‬سوى‭ ‬رتابة‭ ‬خانقة،‭ ‬فأشتهي‭ ‬أن‭ ‬أمنح‭ ‬بصري‭ ‬تنوّعًا،‭ ‬وروحي‭ ‬أفقًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬الإحساس‭.‬‭ ‬أحلم‭ ‬بأسفار‭ ‬بعيدة،‭ ‬ويغمرني‭ ‬توق‭ ‬جامح‭ ‬إلى‭ ‬الاغتراب،‭ ‬وأتخيّل‭ ‬بيتًا‭ ‬عند‭ ‬أطراف‭ ‬مدينة‭ ‬كبرى،‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬ترابي‭ ‬مغبرّ‭. ‬هناك‭ ‬فقط‭ ‬أستقرّ،‭ ‬لأكتب‭ ‬عن‭ ‬نقائص‭ ‬المدينة‭”. ‬

حياة‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭ ‬مشدودة‭ ‬إلى‭ ‬طنجة‭ ‬شدًّا‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منه؛‭ ‬لم‭ ‬يولد‭ ‬فيها،‭ ‬لكنه‭ ‬كُتب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يسكنها،‭ ‬حتى‭ ‬تماهيا‭ ‬وصارا‭ ‬وجهين‭ ‬لوجود‭ ‬واحد‭. ‬تحضر‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭ ‬بوصفها‭ ‬لازمة‭ ‬لا‭ ‬تنفكّ،‭ ‬فضاءً‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬المحن‭ ‬والانكسارات،‭ ‬الجراح‭ ‬والتقلّبات،‭ ‬القطيعة‭ ‬والقسوة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬ومضات‭ ‬حنان،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يطبعه‭ ‬التهميش‭ ‬والعنف‭.‬

وكان‭ ‬شكري‭ ‬يستعين‭ ‬باللاانضباط‭ ‬سعيًا‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬براءة‭ ‬ضائعة؛‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬نصّ‭ ‬مشوب‭ ‬بالقسوة‭ ‬والاختلاط،‭ ‬كان‭ ‬يفتح‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬اختراقات‭ ‬لغوية،‭ ‬يمزجها‭ ‬بمفردات‭ ‬ريفية‭ ‬وإسبانية‭ ‬ودارجة،‭ ‬في‭ ‬خرقٍ‭ ‬صريح‭ ‬لما‭ ‬يُعدّ‭ ‬من‭ ‬محرّمات‭ ‬النحو‭. ‬وكان‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬اللغة‭ ‬كائن‭ ‬حيّ،‭ ‬تتطوّر‭ ‬بفعل‭ ‬الاستعمال،‭ ‬لا‭ ‬بإملاءات‭ ‬المجامع‭ ‬اللغوية‭ ‬المكرَّسة‭. ‬

في‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وبين‭ ‬أزقّة‭ ‬حي‭ ‬مالقة،‭ ‬تعلّم‭ ‬محمد‭ ‬شكري،‭ ‬قبل‭ ‬العربية،‭ ‬قشتاليةً‭ ‬مكسّرة‭ ‬كان‭ ‬يتداولها‭ ‬باعة‭ ‬الخردة‭ ‬من‭ ‬الغجر‭ ‬الذين‭ ‬استقرّوا‭ ‬بدورهم‭ ‬في‭ ‬تطوان،‭ ‬مدينة‭ ‬العيون‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬صار‭ ‬شكري‭ ‬يفاخر‭ ‬بأنه‭ ‬أتقن،‭ ‬وهو‭ ‬ابن‭ ‬الريف،‭ ‬لغةً‭ ‬بدت‭ ‬له‭ ‬غريبة‭ ‬في‭ ‬البدء‭: ‬العربية‭ ‬الفصحى؛‭ ‬وأن‭ “‬امحند‭” ‬قد‭ ‬غدا‭ “‬محمد‭”‬،‭ ‬وأن‭ ‬وعيه‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬الريفية‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭. ‬وقد‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الفتى‭ ‬الأمي‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬شيكر‭ ‬أصبح‭ ‬كاتبًا‭ ‬معروفًا‭. ‬يقول‭: “‬عرفتُ‭ ‬تقلبات‭ ‬التشرّد،‭ ‬وتحملت‭ ‬مضايقات‭ ‬الأطفال‭ ‬والشيوخ‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء،‭ ‬لكنني‭ ‬كنت‭ ‬محظوظًا‭ ‬لأنني‭ ‬تعلّمت‭ ‬لغة‭ ‬مضطهديّ‭. ‬كنت‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أطمس‭ ‬لكنتي،‭ ‬أن‭ ‬أخفي‭ ‬أصولي‭ ‬غير‭ ‬المرغوب‭ ‬فيها‭ ‬داخل‭ ‬مجتمع‭ ‬عروبي‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الريفيين‭ ‬باحتقار‭ -(‬اغربوا‭ ‬عن‭ ‬وجوهنا‭ ‬أيها‭ ‬الريفيون‭ ‬الجياع‭!). ‬لكنني‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬انتصرت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬المحكمة‭ ‬القوية،‭ ‬الواضحة‭ ‬والغريبة‭ ‬في‭ ‬آن‭…”. ‬ويضيف‭: “‬كنت‭ ‬مسكونًا‭ ‬باللغة‭ ‬العربية؛‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أمتلكها‭ ‬امتلاكًا‭ ‬تامًا،‭ ‬فأخضعتها‭ ‬لإرادتي‭. ‬لقد‭ ‬غلبتها‭”. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يطمح‭ ‬إليه‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬داخل‭ ‬العربية،‭ ‬وأن‭ ‬تتصالح‭ ‬داخله‭ ‬ذاتاه‭. ‬فالعيش‭ ‬والتفكير‭ ‬والترجمة‭ ‬بلغة‭ ‬أخرى‭ ‬يمنحك‭ ‬مسافة‭ ‬ورؤية،‭ ‬ويتيح‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬ما‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬الآخرين؛‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬علامة‭ ‬قوة‭.‬

