آخر الأخبار

مبادرة برلمانية في إسبانيا لتدريس الفترة الاستعمارية بالمغرب.. جرح الشمال والريف الذي تتهرب منه مدريد

الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬سيتعرف‭ ‬على‭ ‬مآسي‭ ‬فترة‭ ‬الحماية‭ ‬التي‭ ‬تطارد‭ ‬اليـمـيــن‭ ‬المتــطـرف‭ ‬الإســبــاني‭ ‬المـعـــادي‭ ‬للمـــغـــاربــة

لم‭ ‬يعد‭ ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬ماضي‭ ‬إسبانيا‭ ‬الاستعماري‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬شأنًا‭ ‬أكاديميًّا‭ ‬أو‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬صرفًا،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّل‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬محور‭ ‬صراعٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬داخل‭ ‬مدريد،‭ ‬خاصّةً‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬تيارات‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرّف،‭ ‬ممثلة‭ ‬أساسًا‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬فوكس‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تبنّى‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬خطابها‭ ‬على‭ ‬مهاجمة‭ ‬المهاجرين‭ ‬المغاربة،‭ ‬وإبداء‭ ‬التخوُّف‭ ‬من‭ ‬‮«‬الخطر‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الجنوب‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬جعل‭ ‬الماضي‭ ‬يعود‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كذاكرة‭ ‬دامغة‭ ‬لدى‭ ‬المغاربة،‭ ‬بل‭ ‬كعبءٍ‭ ‬تاريخيٍّ‭ ‬يلاحق‭ ‬التصوُّرات‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬قوى‭ ‬اليمين‭ ‬إنكارها‭ ‬أو‭ ‬تلميعها‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أعاد‭ ‬تحالف‭ ‬‮«‬سومار‮»‬‭ ‬الإسباني،‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬الائتلاف‭ ‬الحكومي‭ ‬مع‭ ‬الحزب‭ ‬الاشتراكي‭ ‬العمالي،‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بيدرو‭ ‬سانشيز،‭ ‬إشعال‭ ‬الجدل‭ ‬من‭ ‬جديد؛‭ ‬عبر‭ ‬مبادرة‭ ‬برلمانية‭ ‬تطالب‭ ‬بتدريس‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإسباني‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬خصوصًا‭ ‬حرب‭ ‬الريف،‭ ‬داخل‭ ‬المناهج‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البكالوريا،‭ ‬المبادرة،‭ ‬التي‭ ‬تقدّمت‭ ‬بها‭ ‬النائبتان‭ ‬آينا‭ ‬فيدال‭ ‬وفيفيان‭ ‬أوغو،‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬إدراج‭ ‬هذا‭ ‬الماضي‭ ‬ضمن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لإسبانيا،‭ ‬باعتباره‭ ‬حدثًا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القفز‭ ‬عليه‭ ‬أو‭ ‬تجاهل‭ ‬تبعاته‭ ‬السياسيَّة‭ ‬والإنسانيَّة‭.‬

شبح‭ ‬الماضي‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬جديد

وتُحاجج‭ ‬مبادرة‭ ‬ائتلاف‭ ‬‮«‬سومار‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإسباني‭ ‬لشمال‭ ‬المغرب‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1912‭ ‬و1956،‭ ‬وما‭ ‬تخلّله‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬دامية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬حرب‭ ‬الريف،‭ ‬ليس‭ ‬موضوعًا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬عاديًّا،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬حدث‭ ‬بنَت‭ ‬عليه‭ ‬إسبانيا‭ ‬الحديثة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هويتها‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬دورٌ‭ ‬حاسمٌ‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬شخصيات‭ ‬مثل‭ ‬فرانسيسكو‭ ‬فرانكو‭ ‬وإميليو‭ ‬مولا،‭ ‬مهندسي‭ ‬الانقلاب‭ ‬العسكري‭ ‬لسنة‭ ‬1936،‭ ‬الذي‭ ‬فجَّر‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬الإسبانية‭.‬

