سياسة
طنجة… مدينة تعيد تشكيل خريطتها السياسية وتكتب نهاية جيل سياسي قديم وبداية جيل آخر
لا يختلف اثنان على أنَّ المكانة المتميزة التي تحظى بها مدينة طنجة، على جُلّ المستويات الثقافية والاقتصادية والأدبية، وحتَّى السياحية والسياسية، لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج مجهودات جبارة قدَّمها كل واحد في مجاله، مستفيدين من التراكم التاريخي والحضاري لبوابة إفريقيا نحو أوروبا على مدار قرون مضت.
فطنجة العالمة كانت ولا تزال تستهوي زوارها وسياحها؛ فما إن تضع قدميك في أحيائها وأزقتها حتّى تشمّ عبق التاريخ والحضارة وتعايش الأديان وروائح التسامح والتلاقح الإنساني، كما تستحضر تاريخ التضحيات السياسية التي قدَّمها كثيرون من أجل الوطن.
بقـلم: حــميــــد. م
فإذا كان عددٌ مهمٌّ من المجاهدين قد ضحّوا بالغالي والنفيس ضِمن الحركة الوطنية لتحرير المغرب، فإن طنجة أنجبت بدورها أسماء سياسية كبيرة جدًا، ناضلت على امتداد العقود من أجل مغرب يتَّسع للجميع، مغرب الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. وقد تجاوز نضالهم حدود المدينة والإقليم ليصبحوا رموزًا وطنية، أبرزهم الراحلان علي يعته وعبد الرحمن اليوسفي وغيرهما.
طنجة العالية كانت دائمًا استثناءً في كل المجالات، بما فيها المجال السياسي، حيث كان السياسيون يتغنون بطنجة وبساكنتها. لكن دوام الحال من المحال، فطنجة اليوم تغيّرت في كلِّ شيء، وهذا التغير طال أيضًا مستوى الممارسة السياسية. ويبدو أن هذه المدينة العارفة بالله أصبحت تؤمن أكثر من أي وقت مضى بمفهوم المجايلة السياسية وإعطاء الفرصة للشباب، كما أصبحت رافضة لكلّ سياسي يخدم مصلحته الخاصة على حساب مصلحة المدينة وساكنتها. فبقدر ما توجد مؤشرات تدل على ضعف المشاركة السياسية في الاستحقاقات المقبلة، هناك أيضًا إشارات قوية عن العقاب السياسي للساكنة تجاه عدد من السياسيين الذين سقطت أسهمهم السياسية بطنجة.
ولعل أبرز هذه الوجوه التي قد لا تجد مقعدًا انتخابيًا مستقبلًا، سواء على المستوى التشريعي أو الجماعي، نجد:
محمد الحميدي، السياسي المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي صدر في حقه حكمٌ قضائيٌّ ابتدائي يقضي بإدانته بعقوبة سجنية نافذة مع غرامة مالية، في انتظار حكم الاستئناف. وقد سبق له أن تحمل عدة مسؤوليات: برلماني بمجلس المستشارين، رئيس غرفة الصناعة التقليدية، مستشار جماعي، ورئيس المجلس الإقليمي لعمالة طنجة أصيلة.
وهو اليوم من أكثر السياسيين المرفوضين من طرف الساكنة، في ظل وعي متزايد لدى الشباب والساكنة بأن المرحلة الراهنة هي مرحلة التغيير، كما أكَّد ذلك جلالة الملك محمد السادس -نصره الله- في مناسبات عديدة. ويبدو أن الحميدي يعيش أيامه السياسية الأخيرة، خصوصًا بعد انتشار أنباء بمدينة طنجة تفيد بأنه يحاول تزكية نجله على رأس لائحة حزب الأصالة والمعاصرة خلال الانتخابات التشريعية المقبلة المقرر تنظيمها في النصف الثاني من السنة المقبلة.
عادل الدفوف، وجه سياسي شاب ينتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، تمكن بعد انتظار طويل من الفوز بمقعد برلماني خلال انتخابات 2021، لكنه “على ما يبدو” لم ينجح في إقناع الساكنة بأدائه السياسي أو بترافعه عن قضايا مدينة طنجة ومشكلات المواطنين. وهو ما قد يؤثر في مساره السياسي داخل الحزب، وفق آراء عدد من متتبعي الشأن السياسي بطنجة.