‭”‬أنا‭ ‬ابن‭ ‬الأحياء‭ ‬الصفيحية‭ ‬والبؤس؛‭ ‬أنتمي‭ ‬إلى‭ ‬طبقة‭ ‬مقصية‭. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بدت‭ ‬لي‭ ‬الكتابة‭ ‬علامة‭ ‬وجاهة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬لكنني‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬أدركت‭ ‬أنها‭ ‬سلاح‭ ‬للمساءلة‭ ‬والاتهام‭. ‬فالكتابة‭ ‬عندي‭ ‬فعل‭ ‬فضح‭ ‬لا‭ ‬ترف‭. ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬وجوه‭ ‬التهميش‭ ‬التي‭ ‬تخيّم‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬مثل‭ ‬طنجة‭: ‬الدعارة،‭ ‬البطالة‮…‬‭ ‬يأس‭ ‬شباب‭ ‬متعلّم‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬سبيلاً‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬فيُدفع‭ ‬إلى‭ ‬المنفى،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬كحرّاكة‭”. ‬

في‭ ‬‮«‬الخبز‭ ‬الحافي‮»‬،‭ ‬يستعيد‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭ ‬تجربةً‭ ‬شخصية‭ ‬جارحة،‭ ‬تتصدّرها‭ ‬صورة‭ ‬أبٍ‭ ‬متسلّط،‭ ‬وفضاءٌ‭ ‬عائليّ‭ ‬مشبع‭ ‬بالعنف‭ ‬والبؤسسوء‭ ‬معاملة،‭ ‬جوع،‭ ‬وحرمان‭” ‬حيث‭ ‬يغدو‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬مهمّة‭ ‬يومية‭ ‬شاقّة‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬السيرة،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬شكري‭ ‬باستحضار‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تركيبه‭ ‬عبر‭ ‬الكتابة،‭ ‬محوّلًا‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭ ‬ذهنيًا‭ ‬وشفهيًا‭ ‬إلى‭ ‬نصّ‭ ‬نابض‭. ‬وقد‭ ‬ظلّ‭ ‬أمّيًا‭ ‬حتى‭ ‬سنّ‭ ‬الحادية‭ ‬والعشرين،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينصرف‭ ‬إلى‭ ‬تتبّع‭ ‬خيوط‭ ‬ذاكرته‭ ‬بدل‭ ‬تشييد‭ ‬عوالم‭ ‬متخيَّلة؛‭ ‬فكتابته‭ ‬تلتصق‭ ‬بالوقائع‭ ‬كما‭ ‬حدثت،‭ ‬في‭ ‬أمكنتها‭ ‬وسياقاتها،‭ ‬وتُنصت‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬اليومي‭ ‬وهوامش‭ ‬العيش‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الخبز‭ ‬الحافي‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬تعرّض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬منع‭ ‬وتشنيع‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الناشرين‭ ‬العرب،‭ ‬ظلّ‭ ‬يلاحق‭ ‬صاحبه‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬حياته،‭ ‬ووسمه‭ ‬بوصمة‭ ‬الكاتب‭ ‬المنبوذ‭ ‬والمقصي،‭ ‬بل‭ ‬ووصِف‭ ‬بغير‭ ‬الوطني‭. ‬وقد‭ ‬بلغ‭ ‬وقع‭ ‬هذا‭ ‬النبذ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬حدًّا‭ ‬دفع‭ ‬شكري‭ ‬إلى‭ ‬الارتماء‭ ‬في‭ ‬إدمان‭ ‬يومي‭ ‬على‭ ‬الكحول،‭ ‬اتخذه‭ ‬مسكّنًا‭ ‬لقلقه‭ ‬وآلامه‭. ‬وقد‭ ‬أفصح،‭ ‬في‭ ‬أحاديث‭ ‬خاصة،‭ ‬عن‭ ‬شعوره‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬كان‭ ‬كآلة‭ ‬ساحقة‭ ‬حجبت‭ ‬ما‭ ‬سواه‭ ‬من‭ ‬إنتاجه‭ ‬الغزير‭.‬

