القانون والناس
«غزوات» الأرصفة تُسقط هيبة القانون وتُحاصر المارة

مع حلول شهر رمضان الأبرك من كل سنة، تستفيق مدينة طنجة على وقع «تسونامي» حقيقي يجتاح أرصفتها وساحاتها العمومية، حيث تتحوَّل الشوارع -التي كانت بالأمس القريب شرايين للحركة والانسيابية- إلى «أسواق عشوائية» مفتوحة ومواقف غير قانونية للسيارات، في مشهد يحاكي «غزوات» منظمة تُسقط هيبة القانون وتضع «الحق في المدينة» بين فكي كماشة التسيب والاستهتار.
فبمجرد أن تعلن صومعة المسجد عن اقتراب ساعة الإفطار، تبدأ ملامح الفوضى العارمة في التشكُّل، حيث لم يعد الرصيف ملكًا للمارة أو حقًّا مشروعًا للراجلين، بل تحوَّل إلى «غنيمة» يتقاسمها بائعو «الشباكية» والتمور وأصحاب العربات المجرورة، الذين استوطنوا الممرات الضيقة، تاركين للمواطن خيارًا وحيدًا ومُرًّا: المغامرة بحياته وسط الطريق جنبًا إلى جنب مع حافلات النقل العمومي وسيارات الأجرة.
هذا المشهد «السريالي» الذي يتكرَّر كل عام، لا يقف عند حدود «البحث عن لقمة العيش» المريرة، بل يتجاوزها إلى استعراض للعضلات يمارسه أصحاب السيارات الذين لا يجدون غضاضة في اعتلاء الأرصفة بمركباتهم، محولين الفضاءات المخصصة للمشاة إلى مرائب خاصة، تحت أعين السلطات المحلية التي تكتفي، في أغلب الأحيان، بدور المتفرج أو «رجل الإطفاء» الذي يتدخُّل بحملات موسمية تفتقر للديمومة والنجاعة. إنها «فوضى منظمة» يغذيها منطق «الريع الرصيفي»، حيث أصبح لكلّ مترٍ مُربعٍ ثمنه، ولكل بائع «حماية» ضمنية تتجاوز في قوتها قرارات المجلس الجماعي ونصوص القانون المنظمة للملك العمومي.
وما يثير الاستغراب والامتعاض -في آن واحد- هو تلك «المزايدة» التي يمارسها بعضهم باسم «روحانية الشهر» و«التضامن الاجتماعي»، لتبرير احتلال الملك العمومي وخنق أنفاس المدينة؛ فكيف يمكن لطقس تعبّدي أن يتحوّل إلى مبرر لعرقلة السير، وحرمان المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة من ممرٍ آمن، وتلويث الفضاء العام بمخلفات السلع وبقايا الخضر؟
إننا أمام «ردة حضارية» بامتياز، تضرب في العمق كل المجهودات المبذولة لتأهيل المدن وتحسين جاذبيتها، وتكرس لثقافة «السيبة» التي تجعل من خرق القانون هو القاعدة، ومن احترامه استثناءً يثير السخرية في عيون «محترفي» احتلال الأرصفة.
إن المتأمل في شوارعنا خلال هذه الأيام، يدرك أن الأزمة ليست أزمة نصوص قانونية أو نقص في الموارد البشرية لضبط الشارع، بل هي أزمة «إرادة» وغياب لرؤية زجرية حازمة تقطع مع سياسة «عين ميكة» (غض الطرف).
فالتسامح مع هذه السلوكيات بذريعة الخصوصية الرمضانية في حقيقته استقالة لمؤسسات الدولة من أدوارها الضبطية، وتزكية لفوضى عارمة ترهق كاهل المواطن الذي يدفع ضريبة صمت المسؤولين من أعصابه وسلامته الجسدية.
واليوم، لم يعد السؤال مطروحًا حول متى ستتحرر الأرصفة من قبضة الفوضى، بل عن متى ستستعيد مؤسساتنا هيبتها لفرض احترام الشارع العام كفضاء للجميع وليس كمرتع للفوضويين والمنتفعين؟