القانون والناس

ماهية استئناف الأحكام قانونًا وواقعًا

وحيث إنّه لا يصحُّ التقاضي إلا ممَّن له الصفةَ، والأهليةَ، والمصلحةَ، لإثبات حقوقِه، يثير القاضي تلقائيًّا انعدام الصفة أو الأهلية أو المصلحة أو الإذن بالتقاضي، إن كان ضروريًّا وينذر الطرف بتصحيح المسطرة داخل أجل يحدده. 

إذا تمّ تصحيح المسطرة اعتبرت الدعوى، كأنّها أقيمت بصفة صحيحة، وإلا صرَّح القاضي بعدم قبول الدعوى، لكن الأحكام والقرارات الابتدائيّة، هي إحكام ليست قطعيةً، ويمكّن التعرّض عليها إن كانت غيابيةً واستئنافها أمن كانت حضورية وإصلاحها إن كان يشملها خطأ ما، حيث إنّه كيفما كان الحكم فيمكن لأيّ متضرّر منه، أن يجد مخرجًا لإعادة النظر فيه والحكم من جديد لصالح العدالة والحق: عن طريق التعرض، الَّذِي يعد طريقًا عاديًا يرفعه المحكوم عليه غيابيًا إلى نفس المحكمة الَّتِي أصدرت الحكم الغيابي لا إلى محكمة أعلى، وذلك بقصد إرجاع القضية أمام نفس القاضي، الَّذِي سبق له أنَّ بت فيها لإعادة النظر في الحكم الأوّل الصادر في حقّه بصورة غيابية.

والحكم الغيابي هو الَّذِي يصدر على المدعى عليه، الَّذِي لم يحضر رغم استدعائه، طبقًا للفصول (37 و38 و39)، من قانون المسطرة المدنية، على أنَّ المشرّعَ استثنى في الفقرة الرابعة من الفصل (47) من نفس القانون المدعى عليه، الَّذِي توصّل بالاستدعاء بنفسه، وكان الحكم قابلًا للاستئناف، ففي هَذِهِ الحالة يكون الحكم بمنزلة حضوري اتجاه الأطراف المتخلفة.

وينبغي التمييز في الحكم الغيابي بين الَّذِي انبنى على عدم حضور المدعى عليه أمام المحكمة، وبين عدم تقديمه مذكرات دفاعه للمحكمة، فبالنسبة للحالة الأولى يتحقّق الغياب بتخلف المدعى عليه شخصيًّا؛ لأنَّ المسطرة شفوية، أما بالنسبة للثانية فلا يتحقّق الحضور أو الغياب بحضور الشخص أو بغيابه، وإنَّما تقديم المذكرات الَّتِي تُعبّر عن حضوره وهَذَا بالنسبة للمسطرة الكتابية.

والعبرة في اعتبار الحكم غيابيًا قابلًا للطعن بالتصرّف ليس للوصف، الَّذِي تعطيه له المحكمة الَّتِي أصدرت الحكم، بل لقواعد المسطرة، الَّتِي تُحدّد متى يصدر الحكم غيابيًّا، ومتى يكون حضوريا، وهَذَا ما أكَّده المجلس الأعلى، إذ جاء في إحدى حيثياته قرارٌ صادرٌ عنه ما يلي: «لكن حيث إن الطبيعة الغيابية والحضورية للحكم لا تتوقف على وصف المحكمة له ولكن على طبيعة الحكم نفسه، فإذا أخطأ القاضي في وصفه للحكم فإنَّ ذلك لا يترتب عنه بطلان الحكم المذكور، ولكن يفتح المجال أمام المعني بالأمر للطعن فيه حسب وصفه الحقيقي».

ويتميز التعرض عن تعرض غير الخارج من الخصومة، في كون هَذَا الأخير لا يمكن استعماله إلا من طرف الشخص المتضرر بسبب حكم لم يستدع إليه، بينما لا يفتح التعرض، إلا في وجه الطرف الَّذِي استدعي وتخلف من الحضور.

كما يتميّز التعرض عن الاستئناف في الوجوه التالية:

  • التعرّض جائز مهما كانت قيمة النزاع ما لم ينصّ القانون على خلاف ذلك، أمَّا الاستئناف فلا يكون إلا إذا كان المدعى به في الدعوى الأصلية يتجاوز نصاب معين.
  • التعرض يرفع أمام المحكمة نفسها الَّتِي أصدرت الحكم، أمَّا الاستئناف فيرفع إلى محكمة أعلى في دائرة المحكمة، الَّتِي أصدرت الحكم لتصحيح ما في الحكم من خطأ.
  • التعرض ليس من شأنه أن يُحدث تغييرًا في مركز الخصوم، فمن كان منهم مدعيا يبقى كذلك، وما كان مدعى عليه ظلّ في مركزه. أما في الاستئناف فالأمر قد يكون عكس ذلك. إذا كان الاستئناف مرفوعًا ممن كان مدعى عليه في أول درجة، إذ يصبح بمنزلة مدعٍ (مستأنف) في الاستئناف.

 فإن كان الهدف الأسمى من جُلّ التشريعات والقوانين، هو تهيئ العدالة والإنصاف وضمان احترام المتقاضين لمؤسّسة القضاء، فإنَّ الأساس أحدث طرق الطعن هي الدفاع عن حقوق الأفراد أمام القضاء، إذ بموجبها يمكنهم المطالبة بمراجعة الأحكام الصادرة عن محاكم دنيا أمام محاكم أعلى منها درجة أو بمراجعة المحاكم للأحكام الَّتِي سبق أن أصدرتها ضدهم، حيث إنَّ فكرة الطعن في الأحكام تقوم على اعتبارات موضوعية عملية، فالاعتبارات الموضوعية ترتكز على احتمال خطأ القاضي في فهم أو تطبيق القانون. ولذلك لا بُدَّ من إيجاد وسائل لإصلاح أخطاء القضاء. كما أنَّ هناك اعتباراتٍ نفسيَّةً تتوجّه إلى معالجة سلوك المحكوم عليه الَّذِي لا يقبل الحكم الصادر ضده، إذ من النادر أن يرضخ المحكوم عليه ويرضى بالحكم.

أمَّا الاعتبارات الفلسفية، فأساسها أنَّ فتح المجال للطعن في الأحكام بالمراجعة والتعديل يمكن أن يحقق أكبر قدر من العدالة النسبية لا المطلقة.

هَذِهِ الاعتبارات مجتمعة، هي الَّتِي تتحكم في سياسة المُشرّعُ القضائية عند تنظيمه للطرق وإجراءات الطعن في الأحكام، فتضيق أو تتسع هَذِهِ الطرق، وتيسر أو تشدد إجراءاتها، حسب مدى اقتناع المُشرّع بهَذِهِ الاعتبارات والمبادئ، الَّتِي تقوم عليها فكرة الطعن في الأحكام. ذلك أنه من المبادئ المقررة في فقه المسطرة أنَّ إبطال الأحكام أو إلغاءها لا يكون عن طريق إقامة دعاوي الإبطال المُقرّرة بالنسبة للعقود، وإنَّما لا بُدَّ من إبطال حكم أو إلغائه من سلوك طريق من طرق الطعن المحددة الَّتِي قنَّن المُشرّع قواعدَها وآجالَها وإجراءاتِها، بحيث إذا استنفذت هَذِهِ الطرق، أو انقضت مواعيدها، أو لم تحترم إجراءاتها، أصبحت الأحكام بمنأى من كل إلغاء أو تعديل وأصبح المساس بها مستحيلًا.

Exit mobile version