ويشهد‭ ‬خوان‭ ‬غويتيسولو‭ ‬بأن‭: “‘‬لغز‭’ ‬طنجة،‭ ‬خلال‭ ‬القرنين‭ ‬الأخيرين،‭ ‬استحوذ‭ ‬على‭ ‬خيال‭ ‬ونظرات‭ ‬متعطّشة‭ ‬لدى‭ ‬طيف‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الرسّامين‭ ‬والروائيين‭ ‬وصنّاع‭ ‬السينما‭ ‬والشعراء‭ ‬من‭ ‬مشارب‭ ‬شتّى‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الكتّاب‭ ‬الإسبان‭ ‬من‭ ‬جيلي،‭ ‬الذين‭ ‬ترعرعوا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الوضع‭ ‬الدولي‭ ‬للمدينة،‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬واقع‭ ‬مغاير‭ ‬تمامًا‭. ‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬طنجة،‭ ‬في‭ ‬نظرهم،‭ ‬مدينةً‭ ‬غرائبية‭ ‬ولا،‭ ‬بالأحرى،‭ ‬لغزًا‭ ‬عصيًّا؛‭ ‬بل‭ ‬فضاءً‭ ‬حيًّا‭ ‬تتجاور‭ ‬فيه‭ ‬اللغات‭ ‬والثقافات‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬واحدة،‭ ‬سعوا‭ ‬إلى‭ ‬التقاط‭ ‬أصواتها‭ ‬وتوثيق‭ ‬نبضها‭. ‬ويخطر‭ ‬ببالي‭ ‬هنا،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاص،‭ ‬ذلك‭ ‬العمل‭ ‬البديع‭ ‬لأنخيل‭ ‬باثكيث‭ ‬‮«‬الحياة‭ ‬اللعينة‭ ‬لخوانيتا‭ ‬ناربوني‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬أليخو‭ ‬كاربنتيير‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬انتمى‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬‭”‬البوم‭”‬‭ ‬اللاتينية،‭ ‬لكان‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬شهرة‭ “‬مئة‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬العزلة‭” ‬لغابرييل‭ ‬غارسيا‭ ‬ماركيز‭.‬

طنجة‭: ‬مدينة‭ ‬عبور،‭ ‬ملاذ‭ ‬للمهاجرين‭ ‬وعديمي‭ ‬الجنسية،‭ ‬أرضٌ‭ ‬للجميع،‭ ‬وأرض‭ ‬لا‭ ‬يملكها‭ ‬أحد؛‭ ‬طنجة‭ “‬العاهرة‭”‬،‭ ‬بتعبير‭ ‬أنخيل‭ ‬باثكيث،‭ ‬صاحب‭ ‬أحد‭ ‬أقوى‭ ‬المونولوغات‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الإسباني،‭ “‬الحياة‭ ‬اللعينة‭ ‬لخوانيتا‭ ‬ناربوني‭”.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬الدولية‭ ‬تلك‭ ‬لم‭ ‬تكن،‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬سوى‭ ‬وهمٍ‭ ‬أخّاذ،‭ ‬كما‭ ‬يشهد‭ ‬إميليو‭ ‬سانث‭ ‬دي‭ ‬سوتو،‭ ‬الطنجاوي‭ ‬المتعدّد‭ ‬المواهب،‭ ‬المثقف‭ ‬الرقيق‭ ‬الفضول،‭ ‬الذي‭ ‬خاض‭ ‬تجارب‭ ‬شتّى‭ ‬وكتب‭ ‬القليل‭: ‬أوراقًا‭ ‬متناثرة،‭ ‬حوارات،‭ ‬وأعمالًا‭ ‬سينمائية،‭ ‬بكرمٍ‭ ‬نادر‭ ‬يميّز‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يتركون‭ ‬وهج‭ ‬الشهرة‭ ‬لغيرهم،‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬تعبير‭ ‬فيثينتي‭ ‬مولينا‭ ‬فويث‭.‬

