إقتصاد

طنجة.. مصانع تبحث عن اليد العاملة وغلاء المعيشة يضغط على المدينة

لم‭ ‬تعد‭ ‬وفرة‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬سهولة‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭. ‬فمع‭ ‬اتِّساع‭ ‬القاعدة‭ ‬الصناعية‭ ‬للمدينة‭ ‬وتزايد‭ ‬عدد‭ ‬الوحدات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسيارات‭ ‬والنسيج‭ ‬واللوجستيك‭ ‬والصناعات‭ ‬المختلفة،‭ ‬بدأت‭ ‬شركات‭ ‬تواجه‭ ‬إشكالًا‭ ‬متزايدًا،‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬صعوبة‭ ‬استقطاب‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بها،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬تتطلَّب‭ ‬مهاراتٍ‭ ‬أو‭ ‬خبرةً‭ ‬مهنيةً‭ ‬مُحدّدةً‭.‬

وتطرح‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬سؤالًا‭ ‬أكبرَ‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬خصاص‭ ‬في‭ ‬العمال‭: ‬هل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬طنجة،‭ ‬بفعل‭ ‬تركّز‭ ‬المشاريع‭ ‬الصناعية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الكبرى،‭ ‬إلى‭ ‬قطب‭ ‬اقتصادي‭ ‬يستقطب‭ ‬العمّال‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى،‭ ‬بما‭ ‬يفوق‭ ‬قدرة‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والسكن‭ ‬والخِدْمات‭ ‬بأسعار‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬مداخيل‭ ‬هذه‭ ‬الفئات؟

فالمشكل،‭ ‬بحسب‭ ‬مقاربة‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاقتصاديين،‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬الشغل،‭ ‬وإنَّما‭ ‬أيضًا‭ ‬بمدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬التكوينات‭ ‬المتاحة‭ ‬لحاجيات‭ ‬المقاولات،‭ ‬وبالظروف‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬كلفة‭ ‬العيش‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭.‬

*الشركات‭ ‬بين‭ ‬وفرة‭ ‬المصانع‭ ‬وندرة‭ ‬العمال

أمام‭ ‬توسّع‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي،‭ ‬تجد‭ ‬بعض‭ ‬المقاولات‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬منافسة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬والاستثمارات؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬العاملين‭. ‬فالعامل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬المصنع‭ ‬فرصةً‭ ‬مستقرّةً،‭ ‬أصبح‭ ‬أمام‭ ‬عروض‭ ‬متعدّدة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬حدّة‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬واليد‭ ‬العاملة‭.‬

وتزداد‭ ‬صعوبة‭ ‬الوضع‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمهن‭ ‬التقنية‭ ‬والتخصصات‭ ‬الصناعية،‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬وتجربة،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عدد‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬الشغل‭ ‬مرتفعًا،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتطابق‭ ‬مؤهلاتهم‭ ‬مع‭ ‬حاجيات‭ ‬المقاولة‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬مشكل‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬أصبح‭ ‬حاضرًا‭ ‬بقوّة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انتقال‭ ‬بعض‭ ‬العمال‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬أجور‭ ‬أفضل‭ ‬أو‭ ‬ظروف‭ ‬عمل‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمةً،‭ ‬مما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬المقاولات‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الأجور‭ ‬والتكوين‭ ‬والنقل‭ ‬والخِدْمات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

*هل‭ ‬الصناعة‭ ‬رفعت‭ ‬كلفة‭ ‬العيش؟

لكن‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬لهذه‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬الضغط‭ ‬الذي‭ ‬أصبحت‭ ‬تعرفه‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السكن‭ ‬والخدمات‭ ‬وكلفة‭ ‬الحياة‭.‬

فاستقطاب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والعمال‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬النمو‭ ‬الديمغرافي‭ ‬والتوسع‭ ‬العمراني،‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السكن،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬ومحاور‭ ‬النقل‭.‬

ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب،‭ ‬أصبحت‭ ‬كلفة‭ ‬السكن‭ ‬والنقل‭ ‬والخِدْمات‭ ‬تُشكّل‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬ميزانية‭ ‬الأسر‭ ‬والعمال‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬معادلة‭ ‬صعبة‭: ‬كلما‭ ‬ارتفع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وازدادت‭ ‬فرص‭ ‬الشغل،‭ ‬ارتفعت‭ ‬أيضا‭ ‬حاجيات‭ ‬المدينة،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تواكبها‭ ‬زيادة‭ ‬موازية‭ ‬في‭ ‬السكن‭ ‬والنقل‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬فإن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭.‬

وبذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬طنجة‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬نجلب‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬المصانع؟‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أيضًا‭: ‬كيف‭ ‬نجعل‭ ‬النمو‭ ‬الصناعي‭ ‬قابلًا‭ ‬للعيش‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العمّال‭ ‬والسكّان؟

*هـل‭ ‬أخـطأ‭ ‬المـغرب‭ ‬في‭ ‬تركيز‭ ‬الصناعة؟

ويعيد‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬فتح‭ ‬نقاش‭ ‬أوسع‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬توزيع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصناعية‭ ‬بالمغرب‭. ‬فتركُّز‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬في‭ ‬أقطاب‭ ‬محددة‭ “‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬طنجة‭ ‬والقنيطرة‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭ ‬أخرى‭” ‬خلق‭ ‬دينامية‭ ‬اقتصادية‭ ‬قوية،‭ ‬لكنّه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬جذب‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬نحو‭ ‬هذه‭ ‬المدن‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬التركز‭ ‬قد‭ ‬منح‭ ‬المغرب‭ ‬أقطابًا‭ ‬صناعيةً‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬واستقطاب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبيَّة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬اليوم‭ ‬يتعلق‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬باقي‭ ‬المجالات‭ ‬الترابية‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬شغل‭ ‬محلّيَّة،‭ ‬بما‭ ‬يُخفّف‭ ‬ضغط‭ ‬الهجرة‭ ‬الداخلية‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭.‬

وفي‭ ‬حالة‭ ‬طنجة،‭ ‬تبدو‭ ‬المعادلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬المدينة‭ ‬لا‭ ‬تستقبل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تستقبل‭ ‬معها‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬والنقل‭ ‬والمدارس‭ ‬والصحة‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬وهي‭ ‬عناصر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصلُها‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬الصناعية‭.‬

*مــــاذا‭ ‬تـــقــــترح‭ ‬النـــــخـــــب‭ ‬المرشــحة‭ ‬للانتـــخابات؟

ومع‭ ‬انطلاق‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬يكتسب‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة،‭ ‬حيث‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬النخب‭ ‬المتنافسة‭ ‬أجوبة‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬أصبح‭ ‬يلامس‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬لآلاف‭ ‬الأسر‭.‬

فهل‭ ‬تتضمَّن‭ ‬البرامج‭ ‬الانتخابية‭ ‬إجراءات‭ ‬حقيقية‭ ‬لتكوين‭ ‬الشباب‭ ‬وفق‭ ‬حاجيات‭ ‬المصانع؟‭ ‬وهل‭ ‬توجد‭ ‬مقترحات‭ ‬لتشجيع‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬التكوين‭ ‬الداخلي؟‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬النقل‭ ‬الموجه‭ ‬للمناطق‭ ‬الصناعية؟‭ ‬وهل‭ ‬لدى‭ ‬المرشحين‭ ‬تصور‭ ‬لمواجهة‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬السكن‭ ‬والإيجار؟‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬رؤيتهم‭ ‬لجعل‭ ‬الاستثمار‭ ‬الصناعي‭ ‬أكثر‭ ‬استفادةً‭ ‬منه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سكان‭ ‬طنجة؟

الناخب‭ ‬الطنجي‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬أرقام‭ ‬جديدة‭ ‬للاستثمارات‭ ‬والمصانع،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيصل‭ ‬إلى‭ ‬جيبه؟‭ ‬وكيف‭ ‬سينعكس‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬على‭ ‬ظروف‭ ‬عيشه؟

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تحتاج‭ ‬المقاولات‭ ‬إلى‭ ‬يد‭ ‬عاملة‭ ‬مؤهلة‭ ‬ومستقرّة،‭ ‬فيما‭ ‬تحتاج‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬سكن‭ ‬ميسور‭ ‬ونقل‭ ‬فعّال‭ ‬وخِدْمات‭ ‬عمومية‭ ‬تواكب‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬

‭ ‬وبين‭ ‬مصنع‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬عامل،‭ ‬وشاب‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬أجر‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬العيش،‭ ‬وأسرة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬سكن‭ ‬بأسعار‭ ‬معقولة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬معركة‭ ‬طنجة‭ ‬المقبلة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬توزيع‭ ‬ثمار‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وتحويل‭ ‬النمو‭ ‬الصناعي‭ ‬إلى‭ ‬تنمية‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬المرشحين‭ ‬اليوم‭: ‬هل‭ ‬لديهم‭ ‬حلول‭ ‬تتجاوز‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬والشعارات،‭ ‬لمعالجة‭ ‬أزمة‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬معا؟

Exit mobile version