سياحة

طنجة تستقبل 2026 على إيقاع إفريقيا.. ليلة رأس سنة تكشف تحوّل المدينة إلى عاصمة للفرح والتعايش

لا‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬تُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬والإفريقية،‭ ‬بل‭ ‬حتّى‭ ‬العالمية،‭ ‬فهي‭ ‬مدينة‭ ‬استطاعت‭ -‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬الطويل‭- ‬أن‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬السياحة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬وبين‭ ‬المحلي‭ ‬والدولي،‭ ‬في‭ ‬تناغم‭ ‬قلّ‭ ‬نظيره‭.‬

فطنجة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مدينة‭ ‬شمالية‭ ‬تطلُّ‭ ‬على‭ ‬البحر،‭ ‬بل‭ ‬فضاء‭ ‬حضري‭ ‬تشكّل‭ ‬عبر‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬التلاقي‭ ‬بين‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وبين‭ ‬المتوسط‭ ‬والأطلسي،‭ ‬وبين‭ ‬الثقافات‭ ‬والأديان‭ ‬واللغات،‭ ‬هذا‭ ‬الامتزاج‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬حبيس‭ ‬الكتب‭ ‬أو‭ ‬الذاكرة،‭ ‬بل‭ ‬ينعكس‭ ‬بشكل‭ ‬حيّ‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وفي‭ ‬طريقة‭ ‬احتفال‭ ‬المدينة‭ ‬بمحطاتها‭ ‬الكبرى،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭.‬

تقع‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬شمال‭ ‬المغرب،‭ ‬حيث‭ ‬تشرف‭ ‬على‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬بالمحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وتطل‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المعابر‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬جعل‭ ‬المدينة،‭ ‬منذ‭ ‬العصور‭ ‬القديمة،‭ ‬مركزًا‭ ‬للتجارة‭ ‬والهجرة‭ ‬والتبادل‭ ‬الثقافي،‭ ‬وفسّر‭ ‬تعاقب‭ ‬الحضارات‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬فينيقيين‭ ‬ورومان‭ ‬وعرب‭ ‬وأندلسيين‭ ‬وأوروبيين‭.‬

واليوم،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬الدولية‭ ‬والعالمية‭ ‬تُؤدِّي‭ ‬الدور‭ ‬نفسه،‭ ‬ولكن‭ ‬بأدوات‭ ‬وآليات‭ ‬جديدة‭ ‬ومتجدّدة،‭ ‬حيث‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬قطب‭ ‬اقتصادي‭ ‬يحتلّ‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانية‭ ‬وطنيًّا‭ ‬بعد‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬وسياحي،‭ ‬وواجهة‭ ‬حضرية‭ ‬للمغرب‭ ‬الحديث،‭ ‬حيث‭ ‬يحتلّ‭ ‬المرتبة‭ ‬الخامسة‭ ‬وطنيًّا‭.‬