وكانت‭ ‬هناك‭ ‬أيضًا‭ ‬طنجة‭ ‬أخرى،‭ ‬اندثرت‭ ‬اليوم،‭ ‬رسم‭ ‬ملامحها‭ ‬الناقد‭ ‬المسرحي‭ ‬إدواردو‭ ‬هارو‭ ‬تيغلين‭ ‬في‭ ‬تقديمه‭ ‬لكتالوغ‭ ‬معرض‭ “‬طنجة‭ ‬بالأبيض‭ ‬والأسود‭”‬،‭ ‬حين‭ ‬قال‭: “‬أكاد‭ ‬أوقن‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬مكان،‭ ‬بل‭ ‬حالة‭ ‬ذهنية،‭ ‬وقد‭ ‬استقرّت‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬الضبابية‭ ‬من‭ ‬الذاكرة،‭ ‬حيث‭ ‬يتعذّر‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬حقيقةً‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬وهمًا‭”.‬

أمّا‭ ‬أنا،‭ ‬فأميل‭ ‬إلى‭ ‬توصيفها‭ ‬بوصفها‭ ‬مجتمعًا‭ ‬هرميًا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري؛‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الأجنبي‭ ‬يحظى‭ ‬بامتيازات‭ ‬قانونية‭ ‬تجعله‭ ‬يشعر‭ ‬وكأنه‭ ‬في‭ ‬وطنه،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬أبناء‭ ‬الأرض‭ ‬غرباء‭ ‬في‭ ‬أرضهم‭.‬

تبدو‭ ‬طنجة‭ “‬الدولية‭” ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬عرضًا‭ ‬مسرحيًا‭ ‬محضًا،‭ ‬زيفًا‭ ‬متقنا،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬صدحت‭ ‬به‭ ‬المغنية‭ ‬الكوبية‭ “‬لا‭ ‬لوبي‭”: “‬كأننا‭ ‬فوق‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح؛‭ ‬تتصنّع‭ ‬ألمك‭ ‬الرخيص،‭ ‬ودراماك‭ ‬لا‭ ‬لزوم‭ ‬لها‭. ‬أعرف‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬جيدًا‭: ‬إنه‭ ‬مسرح‭ ‬لا‭ ‬غير،‭ ‬زيف‭ ‬مُتقَن،‭ ‬وتمثيل‭ ‬محسوب‭”.‬

ولم‭ ‬يتأخّر‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭ ‬في‭ ‬فضح‭ ‬هذه‭ ‬المهزلة،‭ ‬أو‭ ‬هذا‭ ‬القناع‭ ‬الأدبي‭ ‬الاستشراقي‭ ‬الجديد؛‭ ‬ففي‭ ‬يونيو‭ ‬1996‭ ‬نشر‭ ‬نصًا‭ ‬صادمًا‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬مذكّرات‭ ‬بالعربية‭ ‬عن‭ ‬بول‭ ‬بولز‭ ‬وعزلته‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬حيث‭ ‬يتقمّص،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لافت،‭ ‬صوت‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد،‭ ‬ليقدّم‭ ‬نقدًا‭ ‬جذريًا‭ ‬للاستشراق‭ ‬باعتباره‭ ‬خطابًا‭ ‬صاغه‭ ‬بولز‭ ‬و‭”‬جيل‭ ‬البيت‭”. ‬خطابٌ‭ ‬أخفق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أداة‭ ‬هيمنة‭ ‬فعّالة‭ ‬تُسنِد‭ ‬المشروع‭ ‬الاستعماري‭ ‬ونزعة‭ ‬الأبوة‭ ‬البيضاء‭.‬

