إقتصاد

طنجة.. مفارقة القطب الصناعي .. استثمارات ضخمة وشبح «ندرة اليد العاملة» يُربك المصانع

لم‭ ‬تعد‭ ‬التحدّيات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬النسيج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والصناعي‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭ ‬أو‭ ‬كلفة‭ ‬الطاقة‭ ‬واللوجستيك،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬المعضلةُ‭ ‬الأكبر‭ ‬اليوم‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬‮«‬العنصر‭ ‬البشري‮»‬‭. ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتعزَّز‭ ‬فيه‭ ‬مكانة‭ ‬عاصمة‭ ‬البوغاز‭ ‬بوصفها‭ ‬وجهةً‭ ‬أولى‭ ‬للاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬قطاعي‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬والطيران،‭ ‬تدقّ‭ ‬وحدات‭ ‬إنتاجية‭ ‬عديدة‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر‭ ‬بسبب‭ ‬اتِّساع‭ ‬هوّة‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬المؤهلة،‭ ‬ما‭ ‬وضع‭ ‬وتيرة‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬داخل‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬الحرّة‭.‬

تكفي‭ ‬جولة‭ ‬سريعة‭ ‬بين‭ ‬أروقة‭ ‬طنجة‭ ‬تيك‭ ‬أو‭ ‬المنطقة‭ ‬الحرة‭ ‬‮«‬كزناية‮»‬‭ ‬لملاحظة‭ ‬إعلانات‭ ‬التوظيف‭ ‬المُعلّقة‭ ‬على‭ ‬واجهات‭ ‬الشركات،‭ ‬التي‭ ‬تظلّ‭ ‬مفتوحة‭ ‬لشهور‭ ‬دون‭ ‬استجابة‭ ‬كافية‭. ‬مسؤول‭ ‬بإحدى‭ ‬الشركات‭ ‬المتعدّدة‭ ‬الجنسيات‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬كوابل‭ ‬السيارات‭ ‬أكَّد‭ ‬لـ«لاديبيش‮»‬‭ ‬أن‭ ‬المصانع‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تبحث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬مهندسين‭ ‬أو‭ ‬تقنيين‭ ‬متخصصين،‭ ‬بل‭ ‬أضحى‭ ‬تأمين‭ ‬‮«‬عمال‭ ‬خطوط‭ ‬الإنتاج‮»‬‭ ‬مهمة‭ ‬شاقة‭ ‬تستنزف‭ ‬جهود‭ ‬أقسام‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬دوران‭ ‬العمل‮»‬‭ (‬Turnover‭) ‬بلغت‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬حيث‭ ‬يغادر‭ ‬العمال‭ ‬وظائفهم‭ ‬بعد‭ ‬فترات‭ ‬تدريب‭ ‬قصيرة‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬زيادات‭ ‬طفيفة‭ ‬في‭ ‬أجور‭ ‬شركات‭ ‬مجاورة،‭ ‬أو‭ ‬تفضيلًا‭ ‬للمهن‭ ‬الموسمية‭ ‬وغير‭ ‬المهيكلة‭.‬

تتداخل‭ ‬عدّة‭ ‬عوامل‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة؛‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الهُوة‭ ‬المزمنة‭ ‬بين‭ ‬مخرجات‭ ‬منظومة‭ ‬التكوين‭ ‬المهني‭ ‬والجامعي‭ ‬والاحتياجات‭ ‬الدقيقة‭ ‬للشركات‭. ‬فرغم‭ ‬إحداث‭ ‬مدن‭ ‬المهن‭ ‬والكفاءات‭ ‬وتوسيع‭ ‬معاهد‭ ‬التكوين‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬السيارات،‭ ‬فإنَّ‭ ‬وتيرة‭ ‬نمو‭ ‬الاستثمارات‭ ‬تفوق‭ ‬سرعة‭ ‬تخريج‭ ‬الكفاءات‭ ‬الجاهزة‭ ‬للاندماج‭ ‬الفوري‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يبرز‭ ‬غلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬وأزمة‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬بوصفه‭ ‬عائقًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬أمام‭ ‬استقرار‭ ‬العمال‭ ‬الوافدين‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬ومناطق‭ ‬أخرى،‭ ‬إذ‭ ‬تلتهم‭ ‬تكاليف‭ ‬الإيجار‭ ‬والنقل‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الأجور‭ ‬الدنيا‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي،‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬فئات‭ ‬عريضة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬نحو‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الهجرة‭ ‬السرية‭ ‬أو‭ ‬تفضيل‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬النظامي‭.‬

على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬ترى‭ ‬المركزيات‭ ‬النقابية‭ ‬بالمدينة‭ ‬أنَّ‭ ‬تحميل‭ ‬منظومة‭ ‬التكوين‭ ‬وحدها‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬النقص‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬نوعٍ‭ ‬من‭ ‬التبسيط‭. ‬وأفادت‭ ‬مصادر‭ ‬نقابية‭ ‬بأنَّ‭ ‬‮«‬جاذبية‭ ‬الشغل‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬الوحدات‭ ‬أصبحت‭ ‬محل‭ ‬تساؤل؛‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تدنّي‭ ‬الأجور،‭ ‬وساعات‭ ‬العمل‭ ‬الطويلة،‭ ‬والضغط‭ ‬البدني‭ ‬المرتفع،‭ ‬وضعف‭ ‬التحفيزات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وتؤكد‭ ‬المصادر‭ ‬ذاتها،‭ ‬أنَّ‭ ‬الحلَّ‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬مراكز‭ ‬تكوين‭ ‬إضافية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬ظروف‭ ‬العمل‭ ‬وجعل‭ ‬الأجور‭ ‬متناسبة‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬في‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي‭.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المُعقّد،‭ ‬يجد‭ ‬مسؤولو‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬المعنية‭ ‬والفاعلون‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬ضرورة‭ ‬صياغة‭ ‬مقاربة‭ ‬شمولية‭ ‬واستعجالية‭. ‬فبقاء‭ ‬طنجة‭ ‬بوصفها‭ ‬قاطرة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬يفرض‭ ‬اليوم‭ ‬تجاوز‭ ‬الحلول‭ ‬الترقيعية،‭ ‬عبر‭ ‬التنسيق‭ ‬الصارم‭ ‬بين‭ ‬الوكالة‭ ‬الوطنية‭ ‬لإنعاش‭ ‬التشغيل‭ ‬والكفاءات‭ (‬أنابيك‭) ‬وأرباب‭ ‬العمل،‭ ‬وإرساء‭ ‬برامج‭ ‬للتكوين‭ ‬المستمرّ‭ ‬داخل‭ ‬المصانع،‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وسكن‭ ‬العمال،‭ ‬حتَّى‭ ‬لا‭ ‬تتحوّل‭ ‬ندرة‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬إلى‭ ‬كابح‭ ‬يُفرمل‭ ‬طموح‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬التحوُّل‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬صناعي‭ ‬إقليمي‭ ‬لا‭ ‬ينازَع‭.‬

Exit mobile version