ووفق المعطيات الواردة من داخل القيادة الوطنية للحزب، لم يعد أحد يزكي هذا الشاب لمنحه فرصة خوض انتخابات 2026 برمز الجرار، وهو ما قد يشكل ضربة سياسية له، خاصة في ظل التعليمات الرسمية التي تشدد على ضرورة الاعتماد على الأطر والكفاءات والتحصيل العلمي.
عبد النبي مورو، من أبرز الأسماء السياسية بمدينة طنجة، ينتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، ويشغل منصب نائب العمدة منذ سنة 2021، وهو المنصب نفسه الذي تقلده سنة 2015، عندما ترشح بلائحة مستقلة ودخل المكتب المسير برئاسة حزب العدالة والتنمية آنذاك.
غير أن أداءه السياسي، حسب التقارير الإعلامية، لم يكن في المستوى المطلوب، ما جعل الحديث يكثر عن صعوبة عودته للمشهد السياسي مستقبلًا. فالرجل لا يُذكر اسمه في أي حديث عن الاستحقاقات التشريعية المقبلة، كما أن الانتخابات الجماعية لسنة 2027، تحيط بها شائعات تتعلق بعدم رغبته في الترشح مجددًا.
الدكتور عبد اللطيف الشدادي، الذي ابتعد عن الأنظار السياسية بإقليم طنجة-أصيلة، بعد تجربة طويلة إلى جانب الراحل محمد بن عيسى رئيس المجلس الجماعي لأصيلة، وهي تجربة يعتبرها أبناء المدينة سيئة بحكم عدم قدرته على توقيع مسار سياسي متميز.
ووفق المعطيات القادمة من أصيلة، فقد التحق الرجل رسميًا بحزب التجمع الوطني للأحرار، وبدأ يحضر الأنشطة الحزبية إقليميًا، كما يخبر المقربين عنه بطموحاته السياسية، لكن العديد من المتتبعين يرون أن نجم الرجل قد أفِل سياسيًا.
محمد الزموري، من أقدم البرلمانيين بالمغرب، رمز للرجل السياسي الصامت، إذ لا تتجاوز تدخلاته المباشرة خلال أكثر من 25 سنة داخل البرلمان عدد أصابع اليد الواحدة. ويتفق كثيرون على أن الرجل لم يترافع بما يكفي عن مدينة طنجة، وقد أكَّدت احتجاجات سنة 2011 ذلك حين رفعت الساكنة صوره ضمن الأسماء التي يجب محاسبتها سياسيًا، وهو ما أدى إلى فقدانه مقعده البرلماني قبل أن يستعيده في انتخابات 2012 الجزئية.
ويرى المتتبعون، أن الوقت حان لتوقفه عن العمل السياسي، لفسح المجال أمام الشباب والكفاءات، إلى جانب عامل السن وحصيلته السياسية المتواضعة سواء في البرلمان أو في مجلس الجهة.
عبد السلام العيدوني، الذي اعتُبر لمُدّة طويلة الابن السياسي البار لمحمد الزموري، قبل أن يفقد بريقه بعد خروجه خالي الوفاض من الانتخابات التشريعية الأخيرة، مما دفعه إلى التمرد السياسي على مرجعيته السابقة.
واليوم أصبح الرجل منسيًا، بل في عداد «الموتى السياسيين»، ورغم عدم وجود ما يمنعه قانونيًا من خوض الانتخابات الجماعية المقبلة، فإن حظوظه شبه منعدمة، وقد يقتصر حضوره “إن حصل” على منصب مستشار جماعي فقط.
محمد الحمامي، الذي قسمت تجربته السياسية الآراء بين مؤيد يعتبره سياسيًّا محنكًا يخدم الفئات الهشة بصفته رئيس أكبر مقاطعة في المغرب التي تضم أكثر من نصف مليون نسمة، وبين معارض يرى أنه أصبح من الأسماء التي ينبغي أن تغادر المشهد السياسي.
وتشير الظروف الحالية التي يمرُّ منها الحمامي، من مشكلات وقضايا في مجال المحاكم وظروف شخصية صعبة، إلى إمكانية عدم مشاركته السياسية مستقبلًا بصورة أو بأخرى، رغم تأكيده المتكرّر أنَّه لا يتشبث بالمقاعد وأن العمل يجب أن يكون ميدانيًا.