ليست‭ ‬صورة‭ ‬الشرق‭ -‬وطنجة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭- ‬سوى‭ ‬بناء‭ ‬مركّب‭ ‬من‭ ‬شذرات‭ ‬نصيّة‭ ‬متراكمة،‭ ‬أشبه‭ ‬بمصفاة‭ ‬تحجب‭ ‬الواقع‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تكشفه؛‭ ‬إنها‭ ‬صورة‭ ‬مُصنَّعة‭ ‬لا‭ ‬ذاتًا‭ ‬أصيلة‭. ‬وكم‭ ‬من‭ ‬مرّة‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ “‬الغريب‭” ‬سوى‭ ‬عنصرية‭ ‬مموّهة‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬الزخرف‭ ‬الغنائي‭. ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬اللفظ‭ ‬تختبئ‭ ‬عوالم‭ ‬مُخضَعة،‭ ‬أشبه‭ ‬بحديقة‭ ‬بشرية‭ ‬يُعاد‭ ‬ترتيبها‭ ‬وتعريفها‭. ‬وقد‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬معارف‭ ‬أخرى‭ ‬نشأت‭ ‬ضمن‭ ‬السياق‭ ‬نفسه‭ ‬وبالمنطق‭ ‬ذاته؛‭ ‬ولعلّ‭ ‬أبرزها‭ ‬الأنثروبولوجيا،‭ ‬بوصفها‭ ‬علمًا‭ ‬كولونياليًا‭ ‬انشغل‭ ‬بدراسة‭ “‬البدائي‭” ‬و‭”‬المتوحّش‭” ‬و‭”‬الآخر‭”. ‬

إدوارد‭ ‬سعيد‭  ‬أن‭ ‬الاستشراق‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬خطابًا‭ ‬غربيًا‭ ‬صيغ‭ ‬للهيمنة‭ ‬على‭ ‬الشرق‭. ‬فالشرق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يومًا‭ -‬ولم‭ ‬يعد‭- ‬تلك‭ “‬الهيتروتوبيا‭” (‬المكان‭ ‬الآخر،‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬روجه‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو،‭ ‬المكون‭ ‬من‭ ‬الكلة‭ ‬اليونانية‭ ‬طوبوس،‭ ‬ومن‭ ‬هيترو،‭ ‬أي‭ ‬الآخر‭) ‬الحالمة‭ ‬التي‭ ‬استهوت‭ ‬مخيّلة‭ ‬رسّامي‭ ‬القرنَين‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والعشرين؛‭ ‬الذي‭ ‬قصده‭ ‬الفنانون‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬أفق‭ ‬مغاير‭ ‬وإحساس‭ ‬جديد‭.‬

لا‭ ‬يختزل‭ ‬الشرق،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التصوّر،‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬للرغبة‭ ‬في‭ ‬الاختلاف‭ -‬بأبعاده‭ ‬الجنسية‭ ‬والمعرفية‭ ‬والأدبية‭ ‬والدينية‭- ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭ ‬واقع‭ ‬ملموس،‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الإشكالات‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬استبداد‭ ‬ودين‭ ‬وسؤال‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬تعقيده‭ ‬وتشظّيه‭.‬

وعلى‭ ‬حدّ‭ ‬تعبير‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭: “‬إن‭ ‬كتّاب‭ ‬وشعراء‭ ‬جيل‭ ‬البيت،‭ ‬الذين‭ ‬شدّوا‭ ‬الرحال‭ ‬إلى‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬هدي‭ ‬خطى‭ ‬بول‭ ‬بولز،‭ ‬ذلك‭ ‬المتوحد‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬لم‭ ‬يلامسوا‭ ‬يومًا‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬المحلية؛‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬تركوه‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬صورًا‭ ‬معدودة‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬المنيرية‭. ‬كم‭ ‬من‭ ‬كتّاب‭ ‬مبتدئين‭ ‬جاؤوا‭ ‬ليكتبوا،‭ ‬ولم‭ ‬يخطّوا‭ ‬سطرًا‭ ‬واحدًا؛‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬رسّامين‭ ‬تاهوا‭ ‬في‭ ‬الضياع‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يرسموا‭ ‬بورتريها‭ ‬واحدًا،‭ ‬بل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمزجوا‭ ‬الألوان،‭ ‬منشغلين‭ ‬فقط‭ ‬بإشباع‭ ‬استيهاماتهم‭ ‬الجنسية‭. ‬بالنسبة‭ ‬إليهم،‭ ‬كانت‭ ‬طنجة‭ ‬فردوسًا‭ ‬جنسيًا،‭ ‬فضاءً‭ ‬للانفلات،‭ ‬وكانوا‭ ‬واعين‭ ‬بذلك‭. ‬سادت‭ ‬آنذاك‭ ‬أخلاق‭ ‬مزدوجة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬نفاقٍ‭ ‬وانحياز‭ ‬فاضحين؛‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬القاصرين‭ ‬يُعدّ‭ ‬جريمة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يُغضّ‭ ‬الطرف‭ ‬عنه‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬لمفهوم‭ ‬الاغتصاب‭ ‬مكان،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬للرجل‭ ‬الأبيض‭ ‬حقّ‭ ‬امتلاك‭ ‬جسد‭ ‬القاصر‭. ‬كانت‭ ‬طنجة،‭ ‬في‭ ‬نظرهم،‭ ‬بيتًا‭ ‬للدعارة،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬هافانا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬باتيستا‭ ‬‭”‬ماخورًا‭” ‬للأمريكيين‭”. ‬

