ثقافة
كــأس إفــريقـــيــا.. السنغاليون يفرضون نموذج الاحتفال المنظم وحضورًا قويًا في الفضاء العام

منذ الأيام الأولى لانطلاق كأس إفريقيا للأمم، برز الحضور السنغالي في الفضاء العام بشكل لافت، ليس فقط من خلال الأعلام والأهازيج، بل عبر نموذج احتفالي منظم أعاد طرح أسئلة عميقة حول علاقة الجاليات الإفريقية بالمدن المستضيفة، وحدود التفاعل بين الرسمي والشعبي في التظاهرات الكبرى. في شوارع طنجة، كما في محيط الملعب الكبير وعدد من الفضاءات العمومية، بدا السنغاليون الأكثر حضورًا، والأكثر قدرة على تحويل المنافسة الرياضية إلى لحظة فرحٍ جماعي منضبط، دون أن تنزلق إلى الفوضى أو الاحتكاك.
منذ وصول المنتخب السنغالي ومشجعيه، بدا واضحًا أنَّ الأمر يتجاوز مجرد متابعة مباريات كرة قدم. مواكب احتفالية، رقصات تقليدية، طبول وأناشيد جماعية، كلها عناصر صنعت مشهدًا غير مألوفٍ في المدينة، لكنه في الوقت ذاته لم يكن مستفزًا أو فوضويًّا. على العكس، مرّت هذه الاحتفالات في أغلبها بسلاسة، وسط تفاعل إيجابي من الساكنة، وحضور أمني بدا أقرب إلى المواكبة منه إلى التضييق.
ما ميز الحضور السنغالي هذه المرة، ليس فقط كثافته، بل طابعه المنظم والمؤطر. فالمشجعون لم يكتفوا بالتجمع العفوي، بل ظهر نوع من الانضباط الجماعي في التحرك والاحتفال، حيث كانت المجموعات تسير وفق إيقاع موحد، وتتوقّف في نقاطٍ مُحدّدةٍ، دون تعطيل السير أو افتعال احتكاكات. هذا السلوك أعاد إلى الواجهة فكرة أن الاحتفال في الفضاء العام ليس بالضرورة مرادفًا للفوضى، إذا ما توفرت ثقافة جماعية تؤمن بالفرح المسؤول.
الحضور السنغالي لم يكن شعبيًّا فقط، بل اتَّخذ بُعدًا رسميًّا لافتًا. فقد حرصت شخصيات وازنة على مرافقة المنتخب، في مقدمتها وزيرة الشباب والرياضة، وعمدة مدينة دكار، إلى جانب عددٍ كبيرٍ من المسؤولين والمنتخبين والفاعلين الجمعويين.
هذا الحضور الرسمي القوي أضفى على مشاركة السنغال طابعًا مؤسساتيًّا، ورسّخ رسالةً مفادها بأنَّ كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل أداة للدبلوماسية الناعمة، وترويج صورة بلد في الخارج.
وجود هذه الشخصيات في المدرجات، وفي بعض الأنشطة الموازية، بعث برسائل متعدّدة الاتِّجاهات. داخليًّا، عزز شعور اللاعبين والمشجعين بأنَّهم يمثلون دولة حاضرة بثقلها الرمزي. وخارجيًا، قدَّم صورة عن جالية منظمة، تعرف كيف تحتفل دون أن تتحوَّل إلى عبء أمني أو اجتماعي على المدينة المستضيفة. وهو ما لم يمر دون ملاحظة من طرف متتبعين اعتبروا أنَّ السنغاليين قدّموا درسًا عمليًّا في كيفية الحضور الإيجابي داخل الفضاء العام.
في المقابل، يطرح هذا النموذج مقارنة ضمنية مع سلوك بعض الجاليات الأخرى، التي غالبًا ما ترتبط احتفالاتها بمظاهر التوتر أو التخريب، ما يفتح نقاشًا أوسعَ حول دور التأطير الثقافي والجمعوي في تهذيب الفعل الاحتفالي. فالجالية السنغالية، سواء داخل المغرب أو خارجه، راكمت تجربة طويلة في التنظيم الذاتي، وفي تحويل الفضاء العام إلى مجال للتعبير الثقافي، دون الاصطدام مع القوانين أو الأعراف المحلية.
مصادر مطلعة أكَّدت أن السلطات المحلية تعاملت بمرونة محسوبة مع هذه الاحتفالات، إدراكا منها لطابعها السلمي والمنظم. فالحضور الأمني، وإن كان قائمًا، لم يسجل تدخلات تُذكر، وهو ما يعكس مستوى من الثقة المتبادلة بين الأجهزة المكلفة بالنظام العام والمحتفلين. هذا المعطى، بحسب متابعين، يعكس أيضًا نجاح المقاربة الأمنية المرنة التي تميّز بين الاحتفال المشروع والسلوك المنحرف.
اللافت أن هذا الحضور الاحتفالي لم يقتصر على محيط الملعب، بل امتدَّ إلى مقاهٍ وشوارع وأحياء، حيث تحولت بعض الفضاءات إلى منصات مفتوحة للرقص والغناء، في مشهد أعاد للمدينة شيئًا من روحها الإفريقية. ومع ذلك، لم تسجل شكايات تذكر من الساكنة، ما يعزز فكرة أن الاحتفال، حين يكون منظمًا، يمكن أن يتحوّل إلى قيمة مضافة للمدينة، لا مصدر إزعاج لها.
كأس إفريقيا، في هذه النسخة، لم تكن فقط مناسبة للتنافس الرياضي، بل مرآة تعكس الفوارق في طرق التعبير عن الفرح والانتماء.
والسنغاليون، بحضورهم القوي والمنضبط، قدّموا نموذجًا يثير الإعجاب، ويدفع إلى إعادة التفكير في كيفية تدبير التظاهرات الكبرى، ليس فقط من زاوية أمنية، بل أيضًا من زاوية ثقافية واجتماعية.
في النهاية، يبدو أن الجالية السنغالية نجحت في فرض صورةٍ إيجابيٍّة عن نفسها، وعن بلدها، من خلال احتفال صاخب في شكله، هادئ في جوهره. نموذج قد لا يكون مثاليًّا، لكنه يطرح سؤالًا جوهريًّا: هل يمكن للفضاء العام أن يكون مسرحا للفرح الجماعي دون أن يتحوّل إلى ساحة للفوضى؟ تجربة السنغاليين في كأس إفريقيا توحي بأن الجواب ممكن… حين تتوفر الإرادة والتنظيم.