مع‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬تستعيد‭ ‬طنجة‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الكوز‭ ‬وبوليتي‭ ‬بقوة،‭ ‬مُدّة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬تُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الفترات‭ ‬حركية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التدفق‭ ‬السياحي،‭ ‬إذ‭ ‬تشهد‭ ‬المدينة‭ ‬إقبالًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الزوّار‭ ‬المغاربة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬سياح‭ ‬أجانب،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬إسبانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وبلجيكا،‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬وسهولة‭ ‬الولوج‭ ‬عبر‭ ‬الميناء‭ ‬أو‭ ‬مطار‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة،‭ ‬مهنيون‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬يُؤكّدون‭ ‬أنَّ‭ ‬نسب‭ ‬الإشغال‭ ‬الفندقي،‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المُدّة‭ ‬ترتفع‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الفنادق‭ ‬المصنفة‭ ‬أو‭ ‬دور‭ ‬الضيافة،‭ ‬كما‭ ‬تعرف‭ ‬المطاعم‭ ‬والمقاهي‭ ‬والنقل‭ ‬الحضري‭ ‬انتعاشًا‭ ‬واضحًا‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬2026،‭ ‬جاءت‭ ‬بطابع‭ ‬خاص‭ ‬ومتفرد،‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬سابقاتها،‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبة‭ ‬احتفالية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬رمزية‭ ‬عكست‭ ‬تحوّلًا‭ ‬أعمقَ‭ ‬في‭ ‬تموقع‭ ‬طنجة‭ ‬داخل‭ ‬المشهدين‭ ‬الوطني‭ ‬والقاري،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬استعداد‭ ‬المغرب‭ ‬لاحتضان‭ ‬كأس‭ ‬أمم‭ ‬إفريقيا،‭ ‬فاختارت‭ ‬المدينة،‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬بشكل‭ ‬تلقائي،‭ ‬أن‭ ‬تحتفي‭ ‬بإفريقيتها،‭ ‬لا‭ ‬كشعار‭ ‬مناسباتي،‭ ‬بل‭ ‬كهوية‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬وفي‭ ‬الموسيقى،‭ ‬والوجوه،‭ ‬والأصوات،‭ ‬والاحتفال‭ ‬المشترك‭.‬

منذ‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬مساء‭ ‬يوم‭ ‬الأربعاء‭ ‬المصادف‭ ‬لـ31‭ ‬دجنبر‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الماضية،‭ ‬بدت‭ ‬طنجة‭ ‬وكأنها‭ ‬تدخل‭ ‬إيقاعًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬وتنوّعًا‭. ‬الطرق‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬الأمم،‭ ‬كورنيش‭ ‬مالاباطا،‭ ‬مرقالة‭ ‬ووسط‭ ‬المدينة‭ ‬شهدت‭ ‬حركةً‭ ‬غير‭ ‬معتادة‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬جُلَّ‭ ‬الطرق‭ ‬شهدت‭ ‬اكتظاظًا‭ ‬غير‭ ‬معتاد،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬والحافلات‭ ‬امتلأت‭ ‬عن‭ ‬آخرها،‭ ‬فيما‭ ‬تعج‭ ‬الأرصفة‭ ‬بالمارة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأعمار‭ ‬والجنسيات‭. ‬المقاهي‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬مالاباطا‭ ‬ومرشان،‭ ‬رفعت‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬نشاطها،‭ ‬بينما‭ ‬امتلأت‭ ‬المطاعم‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬الجديدة‭ ‬والمدينة‭ ‬القديمة‭ ‬برواد‭ ‬اختاروا‭ ‬الاحتفال‭ ‬خارج‭ ‬منازلهم‭.‬

في‭ ‬المدينة‭ ‬العتيقة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬زنقة‭ ‬السياغين،‭ ‬سوق‭ ‬برا،‭ ‬محيط‭ ‬باب‭ ‬البحر‭ ‬وساحة‭ ‬القصبة،‭ ‬كان‭ ‬المشهد‭ ‬أكثر‭ ‬كثافة‭ ‬وحميمية،‭ ‬محلات‭ ‬تقليديّة‭ ‬فتحت‭ ‬أبوابها‭ ‬إلى‭ ‬ساعات‭ ‬متأخرة،‭ ‬وباعة‭ ‬متجولون‭ ‬عرضوا‭ ‬منتوجاتهم،‭ ‬فيما‭ ‬اختلطت‭ ‬الإيقاعات‭ ‬الإفريقية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مكبرات‭ ‬صوت‭ ‬صغيرة‭ ‬بموسيقى‭ ‬كناوية‭ ‬وأغانٍ‭ ‬شعبية‭ ‬مغربية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬عمق‭ ‬التداخل‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬طنجة‭. ‬هنا،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الاحتفال‭ ‬منظّمًا‭ ‬من‭ ‬منصة‭ ‬رسمية،‭ ‬بل‭ ‬عفويًّا،‭ ‬تشارك‭ ‬فيه‭ ‬العائلات،‭ ‬الشباب،‭ ‬الطلبة،‭ ‬والسياح،‭ ‬دون‭ ‬حواجز‭ ‬تذكر‭.‬

