سياسة
طنجة بعد ثلاثين يومًا من الانتخابات.. جدل الخروقات يضع الثقة الديمقراطية أمام اختبار صعب

طعون انتخابية وواقــعـــــة أوراق التصــويت وأســـئلة معلقة حول نزاهة الاقــتــــراع.. هل تنجح المؤسسات في تبديد الشكوك أم تتّسع الهوة بين المواطن والسياسة؟
ثلاثون يومًا مرَّت على الانتخابات التشريعية التي شهدتها مدينة طنجة يوم 23 شتنبر الماضي، لكن الجدل الذي رافق العملية الانتخابية لم ينتهِ بإعلان النتائج النهائية، ولم تنجح الأرقام الرسمية وحدها في وضع حد للأسئلة التي أثارتها الوقائع المتداولة بشأن ظروف الاقتراع. وبينما كان المنتظر أن تنصرف الأنظار إلى البرامج الانتخابية والرهانات التنموية التي تنتظر المدينة، عاد النقاش إلى نزاهة العملية الانتخابية، وحدود المسؤولية السياسية، ومدى قدرة المؤسسات على صيانة ثقة المواطنين في صناديق الاقتراع.
لم تعد القضية، في نظر متابعين للشأن المحلي، مرتبطة فقط بمن فاز ومن خسر، أو بعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، بل تجاوزت ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن إقناع المواطن بأن صوته يشكل أساسًا حقيقيًّا للاختيار الديمقراطي، عندما تظل بعض الوقائع المرتبطة بالانتخابات موضوع جدل سياسي وقضائي حتى بعد مرور شهر على الاقتراع؟
في طنجة، اكتسب هذا السؤال أهمية إضافية بسبب الجدل الذي أثارته واقعة الأوراق الانتخابية التي أصبحت موضوع متابعة قضائية، وما تبعها من نقاش بشأن سلامة الإجراءات المرتبطة بالتعامل مع وثائق التصويت. كما زادت الطعون المرفوعة أمام المحكمة الدستورية من حالة الترقب، بعدما انتقل الخلاف من مستوى الاتّهامات والتصريحات السياسية إلى مستوى المنازعة القانونية في نتائج الاقتراع.
وبينما يظلُّ الحسم في الوقائع المعروضة على القضاء من اختصاص الجهات القضائية المختصة، فإنَّ الأثر السياسي لهذه القضية لا ينتظر بالضرورة صدور الأحكام. فالثقة الانتخابية تتشكَّل قبل الاقتراع وفي أثنائه وبعده، وتتأثّر بما يراه المواطن من وضوح في الإجراءات، وشفافية في تدبير المنافسة، وسرعة في توضيح الملابسات، ومساواة في تطبيق القانون على الجميع.
إن ما تعيشه طنجة اليوم يضع المدينة أمام اختبار مزدوج: اختبار قانوني يتعلّق بمدى سلامة العملية الانتخابية وصحة النتائج المعلنة، واختبار سياسي وأخلاقي يتعلق بقدرة الفاعلين والمؤسسات على التعامل مع الشكوك بمسؤولية، بعيدًا عن منطق التبرير الحزبي أو تصفية الحسابات أو إصدار الأحكام المسبقة.
*من صناديق الاقتراع إلى أروقة القضاء.. الانتخابات لم تطوِ صفحتها بعد
أُجريت الانتخابات التشريعية في المغرب يوم 23 شتنبر 2026، وأعلنت السلطات المختصة النتائج النهائية بعد انتهاء عمليات الفرز وإعداد المحاضر الرسمية. وأكَّدت وزارة الداخلية، في بلاغ نشرته البوابة الرسمية للمملكة، تطابق النتائج النهائية التي أعلنتها اللجان المختصة مع النتائج العامة المؤقتة التي سبق الإعلان عنها.
لكنَّ الإعلان عن النتائج النهائية لم يضع حدًا للمنازعات المرتبطة بدائرة طنجة-أصيلة، التي أصبحت واحدة من الدوائر التي استقطبت اهتمامًا إعلاميًّا وسياسيًّا بسبب الطعون المُقدّمة بشأن نتائجها والجدل المرتبط بواقعة الأوراق الانتخابية.