وبالتالي،‭ ‬فإنَّ‭ ‬تجاهل‭ ‬هذا‭ ‬الماضي‭ ‬لا‭ ‬يُلغي‭ ‬وجوده،‭ ‬بل‭ ‬يجعل‭ ‬الخطاب‭ ‬العنصري‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬مغربي‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬إنكار‭ ‬تاريخي‭ ‬بدل‭ ‬مواجهة‭ ‬الحقيقة،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬إسبانيا‭ ‬التي‭ ‬تنتقد‭ ‬اليوم‭ ‬تدفّق‭ ‬المهاجرين‭ ‬ليست‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬قوة‭ ‬استعمارية‭ ‬نهبت‭ ‬ثروات‭ ‬شمال‭ ‬المغرب،‭ ‬وتحكمه‭ ‬بالحديد‭ ‬والنار‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬وأراضٍ‭ ‬كاملة،‭ ‬وشاركت‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬قمع‭ ‬وتقتيل‭ ‬وتمشيط‭ ‬عسكري،‭ ‬وأصدرت‭ ‬قوانين‭ ‬وسياسات‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭.‬

هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬التاريخية،‭ ‬بحسب‭ ‬‮«‬سومار‮»‬‭ ‬اليساري،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬الإسباني،‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬لليمين‭ ‬المتطرّف‭ ‬نشر‭ ‬خطاب‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬المغاربة‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬‮«‬عبء‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬غزو‭ ‬جديد‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬الواقع‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬علاقة‭ ‬ذات‭ ‬جذور‭ ‬عميقة‭ ‬ومعقّدة،‭ ‬وهو‭ ‬خطاب‭ ‬يبدو‭ ‬موجهًا‭ ‬تحديدًا‭ ‬لحزب‭ ‬‮«‬فوكس‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يبني‭ ‬سرديته‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬العداء‭ ‬للمغرب،‭ ‬وينطلق‭ ‬من‭ ‬النفخ‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬المهاجرين‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجيته‭ ‬الدعائية‭ ‬السابقة‭ ‬لأوانها‭ ‬تحسبا‭ ‬لانتخابات‭ ‬2027‭.‬

الاستـعمار‭ ‬الإسـباني‭..‬‭ ‬فصـل‭ ‬غائب‭ ‬مـن‭ ‬الذاكــرة‭ ‬الرســمـيـــة

وتشير‭ ‬المبادرة‭ ‬البرلمانية‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬دولًا‭ ‬مثل‭ ‬بلجيكا‭ ‬وهولندا‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬مراجعة‭ ‬ماضيها‭ ‬الاستعماري،‭ ‬وقدَّمت‭ ‬اعتذارات‭ ‬وأطلقت‭ ‬برامجَ‭ ‬تعليميَّة‭ ‬تعترف‭ ‬بانتهاكات‭ ‬الماضي،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬إسبانيا‭ ‬بخطوة‭ ‬مماثلة‭ ‬رغم‭ ‬امتلاكها‭ ‬سجلًا‭ ‬استعماريًّا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬وغرب‭ ‬إفريقيا‭.‬

فبعد‭ ‬خسارتها‭ ‬مستعمرات‭ ‬كوبا‭ ‬وبورتوريكو‭ ‬والفلبين‭ ‬سنة‭ ‬1898،‭ ‬وجدت‭ ‬إسبانيا‭ ‬نفسها‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬هيبتها‭ ‬الدولية‭. ‬وكانت‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬المنطقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬للقوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الأوروبية‭ ‬حينها‭ ‬بمنح‭ ‬مدريد‭ ‬‮«‬موطئ‭ ‬قدم‮»‬‭ ‬جديد،‭ ‬بموجب‭ ‬اتِّفاق‭ ‬سنة‭ ‬1912‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬وبموافقة‭ ‬السلطان‭ ‬المغربي،‭ ‬تولت‭ ‬إسبانيا‭ ‬إدارة‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ«المنطقة‭ ‬الخليفية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الريف‭ ‬وجبالة‭ ‬والساحل‭ ‬المتوسطي،‭ ‬لكنَّ‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭ ‬لم‭ ‬يقبلوا‭ ‬بالأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬وكانت‭ ‬ثورة‭ ‬الريف‭ ‬بقيادة‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الخطابي‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أعنف‭ ‬المواجهات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭.‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬حرب‭ ‬الريف‭ ‬بين‭ ‬1921‭ ‬و1926‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الصفحات‭ ‬سوادًا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العسكري‭ ‬الإسباني،‭ ‬تقدّر‭ ‬المبادرة‭ ‬البرلمانية‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬25‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ ‬إسباني‭ ‬لقوا‭ ‬مصرعهم‭ ‬فيها،‭ ‬معظمهم‭ ‬من‭ ‬الطبقات‭ ‬العاملة‭ ‬الذين‭ ‬جرى‭ ‬تجنيدهم‭ ‬قسرًا‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬عانى‭ ‬الريفيون‭ ‬من‭ ‬دمارٍ‭ ‬واسعٍ‭ ‬شمل‭ ‬قصفًا‭ ‬جويًّا‭ ‬مستمرًّا،‭ ‬وهجمات‭ ‬عشوائية‭ ‬على‭ ‬القرى،‭ ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬استخدام‭ ‬غازات‭ ‬سامة‭ ‬محظورة‭ ‬دوليًّا،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬غاز‭ ‬الخردل‭.‬