مصطفى أقبيب، الذي يبدو أنه اقترب من التقاعد السياسي، إذ كانت تجربته الأخيرة داخل حزب الاستقلال باهتة وأدت إلى تجميد عضويته بعد دعمه لمحمد الشرقاوي خلال إعادة انتخاب النائب العاشر بدلًا من دعم مرشح الأغلبية عبد الواحد بولعيش.
وعلى المستوى الذاتي، لا أحد يعتقد أن الرجل سيستعيد بريقه السياسي، مما يجعل فكرة ترشحه مجددًا شبه مستبعدة، رغم أن السياسة المغربية لا تستبعد شيئًا.
عبد الرحمن الأربعين، اسم بارز في تاريخ السياسة بطنجة، فلا يمكن الحديث عن المشهد السياسي دون ذكر عائلة الأربعين، خاصة السيد عبد الرحمن. لكن اليوم أصبح من الصعب إدراجه ضمن الفاعلين السياسيين المؤثرين، في ظل إجماع واسع على ضرورة رحيله وفتح المجال أمام كفاءات جديدة. وفي نظر المتتبعين، فإن وجوده الحالي داخل المؤسسات المنتخبة بات باهتًا، ويحرم حزبه من وجود رقم سياسي قوي قادر على الترافع على المدينة وساكنتها.
محمد بولعيش، اسم سياسي شاب برز بسرعة في منطقة اجزناية، خصوصًا بعد الفراغ الذي تركه ابتعاد إدريسي عن العمل السياسي. وتمكن من قيادة جماعة ترابية وهو من أصغر الأسماء التي تولت هذا المنصب، كما حصل على مقعد بمجلس المستشارين وغرفة الفلاحة. لكنه سرعان ما بدأ يفقد بريقه بسبب خصوماته السياسية المتعددة وورود اسمه في عدة ملفات إعلامية. واليوم، ووفق ما يروج في كواليس السياسة بالمدينة، فلا أحد يتحدث عن رغبته في استقطابه أو دعمه خلال الانتخابات المقبلة، وهو الوضع نفسه داخل الحزب الذي ينتمي إليه.
يوسف بن جلون، الرجل الذي يُعدُّ الأكثر انتقالًا بين الأحزاب السياسية المختلفة، إذ ترشح بلون الحمامة والمصباح والوردة. ولم يستطع الحفاظ على رئاسته لغرفة الصيد البحري بعد صدور حكم ابتدائي بفقدانه المقعد، فقدم استقالته استباقيًّا. وينتمي حاليًا لحزب الاتِّحاد الاشتراكي، لكنه لم يعد مرغوبًا فيه، ويحاول جاهدًا العثور على موقع داخل حزب سياسي قوي مثل التجمع الوطني للأحرار، غير أن العديد يتحدث عن إمكانية عدم ترشحه لأسباب ذاتية وموضوعية.
عبد الحميد أبرشان، الرجل الذي روّج لنفسه كقوة سياسية، فشل في ضمان عمودية طنجة سنة 2021 رغم محاولاته العديدة، وأصبح اليوم يعيش حالة من التيه السياسي، خاصة بعد خلافه الكبير مع محمد الزموري واحتمال مغادرة الأخير لحزب الاتِّحاد الدستوري، مما يضعف حظوظه في الفوز بمقعد برلماني سواء بالغرفة الأولى أو الثانية، خصوصًا إذا ظل داخل حزب الحصان. كما أن إمكانية انتقاله إلى حزب سياسي آخر لتحقيق طموحه السياسي باتت صعبة جدًا، وهو ما ظهر بوضوح خلال آخر انتخابات. صحيح أنه يشغل اليوم منصب رئيس مقاطعة طنجة المدينة بعد عزل محمد الشرقاوي، لكنَّ أداءه داخل المقاطعة لم يكن بارزًا بالشكل المطلوب، مما يجعل حضوره ضمن أقوى المرشحين لمقاعد 2026 أمرًا مستبعدًا.
إن طنجة الهادئة، طنجة التاريخ والثقافة والسياسة والحضارة، تستحق أسماءً سياسيةً كبيرةً تتوفر على الكفاءة والنزاهة، وقادرةً على العطاء والترافع والدفاع عن المدينة وتغليب مصلحة الساكنة على المصالح الذاتية.