وقد أفادت تقارير صحفية، خلال شهر أكتوبر الجاري، بوصول الطعون إلى المحكمة الدستورية، مع ورود معطيات عن منازعة انتخابية تشمل مقاعد فازت بها أحزاب مختلفة بالدائرة. كما نشرت وسائل إعلام محلية تفاصيل عن طعن تقدم به عمر بنعجيبة، وكيل لائحة تحالف اليسار، طالب من خلاله بإلغاء نتائج الاقتراع بالدائرة وإبطال ما أسفر عنه، استنادًا إلى ما اعتبره خروقات تستوجب المراجعة القضائية.
وتبقى هذه المطالب والدفوع جزءًا من ملفات معروضة على القضاء، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها أحكامًا نهائية تثبت وقوع المخالفات أو تحدد المسؤوليات. فالتقدُّم بطعن انتخابي حق قانوني، أما تقدير حججه وآثاره في صحة الانتخاب فيعود إلى المحكمة الدستورية وَفْقًا للقواعد المنظمة للمنازعات الانتخابية.
ومع ذلك، فإنَّ استمرار هذه الملفات في الواجهة يعكس أن المعركة الانتخابية في طنجة لم تنتهِ سياسيًّا بمجرد إعلان النتائج، بل دخلت مرحلة جديدة تتحدد معالمها وفق ما ستكشف عنه الوثائق والمحاضر والدفوع التي يتضمنها كل ملف.
لقد كان يفترض أن يشكل الإعلان عن النتائج بداية مرحلة جديدة من التنافس بشأن البرامج والسياسات العمومية، لكن الجدل حول نزاهة الاقتراع أعاد ترتيب الأولويات. وأصبحت الأسئلة المتعلقة بسلامة العملية الانتخابية تتقدّم على النقاش بشأن الوعود التي قدمها المرشحون، وعلى طبيعة المشاريع التي ينتظرها سكان المدينة في مجالات التشغيل والنقل والتجهيزات الأساسية والتنمية الحضرية.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية: فالمؤسسات المنتخبة تحتاج إلى شرعية قانونية تستند إلى النتائج المعلنة، لكنها تحتاج أيضًا إلى مناخ من الثقة يسمح للمواطنين بالتعامل معها باعتبارها تعبيرًا عن إرادتهم السياسية. وبين الشرعية القانونية والثقة المجتمعية مسافة لا يمكن اختزالها في محضر انتخابي أو إعلان رسمي، بل تتطلب وضوحًا ومصداقية وقدرة على تقديم أجوبة مقنعة عن الأسئلة المطروحة.
*الطعون الانتخابية.. المحكمة الدستورية في قلب المشهد
مع اقتراب نهاية الأجل القانوني لتقديم الطعون في نتائج انتخابات 23 شتنبر، انتقل جزءٌ مُهمٌّ من الصراع السياسي في طنجة إلى المحكمة الدستورية. وأصبحت الملفات المعروضة عليها محط اهتمام الفاعلين الحزبيين والمرشحين والناخبين، بالنظر إلى ما قد يترتب عن قراراتها من آثار على صحة انتخاب بعض النواب.
وقد تحدثت تقارير إعلامية عن طعون تستهدف مقاعد برلمانية فازت بها أحزاب الاستقلال والحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، فيما تناولت تقارير أخرى مطالب أوسع مرتبطة بنتائج الدائرة. وتختلف نطاقات الطعون ومطالب أصحابها من ملف إلى آخر، لذلك لا ينبغي جمعها في ملف واحد أو افتراض أنّها تستند جميعها إلى الوقائع نفسها.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنّ الطعن الانتخابي ليس مجرد اعتراض سياسي على النتيجة، بل مسطرة قانونية تستلزم تقديم حجج ووقائع ووثائق يمكن للمحكمة فحصها في ضوء القانون. ولا يكفي أن يعلن حزب أو مرشح وجود خروقات حتَّى تصبح النتائج قابلة للإلغاء تلقائيًّا؛ كما لا يكفي إعلان النتائج رسميًّا لإغلاق باب المراجعة القضائية التي يضمنها القانون.
ومن الناحية العملية، تتيح المنازعة الانتخابية للجهة المختصة النظر في مدى احترام القواعد المنظمة للاقتراع، وتقدير ما إذا كانت الوقائع المثارة ثابتة، وما إذا كانت ذات طبيعة يمكن أن تُؤثّر في صحة الانتخاب وفق المعايير القانونية المعمول بها.
وبالتالي، فإنَّ القرارات المرتقبة لن تكون مجرد جواب عن سؤال من سيحتفظ بمقعده البرلماني، بل ستُشكّل أيضًا محطة لتحديد مدى سلامة الإجراءات التي أصبحت موضع نزاع، في حدود كل ملف وما يتضمنه من حجج.
