سياسة

مجلس طنجة أصيلة يفقد البوصلة.. اتّهامات بسوء التدبير وضعف التنسيق مع المصالح الخارجية

تعيش‭ ‬عمالة‭ ‬طنجة‭ ‬أصيلة‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬جدل‭ ‬واسع‭ ‬حول‭ ‬أداء‭ ‬مجلسها،‭ ‬الَّذِي‭ ‬يرأسه‭ ‬محمد‭ ‬لحميدي‭ ‬عن‭ ‬حزب‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعدَّدت‭ ‬الانتقادات‭ ‬المُوجّهة‭ ‬لتسييره،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬المالي‭ ‬أو‭ ‬الإداري،‭ ‬وسط‭ ‬تساؤلات‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسَّسة‭ ‬المنتخبة‭ ‬على‭ ‬الاضطلاع‭ ‬بأدوارها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تواتر‭ ‬القضايا‭ ‬المرفوعة‭ ‬ضدها‭ ‬وتراجع‭ ‬منسوب‭ ‬الثقة‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقاولات‭.‬

في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وجدت‭ ‬رئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬أحكام‭ ‬قضائية‭ ‬ثقيلة‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬المحكمة‭ ‬الإدارية‭ ‬بطنجة،‭ ‬تلزمها‭ ‬بأداء‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬درهم‭ ‬لفائدة‭ ‬إحدى‭ ‬الشركات‭ ‬المتخصّصة‭ ‬في‭ ‬الأشغال‭ ‬العمومية،‭ ‬بعد‭ ‬امتناعها‭ ‬عن‭ ‬تسديد‭ ‬مستحقاتها‭ ‬رغم‭ ‬استكمالها‭ ‬المشاريع‭ ‬المتّفق‭ ‬عليها‭ ‬وفق‭ ‬دفاتر‭ ‬التحمّلات‭.‬

القضية،‭ ‬الَّتِي‭ ‬تتابعها‭ ‬الأوساط‭ ‬المحلية‭ ‬باهتمام،‭ ‬كشفت‭ ‬ما‭ ‬تعتبره‭ ‬مصادرَ‭ ‬مهنيّة‭ ‬‮«‬اختلالا‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الصفقات‭ ‬العمومية‮»‬‭ ‬و«تباطؤا‭ ‬متعمدا‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬الالتزامات‭ ‬المالية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬استياء‭ ‬المقاولين‭ ‬الذين‭ ‬بدأ‭ ‬بعضهم‭ ‬يتردّد‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬جديدة‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬لتُضاف‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬متراكم‭ ‬من‭ ‬المتابعات‭ ‬القضائية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تطارد‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬نفسه‭.‬

فمحمد‭ ‬الحميدي‭ ‬يواجه‭ ‬حكمًا‭ ‬ابتدائيًّا‭ ‬بالسجن‭ ‬سنة‭ ‬نافذة‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬تتعلّق‭ ‬باختلالات‭ ‬مالية‭ ‬خلال‭ ‬مُدّة‭ ‬ترؤسه‭ ‬غرفة‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬لجهة‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسيمة،‭ ‬ويتابع‭ ‬حاليا‭ ‬أمام‭ ‬غرفة‭ ‬جرائم‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬الرباط‭.‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬القضائي،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الحميدي‭ ‬يحتفظ‭ ‬برئاسة‭ ‬مجلس‭ ‬العمالة‭ ‬ويُمثّل‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬متتبعون‭ ‬‮«‬ضربا‭ ‬لمبدأ‭ ‬ربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة‮»‬،‭ ‬متسائلين‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬انسجام‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬القوانين‭ ‬التنظيمية‭ ‬للجماعات‭ ‬الترابية‭.‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬الصمت‭ ‬الرسمي‭ ‬الَّذِي‭ ‬يطبع‭ ‬تعاطي‭ ‬المجلس‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬القضايا،‭ ‬تتصاعد‭ ‬الانتقادات‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬محيطه‭. ‬فخلال‭ ‬إحدى‭ ‬دورات‭ ‬المجلس،‭ ‬صادق‭ ‬الأعضاء‭ ‬بالإجماع‭ ‬على‭ ‬إقالة‭ ‬كاتب‭ ‬المجلس‭ ‬بدعوى‭ ‬الغياب‭ ‬المتكرّر،‭ ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬فسّرها‭ ‬متابعون‭ ‬بأنَّها‭ “‬محاولة‭ ‬لتغطية‭ ‬التوتر‭ ‬الداخلي‭ ‬وضعف‭ ‬الانسجام‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬المكتب‭”‬،‭ ‬الَّذِي‭ ‬أصبح‭ ‬يشتغل‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬مشحون،‭ ‬تغيب‭ ‬فيه‭ ‬المبادرة‭ ‬الجماعية‭ ‬وتغلُّب‭ ‬عليه‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية‭ ‬الضيقة‭. ‬أمَّا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البرامج‭ ‬التنموية،‭ ‬فإن‭ ‬الصورة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬قتامة‭.‬

ففي‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الدواوير‭ ‬التابعة‭ ‬لعمالة‭ ‬طنجة‭ ‬أصيلة،‭ ‬تشتكي‭ ‬الساكنة‭ ‬من‭ ‬تردي‭ ‬البنية‭ ‬التحتيّة،‭ ‬وغياب‭ ‬الإنارة‭ ‬العموميّة،‭ ‬وضعف‭ ‬خِدْمات‭ ‬النقل‭ ‬المدرسي‭ ‬والماء‭ ‬الصالح‭ ‬للشرب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تأخر‭ ‬إنجاز‭ ‬المشاريع‭ ‬المبرمجة‭ ‬ضِمن‭ ‬شراكات‭ ‬مع‭ ‬مؤسَّسات‭ ‬عمومية‭.‬

مصادر‭ ‬محلية،‭ ‬أكَّدت‭ ‬أن‭ ‬مشاريع‭ ‬كانت‭ ‬مُخصّصة‭ ‬لتحسين‭ ‬المسالك‭ ‬القروية‭ ‬وربط‭ ‬المدارس‭ ‬بالماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬‮«‬ظلت‭ ‬حبيسة‭ ‬الأوراق‭ ‬والمذكرات‮»‬،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬أثرًا‭ ‬ملموسًا‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬سوى‭ ‬بعض‭ ‬التدشينات‭ ‬الرمزية‭ ‬الَّتِي‭ ‬يحضرها‭ ‬الرئيس‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى‭.‬

وتشير‭ ‬تقارير‭ ‬إعلامية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬العمالة‭ ‬‮«‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬شكلية‭ ‬تفتقد‭ ‬للرؤية‭ ‬والنجاعة‮»‬،‭ ‬بعدما‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬تنزيل‭ ‬مُخطّط‭ ‬التنمية‭ ‬الإقليمي‭ ‬بالوتيرة‭ ‬المطلوبة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬حاجيات‭ ‬الساكنة‭ ‬واتِّساع‭ ‬النسيج‭ ‬العمراني‭ ‬للمدينة‭ ‬وضواحيها‭.‬

ويرى‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي،‭ ‬أنَّ‭ ‬المجلس‭ ‬يعيش‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الجمود‭ ‬الهيكلي‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬المتابعة‭ ‬الميدانية‭ ‬وتراجع‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية،‭ ‬الأمر‭ ‬الَّذِي‭ ‬انعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬والمشاريع‭.‬

سياسيًّا،‭ ‬لم‭ ‬يخلُ‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬توترات‭ ‬علنية‭ ‬بين‭ ‬الحميدي‭ ‬وبعض‭ ‬خصومِه،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬البرلماني‭ ‬محمد‭ ‬الحمامي،‭ ‬الَّذِي‭ ‬تبادل‭ ‬معه‭ ‬الاتِّهامات‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭. ‬الحميدي‭ ‬اتَّهم‭ ‬غريمه‭ ‬باستغلال‭ ‬بعض‭ ‬الجمعيات‭ ‬في‭ ‬‮«‬الابتزاز‭ ‬واستدرار‭ ‬الدعم‭ ‬العمومي‮»‬،‭ ‬فيما‭ ‬ردَّ‭ ‬الحمامي‭ ‬متهمًا‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬العمالة‭ ‬بـ«افتعال‭ ‬المعارك‭ ‬السياسية‭ ‬لتغطية‭ ‬فشله‭ ‬في‭ ‬التسيير‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الكلامية،‭ ‬الَّتِي‭ ‬امتدَّت‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمنابر‭ ‬الإعلامية،‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬صراع‭ ‬الزعامة‭ ‬بات‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭.‬

ويرى‭ ‬متتبعون‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬يعكس‭ ‬‮«‬اختلالا‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الدور‭ ‬الحقيقي‭ ‬لمجالس‭ ‬العمالات‮»‬،‭ ‬الَّتِي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تُشكّل‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬والجهة‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬للمشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬ومواكبة‭ ‬التنمية‭ ‬المندمجة‭.‬

لكن‭ ‬واقع‭ ‬الحال،‭ ‬وفق‭ ‬المصادر‭ ‬ذاتها،‭ ‬يُظهر‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬طنجة‭ ‬أصيلة‭ ‬غرق‭ ‬في‭ ‬المظاهر‭ ‬الاحتفالية‭ ‬بدل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الأوراش‭ ‬الجوهرية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تهم‭ ‬العالم‭ ‬القروي،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والبنيات‭ ‬التحتية‭ ‬الأساسية‭.‬

ويجمع‭ ‬الفاعلون‭ ‬المحليون،‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬تتطلَّب‭ ‬وقفة‭ ‬تقييم‭ ‬ومحاسبة‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬الولاية،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬الملفات‭ ‬القضائية‭ ‬ضد‭ ‬المجلس،‭ ‬وضعف‭ ‬الأثر‭ ‬الميداني‭ ‬لبرامجه،‭ ‬واستمرار‭ ‬التجاذبات‭ ‬السياسية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تعطل‭ ‬العمل‭ ‬المؤسساتي‭.‬

فبين‭ ‬أحكام‭ ‬قضائية‭ ‬ثقيلة،‭ ‬ومشاريع‭ ‬متوقّفة،‭ ‬وتآكل‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المنتخبين‭ ‬والمواطنين،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬الحميدي‭ ‬بات‭ ‬يعيش‭ ‬مرحلة‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقية،‭ ‬قد‭ ‬تُحدّد‭ ‬مستقبله‭ ‬السياسي،‭ ‬ومصير‭ ‬التنمية‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬عمالة‭ ‬طنجة‭ ‬أصيلة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

Exit mobile version