رغم‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬البشري‭ ‬الكبير،‭ ‬مرت‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬اتسمت‭ ‬بالهدوء‭ ‬والانضباط،‭ ‬فقد‭ ‬انتشرت‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬والقوات‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬النقاط‭ ‬الحساسة،‭ ‬خاصة‭ ‬قرب‭ ‬محطة‭ ‬طنجة،‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المدينة،‭ ‬والفنادق‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬هيلتون‭ ‬طنجة‭ ‬سيتي‭ ‬سنتر،‭ ‬موڤنبيك‭ ‬مالاباطا،‭ ‬وبارسيلو‭. ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬الأمني‭ ‬كان‭ ‬واضحًا‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬مستفزّ،‭ ‬حيث‭ ‬اعتمدت‭ ‬السلطات‭ ‬مقاربة‭ ‬وقائية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬الميداني،‭ ‬والتنظيم‭ ‬المروري،‭ ‬والتدخل‭ ‬السريع‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭.‬

وفي‭ ‬تصريح‭ ‬لجريدة‭ ‬‮«‬لاديبيش‮»‬،‭ ‬أوضح‭ ‬مسؤول‭ ‬أمني‭ ‬إقليمي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تدبير‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬سياحية‭ ‬دولية‭ ‬مثل‭ ‬طنجة‭ ‬يفرض‭ ‬جاهزية‭ ‬خاصة‭ ‬وتنسيقًا‭ ‬محكمًا‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين‮»‬،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬‮«‬ضمان‭ ‬أجواء‭ ‬احتفالية‭ ‬آمنة‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بحرية‭ ‬المواطنين‭ ‬والزوار‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬لقيت‭ ‬استحسانًا‭ ‬واسعًا‭ ‬لدى‭ ‬المحتفلين،‭ ‬مغاربة‭ ‬وأجانب،‭ ‬الذين‭ ‬عبّروا‭ ‬عن‭ ‬شعورهم‭ ‬بالأمان‭ ‬والارتياح‭.‬

الحضور‭ ‬الإفريقي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الليلة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شكليًّا‭ ‬أو‭ ‬ثانويًّا،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬طلبة‭ ‬ومقيمين‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬سياح‭ ‬أفارقة‭ ‬قدموا‭ ‬خصيصى‭ ‬لقضاء‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬السنة،‭ ‬كانوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المشهد،‭. ‬يقول‭ ‬إبراهيم،‭ ‬طالب‭ ‬من‭ ‬كوت‭ ‬ديفوار‭ ‬يدرس‭ ‬بطنجة‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬خصّ‭ ‬به‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬لاديبيش‮»‬‭: ‬‮«‬في‭ ‬هذه‭ ‬الليلة‭ ‬شعرنا‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬تحتضننا‭ ‬فعلًا،‭ ‬ليس‭ ‬كضيوف،‭ ‬بل‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬نسيجها‮»‬‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬آمنة،‭ ‬شابة‭ ‬مغربية‭ ‬تنحدر‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬عقدها‭ ‬الثالث،‭ ‬فترى‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لذات‭ ‬الجريدة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬أصبح‭ ‬طبيعيًا‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يثير‭ ‬الاستغراب،‭ ‬بل‭ ‬يعطيها‭ ‬روحًا‭ ‬خاصة،‭ ‬فطنجة‭ ‬دائما‭ ‬كانت‭ ‬ملتقى‭ ‬الثقافات‭ ‬والحضارات‭ ‬ومصدر‭ ‬تنوعها‮»‬‭.‬

سياح‭ ‬أوروبيون‭ ‬بدورهم‭ ‬عبّروا‭ ‬عن‭ ‬إعجابهم‭ ‬بأجواء‭ ‬الاحتفال،‭ ‬ماريا،‭ ‬سائحة‭ ‬إسبانية‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬إشبيلية،‭ ‬تقول‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لهيئة‭ ‬تحرير‭ ‬الجريدة‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الاحتفال‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬الأوروبية،‭ ‬فهو‭ ‬أكثر‭ ‬دفئًا‭ ‬وأقل‭ ‬صخبًا،‭ ‬وفيه‭ ‬إحساس‭ ‬بالإنسان‮»‬‭.‬