هذا‭ ‬الاستخدام،‭ ‬الذي‭ ‬وثَّقته‭ ‬دراسات‭ ‬حديثة‭ ‬واعترافات‭ ‬عسكرية‭ ‬متفرقة،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬ملفًا‭ ‬حساسًا‭ ‬يتفادى‭ ‬السياسيون‭ ‬الإسبان‭ ‬الخوض‭ ‬فيه،‭ ‬خاصة‭ ‬التيارات‭ ‬اليمينية‭ ‬التي‭ ‬تخشى‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مطالبات‭ ‬بالتعويض‭ ‬أو‭ ‬الاعتذار‭ ‬الرسمي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنَّها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬ترسم‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬بشكل‭ ‬‮«‬متوحش‮»‬‭ ‬وتركز‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سرديتها‭ ‬التي‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬‮«‬أطماع‭ ‬المغرب‮»‬‭ ‬في‭ ‬سبتة‭ ‬ومليلية‭ ‬والصخور‭ ‬المحتلة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭.‬

وتؤكد‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬سومار‮»‬‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ ‬مختبرًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬العسكريين‭ ‬الذين‭ ‬سيقودون‭ ‬لاحقًا‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬فالجنرال‭ ‬فرانسيسكو‭ ‬فرانكو،‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬إسبانيا‭ ‬لمددة‭ ‬قاربت‭ ‬40‭ ‬عامًا،‭ ‬مثلا،‭ ‬بنى‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬سمعته‭ ‬وشهرته‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الريف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الترابط‭ ‬غير‭ ‬القابل‭ ‬للانفصال‭ ‬بين‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإسباني‭ ‬وتجربة‭ ‬الانقلاب‭ ‬العسكري‭ ‬داخل‭ ‬التراب‭ ‬الإسباني‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬دكتاتورية‭ ‬مطلقة‭.‬

اليمــين‭ ‬المتــطرف‭..‬‭ ‬استــمرار‭ ‬للخـطاب‭ ‬الاســتعماري

المبادرة‭ ‬البرلمانية‭ ‬تشير‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تجاهل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تفشي‭ ‬خطابات‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تبرئة‭ ‬الماضي‭ ‬وشيطنة‭ ‬الحاضر،‭ ‬عندما‭ ‬يهاجم‭ ‬اليمين‭ ‬فئات‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬فإنه‭ ‬يتحدث‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنَّ‭ ‬إسبانيا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يومًا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تاريخهم‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬تتدخّل‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬وسياساتهم‭ ‬واقتصادهم‭ ‬طوال‭ ‬عقود‭.‬

ويرفض‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬المتنامي‭ ‬في‭ ‬إسبانيا،‭ ‬الاعتراف‭ ‬بحرب‭ ‬الريف‭ ‬وبجرائم‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسباني‭ ‬عمومًا،‭ ‬ويركّز‭ ‬بالمقابل‭ ‬على‭ ‬‮«‬بطولات‭ ‬عسكرية‮»‬‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬إنزال‭ ‬الحسيمة‮»‬‭ ‬سنة‭ ‬1925،‭ ‬الذي‭ ‬تعدُّه‭ ‬المبادرة‭ ‬البرلمانية‭ ‬مجرَّد‭ ‬فصل‭ ‬من‭ ‬فصول‭ ‬حملة‭ ‬دموية‭ ‬جرى‭ ‬تسويقها‭ ‬لاحقا‭ ‬كإنجاز‭ ‬عسكري‭.‬

