سياسة
طنجة تستبق صافرة البداية.. الحـــمــلــة الانتخابية تبدأ قبـل أوانـها

مع اقتراب موعد الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية المقبلة، بدأت مدينة طنجة تشهد حركية سياسية لافتة، تظهر بعض ملامحها في شبكات التواصل الاجتماعي، كما في عددٍ من اللقاءات والتجمعات الصغيرة، التي ينظمها بعض الفاعلين السياسيين وأنصارُهم. وبينما يمكن وضع جزءٍ من هذه التحركات في خانة التواصل السياسي العادي، فإنَّ بعضَها الآخر يقترب بوضوح من أجواء الحملة الانتخابية، رغم أن موعدها الرسمي لم يحن بعد.
وتتجلَّى هذه الممارسات في أشكال متعدّدة؛ من خلال نشر صور وفيديوهات لخرجات ميدانية، وتكثيف الظهور وسط المواطنين، وتقديم أنشطة ومبادرات تحمل في بعض الأحيان رسائل سياسية وانتخابية، إلى جانب ترويج مضامين مرتبطة بأسماء بعض الفاعلين المقبلين على خوض الاستحقاق. وقد تتمُّ بعض هذه الممارسات بوعي كامل بطبيعتها، بينما قد تحدث أخرى بشكل عفوي أو من دون إدراك كافٍ للحدود التي تفصل بين النشاط السياسي المشروع والدعاية الانتخابية السابقة لأوانها.
لكنَّ اختلاف النيَّات لا يلغي ضرورة الانتباه إلى طبيعة الممارسة وتوقيتها. فحين يتكرر الظهور السياسي لشخص معين، وتصبح صوره وأنشطته حاضرة بصورة مكثفة في الفضاءين الواقعي والرقمي، فإنَّ الأمر قد يتجاوز مجرد التواصل مع المواطنين، خصوصًا عندما يكون مرتبطًا بشكل مباشر أو غير مباشر بالاستحقاق الانتخابي المرتقب.
وتزداد حساسية المسألة في ظل الدور الكبير الذي أصبحت تُؤدّيه شبكات التواصل الاجتماعي في صناعة الصورة السياسية. فاليوم لم تعد الدعاية مرتبطة فقط بالتجمعات الانتخابية واللقاءات المباشرة، بل أصبح منشور أو مقطع فيديو قادرًا على الوصول إلى آلاف المواطنين في وقت قصير. وهذا الواقع يفرض على الفاعلين السياسيين وأنصارهم قدرًا أكبر من الحذر، حتى لا تتحوّل المنصات الرقمية إلى وسيلة لاستباق الموعد الرسمي للحملة.
المشكل، في هذه الحالة، لا يتعلق بمن يحق له ممارسة السياسة ومن لا يحق له ذلك، ولا بمنع السياسيين من التواصل مع المواطنين، فالتواصل جزءٌ أساسيٌّ من الحياة الديمقراطية. وإنما يتعلق بالحدود التي ينبغي احترامها حتى لا يتحول التواصل إلى ترويج انتخابي يمنح بعض المتنافسين حضورًا مبكرًا وامتيازًا زمنيًّا على حساب آخرين اختاروا الالتزام بالقواعد وانتظار موعد الحملة الرسمية.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الانتخابات تعتمد “قبل كل شيء” على مبدأ المنافسة المتكافئة. فإذا بدأ بعض المرشحين في بناء حضورهم الانتخابي قبل الموعد المحدد، فقد يجد آخرون أنفسهم أمام ضغط مماثل للانخراط في السباق المبكر، حتى وإن كانوا يفضلون احترام القواعد. وهكذا يمكن أن تتحوّل الممارسات الفردية، مع مرور الوقت، إلى ظاهرة جماعية يصعب ضبطها.
وفي مدينة بحجم طنجة، حيث يعرف المشهد السياسي تنافسًا قويًّا وتعددية في الفاعلين، يصبح احترام قواعد المنافسة أكثر أهميةً. فالانتخابات ليست مجرد مناسبة للحصول على الأصوات، وإنما محطة ديمقراطية يفترض أن يتنافس فيها المرشحون وفق شروط واضحة، وأن يقدم كل طرف برنامجه وتصوّراته في الوقت المحدد، حتى يكون المواطن قادرًا على المقارنة والاختيار بعيدًا عن تأثير السباق المبكر.
ومن هذا المنطلق، فإنّ التعامل مع الحملة السابقة لأوانها لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتشهير أو تصفية الحسابات السياسية. المطلوب هو تطبيق واضح ومتوازن للقواعد على الجميع، بعيدًا عن الانتقائية أو استهداف جهة دون أخرى. فوضوح المعايير وحده كفيل بإعطاء المتنافسين الإحساس بأنّهم يخوضون سباقًا عادلًا، كما يعزز ثقة الناخب في العملية الانتخابية.
وتتحمّل الأحزاب السياسية مسؤولية أساسية في هذا المجال، من خلال تأطير مناضليها وأنصارها وتنبيههم إلى ضرورة احترام الضوابط المرتبطة بالاستحقاق الانتخابي. فالعمل الحزبي لا يقتصر على الدفاع عن المرشح، وإنّما يشمل أيضًا احترام قواعد المنافسة والحفاظ على صورة المؤسسة السياسية ومصداقيتها.
كما أنَّ المواطنين بدورهم أصبحوا أكثر قدرةً على التمييز بين العمل السياسي الحقيقي والدعاية التي تتّخذ أشكالًا مختلفة. لكنَّ وعي الناخب لا يمكن أن يكون بديلًا عن مسؤولية المرشح والحزب؛ لأن نزاهة العملية الانتخابية مسؤولية مشتركة تبدأ من احترام القواعد قبل الوصول إلى يوم الاقتراع.
والأهم أن النقاش حول هذا الموضوع ينبغي ألا يطغى على القضايا الحقيقية التي ينتظر المواطن الطنجاوي أن يسمع حولها أجوبة واضحة من المرشحين. فالمواطن يريد معرفة البرامج المتعلقة بالتشغيل والاستثمار والنقل والسكن والبيئة والخدمات العمومية والتنمية، ويريد أن يعرف ما الذي يستطيع ممثلوه المحتملون أن يقدموه فعلًا داخل المؤسسة التشريعية.
ولهذا، فإن أفضل وسيلة لكسب ثقة الناخبين لا تكمن في كثرة الظهور قبل الموعد، ولا في تكثيف الصور والمنشورات، وإنّما في تقديم أفكار واضحة وبرامج قابلة للنقاش، ثم ترك المواطن يقرر في الوقت الذي يحدده القانون.
إن الفترة التي تسبق الحملة الرسمية ليست فراغًا سياسيًّا، لكنّها “في الوقت نفسه” ليست مجالًا مفتوحًا للدعاية الانتخابية. وهي مرحلة يفترض أن يستعد خلالها المرشحون والأحزاب للاستحقاق المقبل، وأن يهيئوا برامجهم وخطابهم، دون تحويل كل نشاط اجتماعي أو تواصلي إلى مناسبة للترويج الانتخابي.
ومن هنا، فإن ما يلاحظ في طنجة من بعض الخرجات، التي تحمل ملامح انتخابية قبل موعدها يستحق الانتباه، ليس من باب التضييق على النشاط السياسي، وإنّما من باب حماية قواعد المنافسة.