بينما‭ ‬يرى‭ ‬لوكاس،‭ ‬شاب‭ ‬ألماني،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الطابع‭ ‬الإفريقي‭ ‬أضاف‭ ‬شيئًا‭ ‬جديدًا‭ ‬وغير‭ ‬متوقّع،‭ ‬وجعل‭ ‬التجربة‭ ‬مميزة،‭ ‬حيث‭ ‬أكَّد‭ ‬أنه‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬يحتفل‭ ‬بعيد‭ ‬راس‭ ‬سنة‭ ‬خارج‭ ‬أوروبا،‭ ‬وكانت‭ ‬تجربة‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتفردة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬تجربة‭ ‬تجعلك‭ ‬تشعر‭ ‬بإنسانيتك‮»‬‭.‬

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬منتصف‭ ‬الليل،‭ ‬تجمعت‭ ‬الحشود‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬كورنيش‭ ‬مالاباطا‭ ‬ومرقالة،‭ ‬العدّ‭ ‬التنازلي‭ ‬انطلق‭ ‬بلغات‭ ‬متعددة،‭ ‬العربية،‭ ‬الفرنسية،‭ ‬الإسبانية،‭ ‬وحتى‭ ‬بعض‭ ‬اللغات‭ ‬الإفريقية‭. ‬ومع‭ ‬أولى‭ ‬دقائق‭ ‬2026،‭ ‬أضاءت‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية‭ ‬سماء‭ ‬طنجة،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬اختزل‭ ‬روح‭ ‬المدينة‭: ‬تنوع،‭ ‬وانفتاح،‭ ‬وفرح‭ ‬مشترك‭.‬

يقول‭ ‬أحمد‭ ‬ابن‭ ‬مدينة‭ ‬سطات،‭ ‬قرَّر‭ ‬قضاء‭ ‬عطلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬أن‭ ‬الجو‭ ‬كان‭ ‬خياليًّا‭ ‬وفاق‭ ‬كل‭ ‬التوقعات‭ ‬مفرقعات‭ ‬ليلا‭ ‬جعلتك‭ ‬تشعر‭ ‬وكأنك‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬أوربية‭ ‬سياح‭ ‬مغاربة‭ ‬وأفارقة‭ ‬وأجانب،‭ ‬تعايش‭ ‬جميل‭ ‬بلور‭ ‬فكرة‭ ‬طنجة‭ ‬ملتقى‭ ‬الثقافات‭.‬

فخلال‭ ‬ليلة‭ ‬طنجة،‭ ‬لم‭ ‬نشهد‭ ‬مشاهد‭ ‬صادمة‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬المغرب‭ ‬ومعها‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬جل‭ ‬المستويات،‭ ‬اليوم‭ ‬نحن‭ ‬فخورون‭ ‬بطنجة‭ ‬وببلادنا‭ ‬المغرب‭ ‬تحت‭ ‬القيادة‭ ‬الرشيدة‭ ‬لصاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬نصره‭ ‬الله‭ ‬وأيده‭.‬