وتزداد أهمية هذه المرحلة بالنظر إلى التباين بين ما يمكن أن يترتب عن الطعون من نتائج قانونية، وما قد تثيره من تداعيات سياسية وإعلامية. فقرار بتثبيت النتائج، إذا صدر، سيحسم النزاع في حدود ما تنظر فيه المحكمة، لكنه لن يعفي الفاعلين من مسؤولية معالجة أسباب الشكوك التي يمكن أن تكون قد ترسخت لدى جزء من الرأي العام. وفي المقابل، فإنَّ إلغاء انتخاب مترشح أو اتِّخاذ قرار يغير الوضع الانتخابي سيطرح أسئلة إضافية بشأن المسؤوليات السياسية والإدارية، وحدود أثر المخالفات التي يثبتها القضاء.
والأهم أن أي قرار يجب أن يُقرأ في ضوء منطوقه وأسبابه القانونية، لا وفق ما قد تسارع بعض الأطراف إلى استخلاصه من دلالات سياسية أوسع. فالأحكام القضائية ليست أدوات لتصفية الحسابات الحزبية، وإنَّما وسيلة لتطبيق القانون وحماية الحقوق وضمان احترام القواعد التي تقوم عليها العملية الانتخابية.
إنَّ المحكمة الدستورية، في هذه المرحلة، لا تواجه فقط ملفات متنافسين حول مقاعد برلمانية، بل تنظر في منازعات تتصل بواحدة من أهم ضمانات التمثيل الديمقراطي، وهي خضوع النتائج الانتخابية للمراجعة القضائية وفق مساطر محددة. ولذلك، فإنَّ احترام استقلالية القضاء وترك المجال أمامه لدراسة الملفات دون ضغط أو أحكام مسبقة يمثلان جزءًا من مسؤولية جميع الأطراف المعنية.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن تتعامل الأحزاب مع هذه المرحلة باعتبارها اختبارًا لاحترام المؤسسات، لا فرصة لتوسيع دائرة الاتِّهامات أو استباق القرارات. فالمنافسة السياسية المشروعة تقتضي الدفاع عن الحقوق القانونية، لكنها تقتضي أيضًا قبول نتائج المساطر المختصة والتعامل معها في إطار المؤسسات.
*هل استفاد حزب العدالة والتنمية من الجدل الانتخابي؟
وسط هذا المناخ، يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: هل أسهمت الوقائع التي أحاطت بالعملية الانتخابية في تعزيز موقع حزب العدالة والتنمية، مقارنة بباقي الأحزاب المتنافسة، أم أنَّ النتائج تعكس عوامل أخرى تتعلق باختيارات الناخبين وطبيعة المنافسة داخل الدائرة؟
إنَّ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين الاستفادة السياسية المحتملة من ظرف انتخابي معين، وبين ثبوت أي علاقة بين حزب بعينه وبين المخالفات موضوع البحث. فكون حزب ما قد حقق نتيجة انتخابية معينة لا يعني، في حد ذاته، أنه استفاد من تجاوزات أو شارك فيها، كما أنَّ عدم ورود اسمه ضمن بعض الطعون المعلن عنها لا يشكل حكمًا عامًا بشأن نزاهة جميع مراحل المنافسة.
وكان عمر بنعجيبة، وكيل لائحة تحالف اليسار، قد أعلن، وفق ما نقلته الصحافة خلال أكتوبر الجاري، عزمه الطعن في نتائج انتخاب عددٍ من المرشحين الفائزين، مع استثناء مرشح حزب العدالة والتنمية من الطعون التي تحدث عنها في ذلك التصريح. ويظل هذا المعطى مرتبطًا بموقف صاحب الطعن ونطاقه، ولا يكفي وحده لتحديد ما إذا كان الحزب قد استفاد فعليًّا من الاختلالات المثارة أو لتفسير أسباب حصوله على أصوات الناخبين.
ومن هنا، فإنَّ السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن استفاد من الأزمة، بل بما إذا كانت هذه الأزمة ستدفع الأحزاب إلى مراجعة أساليب اشتغالها، وتطوير آليات مراقبة الحملات الانتخابية، وتقديم ضمانات أكثر وضوحًا بشأن احترام قواعد المنافسة.
