سياسة

طنجة «بقرة حلوب» اقتصاديا وقزم انتخابيا.. هل تنصف الاستحقاقات الانتخابية المقبلة عاصمة البوغاز؟

لا‭ ‬يكاد‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ -‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭- ‬المحرك‭ ‬النابض‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬والواجهة‭ ‬الدولية‭ ‬للمغرب‭ ‬الحداثي،‭ ‬لكن،‭ ‬وخلف‭ ‬بريق‭ ‬‮«‬طنجة‭ ‬المتوسط‮»‬‭ ‬وصخب‭ ‬المصانع‭ ‬الكبرى،‭ ‬تبرز‭ ‬مفارقة‭ ‬تُثير‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬الصالونات‭ ‬السياسية‭ ‬والمقاهي‭ ‬الشعبية‭ ‬بالمدينة‭: ‬كيف‭ ‬لقطب‭ ‬حضري‭ ‬يضمُّ‭ ‬أزيدَ‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬ونصف‭ ‬المليون‭ ‬نسمة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يُحشر‮»‬‭ ‬انتخابيًّا‭ ‬في‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد‭ ‬برلمانية‭ ‬فقط؟

المتأمل‭ ‬في‭ ‬الخريطة‭ ‬الانتخابية‭ ‬الحالية‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬تعيش‭ ‬حيفًا‭ ‬‮«‬رقميًّا‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقبولًا‭. ‬فبينما‭ ‬تضاعف‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬المدينة،‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬بفعل‭ ‬الهجرة‭ ‬الوافدة‭ ‬والنمو‭ ‬الديموغرافي‭ ‬المتسارع،‭ ‬ظل‭ ‬نصيبُها‭ ‬من‭ ‬كعكة‭ ‬القبة‭ ‬التشريعية‭ ‬جامدًا‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬مختلة؛‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬النائب‭ ‬البرلماني‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة‭ ‬نفسه‭ ‬مسؤولًا‭ ‬عن‭ ‬تمثيل‭ ‬كتلة‭ ‬ناخبة‭ ‬تفوق‭ ‬بمرات‭ ‬مثيلاتها‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬أخرى،‭ ‬مما‭ ‬يضعف‭ ‬جودة‭ ‬الترافع‭ ‬السياسي‭ ‬ويجعل‭ ‬صوت‭ ‬‮«‬الطنجاويين‮»‬‭ ‬خافتًا‭ ‬في‭ ‬الرباط‭ ‬مقارنة‭ ‬بوزنهم‭ ‬الاقتصادي‭.‬

‮«‬إن‭ ‬حصر‭ ‬تمثيلية‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬رقم،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تقزيم‭ ‬للدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مستقبل‭ ‬المغرب‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭.‬

مصادر‭ ‬‮«‬لاديبيش‮»‬‭ ‬أكَّدت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تململًا‭ ‬وسط‭ ‬الفعاليات‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية‭ ‬بالمدينة،‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬ترفع‭ ‬صوتها‭ ‬للمطالبة‭ ‬بـ«إنصاف‭ ‬ترابي‮»‬‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لعروس‭ ‬الشمال،‭ ‬فالأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بـ«ريع‭ ‬انتخابي‮»‬‭ ‬لفائدة‭ ‬الأحزاب،‭ ‬بل‭ ‬بضرورة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬تفرضها‭ ‬العدالة‭ ‬المجالية‭.‬

طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬الهادئة؛‭ ‬إنَّها‭ ‬أوراش‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وتحديات‭ ‬اجتماعية‭ ‬معقدة،‭ ‬وضغط‭ ‬رهيب‭ ‬على‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية،‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬جيش‮»‬‭ ‬من‭ ‬البرلمانيين‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬انتزاع‭ ‬الميزانيات‭ ‬ومراقبة‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬المنطقة‭.‬

يتساءل‭ ‬كثيرون‭ ‬عن‭ ‬خلفيات‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬البلوكاج‮»‬‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬المقاعد‭. ‬هل‭ ‬تتخوَّف‭ ‬الجهات‭ ‬المركزية‭ ‬من‭ ‬تقوية‭ ‬شوكة‭ ‬‮«‬القطب‭ ‬الشمالي‮»‬؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الحسابات‭ ‬الحزبية‭ ‬الضيقة‭ ‬تخشى‭ ‬ضياع‭ ‬مقاعد‭ ‬‮«‬مضمونة‮»‬‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬إعادة‭ ‬التقطيع؟‭ ‬الحقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬يغذي‭ ‬الشعور‭ ‬بـ«الإقصاء‮»‬‭ ‬وسط‭ ‬النخب‭ ‬المحلية،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬الهُوة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التمثيلية‭. ‬إن‭ ‬مراجعة‭ ‬القوانين‭ ‬الانتخابية‭ ‬المقبلة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬‮«‬الحالة‭ ‬الطنجاوية‮»‬‭ ‬على‭ ‬مشرحة‭ ‬التشريح‭.‬

فالمدينة‭ ‬التي‭ ‬تدر‭ ‬الملايير‭ ‬على‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭ ‬وتستقطب‭ ‬كبريات‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬‮«‬قزمًا‮»‬‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭. ‬طنجة‭ ‬تستحق‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد؛‭ ‬تستحق‭ ‬صوتا‭ ‬يوازي‭ ‬حجم‭ ‬أحلامها‭ ‬وتطلعات‭ ‬سكانها‭.‬

Exit mobile version