وعند‭ ‬مقارنة‭ ‬طنجة‭ ‬بمدن‭ ‬مغربية‭ ‬أخرى،‭ ‬خلال‭ ‬احتفالات‭ ‬رأس‭ ‬السنة،‭ ‬يبرز‭ ‬اختلاف‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬المقاربة،‭ ‬ففي‭ ‬مراكش،‭ ‬يطغى‭ ‬الطابع‭ ‬السياحي‭ ‬الفاخر،‭ ‬حيث‭ ‬تتركّز‭ ‬الاحتفالات‭ ‬داخل‭ ‬الفنادق‭ ‬والمنتجعات‭ ‬المصنفة،‭ ‬وتوجَّه‭ ‬أساسًا‭ ‬للسياح‭ ‬الأجانب‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬فتظل‭ ‬الاحتفالات‭ ‬مشتتة،‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الطابع‭ ‬الليلي‭ ‬التجاري،‭ ‬مع‭ ‬حضور‭ ‬محدود‭ ‬للفضاء‭ ‬العام،‭ ‬طنجة،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تقدم‭ ‬نموذجًا‭ ‬مختلفًا،‭ ‬حيث‭ ‬يتقاسم‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬دور‭ ‬الاحتفال،‭ ‬ويشارك‭ ‬فيه‭ ‬السكان‭ ‬المحليون‭ ‬والسياح‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يجعل‭ ‬طنجة‭ ‬أقرب،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الروح،‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬متوسطيّة‭ ‬مثل‭ ‬برشلونة‭ ‬أو‭ ‬مرسيليا،‭ ‬حيث‭ ‬يشكل‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬الاحتفال،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬تتميّز‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المدن‭ ‬بعمقها‭ ‬الإفريقي‭ ‬الواضح،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬باستنساخ‭ ‬نماذج‭ ‬متوسطية،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيلها‭ ‬وفق‭ ‬خصوصيتها‭ ‬الثقافية‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬تشكل‭ ‬فترة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬رافعة‭ ‬حقيقية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬المحلين،‭ ‬فإلى‭ ‬جانب‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬الإشغال‭ ‬الفندقي،‭ ‬تعرف‭ ‬قطاعات‭ ‬المطاعم،‭ ‬النقل،‭ ‬التجارة‭ ‬التقليدية،‭ ‬والخِدْمات‭ ‬انتعاشًا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬مهنيون‭ ‬يؤكدون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬شغل‭ ‬مؤقتة،‭ ‬وتنعكس‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬مداخيل‭ ‬عددٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأسر‭.‬

ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬2026‭ ‬بطنجة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إذن‭ ‬مجرد‭ ‬احتفال‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬كاشفة‭ ‬لتحول‭ ‬أعمق‭ ‬تعيشه‭ ‬المدينة،‭ ‬فطنجة‭ ‬أو‭ ‬طنجيس‭ ‬أو‭ ‬طنجى‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تُسمّى‭ ‬قديمًا،‭ ‬تعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬عمقها‭ ‬الإفريقي،‭ ‬وتستثمر‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬وتراكم‭ ‬خبرة‭ ‬حضرية‭ ‬تجعلها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬لحظات‭ ‬جماعية‭ ‬كبرى‭ ‬دون‭ ‬فقدان‭ ‬روحها‭.‬

وفي‭ ‬زمن‭ ‬تتشابه‭ ‬فيه‭ ‬المدن‭ ‬وتتشابه‭ ‬احتفالاتها،‭ ‬اختارت‭ ‬طنجة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مختلفة،‭ ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬التنوع‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‭ ‬مصدر‭ ‬قوّة‭ ‬وجمال،‭ ‬وهي‭ ‬إشارة‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬سخرت‭ ‬جل‭ ‬إمكانياتها‭ ‬لتبهر‭ ‬جل‭ ‬زوارها‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مدن‭ ‬العالم‭ ‬كوجهة‭ ‬سياحية‭ ‬متميزة،‭ ‬كما‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تُلهم‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬المغاربة‭ ‬والأجانب‭ ‬ومن‭ ‬مختلف‭ ‬الجنسيات‭ ‬والقارات،‭ ‬لكي‭ ‬يستثمروا‭ ‬في‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬قطب‭ ‬اقتصادي‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬ليس‭ ‬بالهين،‭ ‬فالقليل‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬السياحة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والاستثمار،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬روحها‭ ‬وهويتها‭ ‬التاريخية‭ ‬الضاربة‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تبرز‭ ‬للعالم‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬الساحرة‭ ‬سوف‭ ‬تتألق‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬والمنافسات‭ ‬القارية‭ ‬والعالمية‭ ‬القبلة‭.‬

Exit mobile version