*ثقة المواطن.. الخاسر الذي لا يظهر في محاضر النتائج
بعيدًا عن الحسابات الحزبية والمقاعد البرلمانية، تبقى الثقة واحدة من أبرز القضايا التي يثيرها الجدل الانتخابي في طنجة؛ فالمواطن الذي يتابع أخبار الطعون والاتِّهامات لا ينظر بالضرورة إلى كل تفصيل من زاوية قانونية دقيقة، لكنه ينتظر من المؤسسات أن تضمن له أن صوته لم يتحوّل إلى مجرد رقم داخل منافسة لا يفهم جميع ملابساتها.
وتنشأ الثقة السياسية تدريجيًّا، من خلال تجربة المواطن مع الانتخابات والمنتخبين والإدارة والمؤسسات. وهي لا تتوقف عند يوم التصويت، بل ترتبط بما يلاحظه الناخب من احترام للقواعد، ومساواة بين المرشحين، وقدرة على تقديم المعلومات، ووضوح في معالجة الشكاوى.
وعندما تصبح الانتخابات موضوعًا متكررًا للجدل، قد يتولد لدى بعض المواطنين شعور بأن التنافس السياسي لا يدور دائمًا حول البرامج والكفاءات، بل قد تحكمه عوامل أخرى تحتاج إلى توضيح ومراقبة. ولا يعني ذلك أن جميع الناخبين يتبنون هذا الانطباع، أو أنَّ المشاركة السياسية فقدت معناها، لكنه احتمال اجتماعي يستحق الدراسة، خصوصًا في المدن التي تشهد منافسة سياسية قوية وتنتظر من ممثليها حلولًا ملموسة لمشكلاتها اليومية.
وفي طنجة، تتقاطع هذه التساؤلات مع رهاناتٍ حضرية واقتصادية واجتماعية كبيرة؛ فالمدينة التي تحتل موقعًا مهمًا في النشاط الصناعي واللوجستيكي والسياحي تحتاج إلى مؤسسات تمثيلية قادرة على التعبير عن أولويات سكانها، وربط السياسات العمومية بحاجاتهم الفعلية، ومتابعة ملفات التشغيل والنقل والسكن والتجهيزات والخِدْمات.
ولذلك، فإنَّ الجدل الانتخابي قد ينعكس على صورة المؤسسات المنتخبة، لا لأنَّ كل منتخب مسؤول تلقائيًّا عن الوقائع المتداولة، بل لأنَّ المواطن يميل أحيانًا إلى تقييم المشهد السياسي ككلّ، خصوصًا عندما يصعب عليه التمييز بين المسؤوليات الفردية والحزبية والمؤسساتية.
وقد تتجسَّد هذه المسافة في تراجع الاهتمام بالنقاشات السياسية، أو في التشكيك في جدوى المشاركة، أو في مطالبة المنتخبين بتقديم أجوبة واضحة قبل الانتقال إلى الوعود الجديدة. لكن إثبات أنَّ الثقة تراجعت فعلًا، أو تحديد حجم هذا التراجع، يحتاج إلى استطلاعات رأي أو معطيات ميدانية موثوقة، لا إلى الاكتفاء بالانطباعات العامة.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام والمجتمع المدني والهيئات السياسية في توسيع النقاش العام، وتقديم المعلومات الدقيقة، والاستماع إلى المواطنين بمختلف فئاتهم. فالرأي العام ليس كتلة واحدة، ولا يجوز افتراض أن جميع سكان طنجة ينظرون إلى الانتخابات بالطريقة نفسها، أو أنهم يحملون الموقف ذاته من الأحزاب والمنتخبين.
وقد يكون من المفيد، في هذا السياق، تنظيم لقاءات استماع محلية، وإجراء استطلاعات مستقلة عن أسباب المشاركة أو العزوف، ومدى اطلاع المواطنين على البرامج الانتخابية، ومستوى ثقتهم في المؤسسات، وتصوراتهم بشأن نزاهة المنافسة. فمثل هذه المعطيات تتيح الانتقال من الحديث العام عن أزمة الثقة إلى تشخيص أكثر دقّةً للأسباب والحلول.
إن الثقة لا تُستعاد بالشعارات وحدها، بل بتراكم الممارسات التي يشعر المواطن من خلالها بأن صوته مسموع، وأن حقوقه محفوظة، وأن المؤسسات قادرة على تصحيح الاختلالات متى ثبتت، من دون انتقائية أو تمييز.