وقد‭ ‬ظهر‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬بوضوح‭ ‬عندما‭ ‬صوّت‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬فوكس‮»‬‭ ‬لصالح‭ ‬مبادرة‭ ‬للاحتفال‭ ‬بالذكرى‭ ‬المئوية‭ ‬لإنزال‭ ‬الحسيمة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يرفضون‭ ‬فيه‭ ‬أي‭ ‬مبادرة‭ ‬للاعتراف‭ ‬بضحايا‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬تدريس‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أنَّ‭ ‬الحزب‭ ‬الشعبي‭ ‬صاحب‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المقاعد‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬الإسباني،‭ ‬الذي‭ ‬يتزعم‭ ‬المعارضة‭ ‬حاليًا،‭ ‬لصالحها‭ ‬أيضا،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬تآكل‭ ‬شعبيته‭ ‬لصالح‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬لأقصى‭ ‬اليمين‭.‬

لكنَّ‭ ‬المبادرة‭ ‬البرلمانية‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬أقصى‭ ‬اليسار‭ ‬الإسباني،‭ ‬تُؤكّد‭ ‬أنَّ‭ ‬مدريد‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬صعود‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬الديكتاتورية‭ ‬الفرانكوية‭ ‬في‭ ‬السبعينيَّات،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إقبار‭ ‬إرثها‭ ‬الاستعماري‭ ‬أو‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬تبعاته‭ ‬التاريخية،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الماضي‭ ‬ليس‭ ‬ملكًا‭ ‬لإسبانيا‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬إنَّه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬جماعية‭ ‬تشترك‭ ‬فيها‭ ‬شعوب‭ ‬عديدة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬سكان‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬الذين‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬آثار‭ ‬الحرب‭ ‬والاستعمار‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬مناطقهم‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬واجتماعيًّا‭.‬

فالريف‭ ‬تحديدًا‭ ‬ظلّ‭ ‬يعاني‭ ‬التهميش‭ ‬التنموي‭ ‬طوال‭ ‬عقود،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الاستعمار‭ ‬أو‭ ‬بعدها،‭ ‬وهو‭ ‬تهميش‭ ‬ترك‭ ‬وراءه‭ ‬إحساسًا‭ ‬لدى‭ ‬السكان‭ ‬بأن‭ ‬المعاناة‭ ‬تمتد‭ ‬عبر‭ ‬الزمن،‭ ‬هذا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬التبعات‭ ‬الصحية‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬خلفها‭ ‬القصف‭ ‬العنيف‭ ‬بواسطة‭ ‬السلاح‭ ‬الكيماوي،‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬إقليم‭ ‬الحسيمة‭ ‬الأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لأمراض‭ ‬فتاكة‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬السرطان‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬إسبانيا‭ ‬والمغرب‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬منفصلةً‭ ‬عن‭ ‬الماضي،‭ ‬فالهجرة،‭ ‬والتعاون‭ ‬الأمني،‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والمطالبات‭ ‬الترابية،‭ ‬كلها‭ ‬ملفات‭ ‬ذات‭ ‬جذور‭ ‬تاريخية‭ ‬متشابكة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحيلنا‭ ‬على‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإسباني‭ ‬للصحراء،‭ ‬الذي‭ ‬خلَّف‭ ‬صراعًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬مستمرًّا‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬50‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬مغادرة‭ ‬جنودها‭ ‬للمنطقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬جزئيًّا‭ ‬اضطرار‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بيدرو‭ ‬سانشيز‭ ‬إلى‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬تحت‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭ ‬كحل‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬وجدية‭ ‬ومصداقية،‭ ‬لإصلاح‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬الرباط‭ ‬سنة‭ ‬2022‭.‬

ويُمثّل‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالاستعمار‭ ‬تهديدًا‭ ‬لليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬في‭ ‬إسبانيا،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬هكذا‭ ‬يشعر‭ ‬المنتمون‭ ‬لهذا‭ ‬التيار‭ ‬الشعبوي،‭ ‬لأنَّه‭ ‬يفكك‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬خطاباته،‭ ‬التي‭ ‬تنبني‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬إنكار‭ ‬الماضي‭ ‬فيحول‭ ‬العنصرية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬موقف‭ ‬طبيعي‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬امتدادًا‭ ‬للاستعلاء‭ ‬الاستعماري‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالجرائم‭ ‬الاستعمارية‭ ‬يعني‭ ‬تحميل‭ ‬الدولة‭ ‬الإسبانية‭ ‬مسؤولية‭ ‬أخلاقية‭ ‬وتاريخية‭.‬

ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التدريس‭ ‬النقدي‭ ‬للتاريخ‭ ‬يمنع‭ ‬ترويج‭ ‬روايات‭ ‬‮«‬تمجيد‭ ‬الاحتلال‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬اليمين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أراد‭ ‬‮«‬فوكس‮»‬‭ ‬التخلُّص‭ ‬منه‭ ‬مسبقًا؛‭ ‬عبر‭ ‬الضغط‭ ‬لوقف‭ ‬تدريس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬والثقافة‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأقاليم،‭ ‬رغم‭ ‬أنَّها‭ ‬مادة‭ ‬اختيارية،‭ ‬واضطر‭ ‬الحزب‭ ‬الشعبي‭ ‬لمجاراته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تفادي‭ ‬‮«‬هدر‭ ‬النقاط‭ ‬الانتخابية‮»‬،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالإرث‭ ‬الاستعماري‭ ‬الثقيل‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مصالحة‭ ‬تاريخية‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬اليمين‭ ‬تهديدا‭ ‬لخطاب‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬المغلقة،‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬عدو‭ ‬وجودي‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لا‭ ‬تهدف‭ ‬مبادرة‭ ‬ائتلاف‭ ‬‮«‬سومار‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تربطه‭ ‬علاقات‭ ‬ودّ‭ ‬مع‭ ‬المغرب‭ ‬بخصوص‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬بحكم‭ ‬قربه‭ ‬من‭ ‬جبهة‭ ‬‮«‬البوليساريو‮»‬‭ ‬الانفصالية،‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬جراح‭ ‬الماضي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬ذاكرة‭ ‬مشتركة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬فالاعتراف‭ ‬بالتاريخ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬العداء،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬النضج‭ ‬السياسي،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬الحاضر‭ ‬بعمق‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬ثقافية‭ ‬مغربية‭ ‬والاهتمام‭ ‬بتاريخ‭ ‬منطقة‭ ‬الشمال‭ ‬والريف،‭ ‬كما‭ ‬تقترح‭ ‬المبادرة،‭ ‬قد‭ ‬يفتحان‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬احترامًا‭ ‬للتاريخ‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التوترات‭ ‬التي‭ ‬تستغلها‭ ‬التيارات‭ ‬الشعبوية،‭ ‬وفي‭ ‬طيات‭ ‬ذلك‭ ‬يحضر‭ ‬الهاجس‭ ‬الانتخابي‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬صامت،‭ ‬فذوو‭ ‬الأصول‭ ‬المهاجرة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬المغرب،‭ ‬يمثل‭ ‬خزانًا‭ ‬انتخابيًّا‭ ‬مُهمًّا‭ ‬بمقدوره‭ ‬ترجيح‭ ‬جميع‭ ‬اليسار‭ ‬الإسباني‭ -‬في‭ ‬حال‭ ‬ما‭ ‬اختلت‭ ‬نتيجة‭ ‬توجه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الناخبين‭ ‬نحو‭ ‬المرشحين‭ ‬اليمينيين‭.‬

الألــــم‭ ‬الـــذي‭ ‬لـــم‭ ‬ينــسَه‭ ‬شــــمــــال‭ ‬المــغـــــرب

في‭ ‬شمال‭ ‬المغرب،‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬تطوان‭ ‬والعرائش‭ ‬وشفشاون‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬الريف،‭ ‬تركت‭ ‬الحماية‭ ‬الإسبانية‭ ‬إرثًا‭ ‬ثقيلًا‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬آثاره‭ ‬العميقة‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬وفي‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للمنطقة،‭ ‬فعلى‭ ‬امتداد‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬1912‭ ‬و1956،‭ ‬اعتمدت‭ ‬الإدارة‭ ‬الإسبانية‭ ‬نموذجًا‭ ‬استعماريًا‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬الاستغلال‭ ‬العسكري‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬مع‭ ‬إهمال‭ ‬واضح‭ ‬للتنمية‭ ‬الحقيقية‭ ‬وحرمان‭ ‬للسكان‭ ‬من‭ ‬أبسط‭ ‬شروط‭ ‬الارتقاء،‭ ‬مما‭ ‬حوّل‭ ‬الشمال‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬المغرب‭ ‬هشاشة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬أنها‭ ‬انفردت‭ ‬بإدارة‭ ‬منطقة‭ ‬طنجة‭ ‬الدولية‭ ‬لـ5‭ ‬سنوات‭ ‬كاملة‭ ‬إبان‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1940‭ ‬و1945‭.‬