عاش‭ ‬محمد‭ ‬شكري‭ ‬أسيرَ‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬معاد،‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬بقيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬وبرجوازية‭ ‬بعثت‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬الاشمئزاز‭ ‬والتقزز‭. ‬يقول‭: “‬لا‭ ‬أتحسر‭ ‬إطلاقًا‭ ‬على‭ ‬الأسطورة‭ ‬التي‭ ‬أُحيطت‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬الكوسموبوليتية؛‭ ‬ففي‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬كنت‭ ‬أتضور‭ ‬جوعًا،‭ ‬أنام‭ ‬بين‭ ‬القبور،‭ ‬وأقتات‭ ‬مما‭ ‬ألتقطه‭ ‬من‭ ‬حاويات‭ ‬الأوروبيين‭. ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬بأي‭ ‬حنين‭ ‬إلى‭ ‬طنجة‭ ‬الدولية‭”. ‬

رحل‭ ‬عن‭ ‬سن‭ ‬الثامنة‭ ‬والستين‭ ‬عامًا،‭ ‬مخلفًا‭ ‬جثمانا‭ ‬أثقلته‭ ‬الحياة‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬بكثير‭. ‬وفي‭ ‬مقبرة‭ ‬مرشان،‭ ‬شيّعته‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬الأقلّ‭ ‬محافظة،‭ ‬متزيّنة‭ ‬بجلابيب‭ ‬فاخرة‭. ‬حضر‭ ‬المقرّبون،‭ ‬وأيضا‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬اعتادوا‭ ‬تحويل‭ ‬الجنائز‭ ‬إلى‭ ‬مسارح‭ ‬للظهور،‭ ‬غير‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬ما‭ ‬يستثمرونه؛‭ ‬فاللامبالاة‭ ‬كانت‭ ‬أبلغ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬استعراض‭. ‬وحين‭ ‬دنا‭ ‬النعش‭ ‬من‭ ‬القبر،‭ ‬ارتفع‭ ‬صوت‭ ‬وحيد‭: ‬‮«‬وداعًا،‭ ‬شكري‭!‬‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬خيّم‭ ‬الصمت‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬أقصر‭ ‬تأبين‭ ‬لحياة‭ ‬مثقلة‭ ‬بالإفراط،‭ ‬حياةٍ‭ “‬ارتوت‭ ‬بالكحول‭”. ‬

وبعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬سعى‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬استغلالها،‭ ‬متناسين‭ ‬كتابته‭ ‬الكاشفة،‭ ‬ظلّ‭ ‬جوهر‭ ‬عبقرية‭ ‬شكري‭ ‬يتجلّى‭ ‬في‭ ‬الحانات‭ ‬والملاهي‭ ‬الليلية،‭ ‬بين‭ ‬قرّائه‭ ‬الأوفياء‭ ‬ومحبّيه‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يتركوه‭ ‬يسقط‭. ‬روح‭ ‬عصيّة‭ ‬على‭ ‬الاحتواء،‭ ‬لا‭ ‬تنصاع،‭ ‬متشبّعة‭ ‬بنزعة‭ ‬تحرّرية،‭ ‬منسجمة‭ ‬مع‭ ‬ذاتها،‭ ‬وماضية‭ ‬في‭ ‬خرق‭ ‬الحدود‭ ‬حتى‭ ‬النفس‭ ‬الأخير‭.‬

Exit mobile version