*طنجة وصورتها السياسية.. بين المدينة الصاعدة والجدل الانتخابي
تحمل طنجة رمزية اقتصادية وعمرانية مهمة، بالنظر إلى التحولات التي عرفتها خلال السنوات الماضية، وما تضطلع به من أدوار في مجالات الصناعة والنقل والتجارة والسياحة، لكن صورة المدن لا تتشكل بالبنيات التحتية والاستثمارات وحدها، بل تتأثر كذلك بجودة مؤسساتها، ومستوى الثقة في تدبير الشأن العام، ومدى احترام قواعد المنافسة السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ استمرار الجدل بشأن الانتخابات قد يشكل عبئًا على الصورة السياسية للمدينة، خصوصًا إذا لم تصاحبه معلومات واضحة بشأن الوقائع المثارة والمسارات القانونية الجارية. ولا يتعلق الأمر بإصدار حكم عام على طنجة أو على مؤسساتها، بل بالإشارة إلى أنَّ سمعة أي مدينة تتأثر بقدرتها على إدارة الخلافات بشفافية، وتقديم أجوبة مؤسساتية تحظى بالمصداقية.
فالمدن التي تعرف تنافسًا سياسيًّا حادًا ليست بالضرورة مدنًا تعاني خللًا ديمقراطيًّا، كما أنَّ وجود الطعون لا يشكل “في حد ذاته” دليلًا على فشل الانتخابات. بل إنَّ اللجوء إلى القضاء يمثل إحدى الآليات القانونية المتاحة لتصحيح النتائج عندما تتوفر أسباب تستدعي ذلك. غير أنَّ أهمية هذه الآلية تتراجع في نظر الجمهور إذا تحولت الملفات إلى مجرد مادة للتراشق الحزبي، أو إذا غابت المعلومات التي تساعد على فهم ما يجري.
وما تحتاجه طنجة اليوم هو نقاش يتجاوز منطق الغلبة والهزيمة، ويعيد الاعتبار إلى مسؤولية الأحزاب في حماية قواعد التنافس. فالانتخابات ليست ملكًا للحزب الفائز وحده، كما أن الطعن في النتائج لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء إرادة الناخبين خارج المساطر القانونية.
إنَّ المسؤولية السياسية تقتضي من الأحزاب الفائزة أن تتعامل مع الأسئلة المطروحة بوضوح، وأن تؤكد استعدادها لاحترام قرارات القضاء، فيما تقتضي مسؤولية الأحزاب الطاعنة تقديم حجج دقيقة ومتماسكة، وتجنب إطلاق اتهامات تتجاوز ما تستطيع الوثائق إثباته.
أمَّا المؤسسات المعنية بتنظيم الانتخابات، فتظل مطالبة بالعمل وفق اختصاصاتها القانونية، وتوفير الوثائق التي يسمح القانون بالاطلاع عليها، وضمان احترام الإجراءات المنظمة للمنازعات الانتخابية. ويظل القضاء، في المقابل، الجهة المخولة للحسم في الملفات المعروضة عليه، وفق استقلاليته والضمانات القانونية المقررة.
إنَّ سمعة طنجة السياسية لن تتحدد فقط بما ستسفر عنه الطعون، بل أيضًا بكيفية تعامل الفاعلين مع نتائجها. فالاحترام الفعلي للمؤسسات يظهر عندما تكون القرارات غير متوافقة مع رغبات بعض الأطراف، ومع ذلك تُحترم في إطار القانون.
قد تنتهي المنازعات الانتخابية إلى تثبيت النتائج المعلنة، وقد تفضي، وفق ما يثبته كل ملف وما تقرره المحكمة، إلى إلغاء انتخاب بعض المترشحين أو اتخاذ قرارات أخرى ينص عليها القانون. وفي جميع الحالات، سيكون من الضروري قراءة الأحكام في حدود منطوقها وأسبابها، وعدم تحميلها استنتاجات لا تتضمنها.
فإذا انتهت المحكمة إلى تثبيت نتائج انتخابية مطعون فيها، فإن ذلك سيشكل حسمًا قضائيًّا في الملفات المعروضة عليها، لكنه لا يعني بالضرورة أنَّ جميع الأسئلة السياسية والاجتماعية التي أثارها الجدل ستختفي تلقائيًّا. وقد تظلُّ هناك حاجة إلى مراجعة الإجراءات التنظيمية وتعزيز التواصل المؤسساتي وتوضيح كيفية التعامل مع الوثائق الانتخابية.