وقد‭ ‬نشأت‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬منذ‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬للحماية،‭ ‬حين‭ ‬اعتُمدت‭ ‬تطوان‭ ‬عاصمة‭ ‬إدارية‭ ‬للمنطقة،‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬سلطة‭ ‬عسكري‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬فضاءً‭ ‬مدنيًا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أُخضعت‭ ‬باقي‭ ‬المدن‭ ‬لترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬شديدة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬عسكرة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وكانت‭ ‬تطوان‭ ‬والعرائش‭ ‬وشفشاون،‭ ‬وبوادي‭ ‬‮«‬جبالة‮»‬‭ ‬أولى‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تحملت‭ ‬كلفة‭ ‬مباشرة‭ ‬لسياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬هدفها‭ ‬خدمة‭ ‬السوق‭ ‬الإسبانية‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬آخر،‭ ‬فقد‭ ‬فُرضت‭ ‬أنظمة‭ ‬جمركية‭ ‬مجحفة،‭ ‬وأُجبرت‭ ‬الموانئ‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬أنشطتها‭ ‬لإمداد‭ ‬السوق‭ ‬الاستعمارية‭ ‬بالمنتجات‭ ‬الزراعية‭ ‬والصيد‭ ‬البحري‭ ‬والمواد‭ ‬الأولية‭.‬

هذا‭ ‬النموذج‭ ‬التجاري‭ ‬غير‭ ‬المتوازن‭ ‬أدَّى‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الحرف‭ ‬والصناعات‭ ‬المحلية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬تطوان‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬الحماية‭ ‬مركزًا‭ ‬تجاريًا‭ ‬مزدهرًا،‭ ‬وفي‭ ‬العرائش‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬تدريجيًا‭ ‬دورها‭ ‬التاريخي‭ ‬كميناء‭ ‬حيوي‭ ‬للمنطقة،‭ ‬ومع‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬استثمار‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬دخلت‭ ‬القرى‭ ‬المحيطة‭ ‬بهذه‭ ‬المدن‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬فقر‭ ‬مزمن،‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬واستمر‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬اختارت‭ ‬الإدارة‭ ‬الإسبانية‭ ‬أن‭ ‬تُبقي‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬حدوده‭ ‬الدنيا،‭ ‬فكان‭ ‬التجهيل‭ ‬سياسة‭ ‬ممنهجة،‭ ‬لم‭ ‬تُبنَ‭ ‬مدارس‭ ‬كافية،‭ ‬ولم‭ ‬يوضع‭ ‬نظام‭ ‬تربوي‭ ‬يتيح‭ ‬للسكان‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬الحديث،‭ ‬بخلاف‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬مناطق‭ ‬المغرب،‭ ‬هذا‭ ‬الإهمال‭ ‬دفع‭ ‬الشمال‭ ‬ثمنه‭ ‬غاليا،‭ ‬إذ‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬بنسبة‭ ‬أمية‭ ‬مرتفعة‭ ‬وهيكلة‭ ‬اجتماعية‭ ‬هشة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬العقود‭ ‬اللاحقة‭ ‬للاستقلال‭ ‬فترة‭ ‬صعبة‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬بشري‭ ‬كان‭ ‬مفقودًا‭ ‬عمليًا‭.‬

أمّا‭ ‬في‭ ‬الريف،‭ ‬فقد‭ ‬وصلت‭ ‬آثار‭ ‬الاستعمار‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬بين‭ ‬1921‭ ‬و1926،‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬مواجهات‭ ‬دامية‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬الإسبانية‭ ‬والمقاومة‭ ‬الريفية‭ ‬بقيادة‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الخطابي،‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬خَلَّفت‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬بين‭ ‬المدنيين‭ ‬والعسكريين،‭ ‬ودمّرت‭ ‬القرى‭ ‬والمزارع،‭ ‬وتسببت‭ ‬في‭ ‬نزوح‭ ‬واسع‭ ‬للسكان‭.‬

الأسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أنَّ‭ ‬الجيش‭ ‬الإسباني‭ ‬لجأ‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬الغازات‭ ‬السامة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬غاز‭ ‬الخردل،‭ ‬في‭ ‬قصف‭ ‬المناطق‭ ‬المأهولة،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أشد‭ ‬الانتهاكات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬الكيميائية‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬تأثيرات‭ ‬صحية‭ ‬واجتماعية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬سكان‭ ‬الريف‭ ‬يشيرون‭ ‬إليها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬المؤلمة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُعالج‭ ‬رسميا،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬مطالب‭ ‬الاعتراف‭ ‬والاعتذار‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬لتلك‭ ‬المجازر‭ ‬تلاحق‭ ‬الحكومات‭ ‬الإسبانية‭.‬

وفي‭ ‬شفشاون،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مدينة‭ ‬صغيرة‭ ‬محاصرة‭ ‬جغرافيا،‭ ‬أدَّى‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الإسباني‭ ‬إلى‭ ‬عزلة‭ ‬شبه‭ ‬تامة‭ ‬عن‭ ‬محيطها‭ ‬المغربي،‭ ‬فيما‭ ‬ظلت‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬ضعيفة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬محدودة،‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬المشاريع‭ ‬المنجزة‭ ‬سوى‭ ‬بعض‭ ‬المنشآت‭ ‬الإدارية‭ ‬ومقار‭ ‬الجيش،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬الطرق‭ ‬والمرافق‭ ‬الأساسية‭ ‬متأخرة؛‭ ‬مُقارنةً‭ ‬بباقي‭ ‬مناطق‭ ‬المغرب‭. ‬وتكررت‭ ‬الوضعية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬العرائش‭ ‬التي‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬عسكرية‭ ‬بحرية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬مدينة‭ ‬مدنية،‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المدنية‭ ‬وحرمان‭ ‬السكان‭ ‬من‭ ‬الخِدْمات‭ ‬الصحية‭ ‬والتعليمية‭ ‬الملائمة‭.‬

عقب‭ ‬الاستقلال،‭ ‬وأمام‭ ‬خروج‭ ‬الإدارة‭ ‬الإسبانية‭ ‬بسرعة‭ ‬ودون‭ ‬انتقال‭ ‬منظم‭ ‬للسلطة‭ ‬أو‭ ‬للمرافق،‭ ‬وجدت‭ ‬مدن‭ ‬الشمال‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬فراغ‭ ‬اقتصادي‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬ضعيفة،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬الجهاز‭ ‬الإداري‭ ‬والعسكري‭ ‬الإسباني،‭ ‬ومع‭ ‬رحيله‭ ‬انهار‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬تطوان‭ ‬والعرائش،‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬فاقم‭ ‬الهجرة‭ ‬الداخلية‭ ‬نحو‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬وطنجة،‭ ‬ثم‭ ‬لاحقا‭ ‬الهجرة‭ ‬الخارجية‭ ‬نحو‭ ‬إسبانيا‭ ‬نفسها،‭ ‬في‭ ‬مفارقة‭ ‬تاريخية‭ ‬لافتة‭.‬

لقد‭ ‬تركت‭ ‬الحماية‭ ‬الإسبانية‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬هشّ،‭ ‬مثقلا‭ ‬بالفقر‭ ‬وضعف‭ ‬التعليم‭ ‬والهشاشة‭ ‬الصحية‭ ‬وندرة‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬الكيميائية‭ ‬في‭ ‬الريف‭ ‬وتهميش‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬تطوان‭ ‬والعرائش،‭ ‬وعسكرة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬شفشاون،‭ ‬تشكّل‭ ‬إرث‭ ‬سلبي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭ ‬بسهولة،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬آثار‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬التفاوتات‭ ‬الجهوية‭ ‬وفي‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬تستحضر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬والتدمير‭ ‬والإهمال،‭ ‬لتظل‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬استعمارية‭ ‬تركت‭ ‬جروحا‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭.‬

Exit mobile version