أما إذا ترتب عن القرارات القضائية إلغاء نتائج أو تغيير الوضع الانتخابي لبعض المقاعد، فإنَّ ذلك سيضع الفاعلين أمام مسؤولية أكبر في تفسير أسباب القرار واحترام آثاره القانونية. كما سيطرح سؤالًا حول التدابير التي ينبغي اتخاذها لتفادي تكرار الوقائع التي ثبتت مخالفتها للقانون.
وفي الحالتين، لن يكون من المفيد التعامل مع القرار باعتباره انتصارًا نهائيًّا لطرف سياسي على آخر؛ لأنَّ الهدف الأساسي من الرقابة القضائية على الانتخابات هو ضمان احترام القواعد التي تنظم التمثيل الديمقراطي. فالقرار القضائي لا يمنح صكًا سياسيًّا مفتوحًا لأي حزب، ولا يسلب من باقي الأطراف حقها في ممارسة المعارضة والمساءلة في الحدود القانونية.
وتحتاج مرحلة ما بعد الطعون إلى مقاربة تتجاوز انتظار الأحكام. فالأحزاب مطالبة بإعادة تقييم ممارساتها الانتخابية، والهيئات المعنية بالتنظيم مطالبة باستخلاص الدروس من الوقائع التي ثبتت، والإعلام مطالب بتتبع المساطر ونشر المستجدات بدقة، فيما يظل المجتمع المدني معنيًّا بتعزيز التربية على المشاركة والمراقبة الديمقراطية.
ومن بين الأسئلة التي تستحق النقاش أيضًا مدى كفاية آليات المراقبة الميدانية للحملات الانتخابية، وسبل توثيق المخالفات المحتملة، ووضوح المساطر المتعلقة بالشكاوى، وإمكانية تعزيز التواصل بشأن الإجراءات التي تضمن سرية التصويت وسلامة الفرز وحفظ المحاضر.
كما تبرز أهمية تكوين المشاركين في مكاتب التصويت، وتوضيح مسؤوليات المتدخلين، والتأكُّد من احترام مسارات نقل الوثائق الانتخابية وحفظها، وفق الضوابط القانونية. ولا ينبغي انتظار وقوع أزمة حتى تصبح هذه الإجراءات موضوع اهتمام عام، بل يجب أن تكون جزءًا دائمًا من منظومة ضمان النزاهة.
وفي المقابل، فإن أي إصلاح ينبغي أن يستند إلى تقييم موضوعي للوقائع، لا إلى ردود فعل ظرفية أو رغبة في إرضاء طرف سياسي على حساب آخر؛ فالإصلاحات التي تعزز الثقة هي تلك التي تطبق على الجميع، وتقوم على قواعد واضحة وقابلة للمراقبة.
وإذا كانت الطعون الانتخابية تتيح مراجعة النتائج وفق القانون، فإن استعادة الثقة تحتاج إلى ما أوسع من ذلك: أحزاب تحترم قواعد المنافسة، ومؤسسات تتواصل بوضوح، وإعلام يميز بين الخبر والادعاء والتحليل، ومواطنون يجدون في المشاركة السياسية وسيلة للتأثير في القرارات التي تمس حياتهم اليومية.
كما أنَّ المسؤولية لا تقع على جهة واحدة. فالأحزاب مطالبة بتقديم نماذج في النزاهة والشفافية، والمرشحون مطالبون باحترام القانون، والمؤسسات مطالبة بتطبيق اختصاصاتها دون تمييز، والقضاء مطالب بالنظر في النزاعات باستقلالية، والإعلام مطالب بألا يحول الوقائع غير المحسومة إلى أحكام نهائية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المساطر القضائية، تظل طنجة أمام لحظة مفصلية في نقاشها السياسي المحلي. فإما أن تشكل هذه المرحلة مناسبة لتعزيز قواعد الشفافية والمساءلة وتوضيح المسؤوليات، وإما أن تستمر الأسئلة دون أجوبة كافية، بما يترك أثره على العلاقة بين المواطن والمنتخب.
فطنجة، بما تمثله من ثقل اقتصادي وحضري، تحتاج إلى مشهد سياسي يواكب طموحاتها التنموية، لا إلى خلافات تظل أسيرة الاتهامات المتبادلة. والطريق إلى ذلك يبدأ بكشف الحقيقة “في حدود ما تسمح به الأدلة والقرارات القضائية” ويمر باحترام القانون، وينتهي بإعادة الاعتبار إلى المواطن باعتباره صاحب الصوت الذي تمنح الانتخابات باسمه الشرعية للمؤسسات المنتخبة.