مجتمع

طنجة… بريق مدينة عالمية يجاوره صمت المتشردين قبيل كأس إفريقيا

في‭ ‬طنجة،‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬الأزقة‭ ‬برائحة‭ ‬البحر،‭ ‬ويتردّد‭ ‬فيها‭ ‬صدى‭ ‬ثلاث‭ ‬قارات،‭ ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬الحضري‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬لوحة‭ ‬فسيفسائية‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬فمنذ‭ ‬عقود،‭ ‬ارتبط‭ ‬اسم‭ ‬المدينة‭ ‬بالأساطير‭ ‬والشعراء‭ ‬والرحّالة،‭ ‬وصارت‭ ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬العالمي‭ ‬مدينة‭ ‬للتسامح‭ ‬والتعايش،‭ ‬وبوابة‭ ‬طبيعية‭ ‬لأوروبا‭ ‬لا‭ ‬يفصلها‭ ‬عنها‭ ‬سوى‭ ‬14‭ ‬كيلومترًا‭ ‬من‭ ‬مياه‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭.‬

طنجة‭ ‬فارس‭ ‬البوغاز،‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ ‬سياحية‭ ‬بامتياز،‭ ‬تحتضن‭ ‬تاريخًا‭ ‬متعدد‭ ‬الطبقات،‭ ‬وجغرافية‭ ‬ساحرة،‭ ‬ومشاريع‭ ‬حديثة‭ ‬عززت‭ ‬صورتها‭ ‬كواجهة‭ ‬متوسطية‭ ‬مشرقة،‭ ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬البريق،‭ ‬ينبثق‭ ‬واقع‭ ‬موازٍ‭ ‬أقل‭ ‬صخبًا،‭ ‬واقع‭ ‬المشردين‭ ‬الذين‭ ‬يشاركون‭ ‬المدينة‭ ‬أيامها‭ ‬ولياليها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتبه‭ ‬إليهم‭ ‬أحد،‭ ‬واقع‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والهجرة‭ ‬القروية،‭ ‬وتعقيدات‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ليرسم‭ ‬صورة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬قسوة‭ ‬عن‭ ‬قبح‭ ‬الشارع‭ ‬حين‭ ‬يطفئ‭ ‬البحر‭ ‬ضوءه‭.‬

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬استضافة‭ ‬المغرب‭ ‬لكأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬للأمم،‭ ‬تعود‭ ‬قضية‭ ‬المُشرّدين‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬وسط‭ ‬دعوات‭ ‬مدنية‭ ‬وحقوقية‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬برؤية‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬وإنسانية،‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بحلول‭ ‬ظرفية‭ ‬ترتبط‭ ‬بالمناسبات‭ ‬الكبرى‭.‬

في‭ ‬صباح‭ ‬بارد‭ ‬عند‭ ‬مدخل‭ ‬‮«‬بلاصا‭ ‬طورو‮»‬،‭ ‬تتوزع‭ ‬مجموعات‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬بين‭ ‬الأرصفة‭ ‬والحدائق‭ ‬المحاذية،‭ ‬البعض‭ ‬يتدثر‭ ‬بأغطية‭ ‬خفيفة‭ ‬أكلها‭ ‬الزمن،‭ ‬وآخرون‭ ‬يراقبون‭ ‬حركة‭ ‬المرور‭ ‬بنظرات‭ ‬معلقة،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬شيئًا‭ ‬ما‮…‬‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬جمعيات‭ ‬محلية،‭ ‬يتراوح‭ ‬عدد‭ ‬المشردين‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬بين‭ ‬مئات‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬تختلف‭ ‬ظروفهم‭ ‬لكن‭ ‬يجمعهم‭ ‬العوز‭ ‬وانقطاع‭ ‬الروابط‭ ‬الأسرية‭.‬

في‭ ‬حديث‭ ‬مع‭ ‬‮«‬يوسف‮»‬،‭ ‬شاب‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬27‭ ‬عامًا،‭ ‬تبدو‭ ‬تجربة‭ ‬الضياع‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬ملامحه‭:‬

‮«‬كنت‭ ‬أشتغل‭ ‬في‭ ‬ورشة‭ ‬نجارة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أفقد‭ ‬عملي‭. ‬جئت‭ ‬من‭ ‬نواحي‭ ‬العرائش‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬أفضل،‭ ‬لكن‭ ‬الأمور‭ ‬تعقدت،‭ ‬كنت‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬ستفتح‭ ‬لي‭ ‬أبوابها،‭ ‬لكنها‭ ‬فتحت‭ ‬لي‭ ‬الشارع‭ ‬فقط‮»‬‭.‬

يوسف‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬فريدة،‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬المشردين‭ ‬قدموا‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬وقرى‭ ‬مختلفة،‭ ‬تدفعهم‭ ‬ظروف‭ ‬قاسية‭ ‬أو‭ ‬خلافات‭ ‬عائلية‭ ‬أو‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬مدينة،‭ ‬يُنظر‭ ‬إليها‭ ‬كبوابة‭ ‬للأمل‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تضخم‭ ‬عدد‭ ‬الوافدين‭ ‬سنويًّا‭ ‬يفوق‭ ‬أحيانًا‭ ‬قدرة‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬البطالة،‭ ‬فيسقط‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬التشرّد‭.‬

على‭ ‬مقربة‭ ‬منه،‭ ‬جلست‭ ‬‮«‬مي‭ ‬فطيمة‮»‬،‭ ‬سيدة‭ ‬خمسينيّة‭ ‬فقدت‭ ‬زوجها‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬وحيدة‭ ‬وسط‭ ‬مدينة‭ ‬لم‭ ‬تعُد‭ ‬تتذكر‭ ‬من‭ ‬ملامحها‭ ‬سوى‭ ‬الضجيج‭. ‬تقول‭ ‬بعينين‭ ‬متعبتين‭: ‬‮«‬تعرفت‭ ‬على‭ ‬طنجة‭ ‬وأنا‭ ‬صغيرة‭. ‬كنت‭ ‬آتي‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬البيوت‮…‬‭ ‬اليوم‭ ‬أنام‭ ‬في‭ ‬الشارع‭. ‬لا‭ ‬مال‭ ‬عندي‭ ‬ولا‭ ‬قريب،‭ ‬والبرد‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬صبر‮»‬‭.‬

في‭ ‬شارع‭ ‬الميناء،‭ ‬حيث‭ ‬يختلط‭ ‬عبق‭ ‬المقاهي‭ ‬بروائح‭ ‬البحر،‭ ‬يروي‭ ‬أصحاب‭ ‬المحلات‭ ‬حكايات‭ ‬يومية‭ ‬عن‭ ‬المشردين‭ ‬الذين‭ ‬يلجؤون‭ ‬إلى‭ ‬زوايا‭ ‬الأبنية‭ ‬للاحتماء‭ ‬من‭ ‬الرياح‭.‬

يقول‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬الحميد‮»‬،‭ ‬صاحب‭ ‬محل‭ ‬تجاري‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬مزعجة‭ ‬أحيانًا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬الزبائن‭ ‬والسياح،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناس‭ ‬ضحايا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مشكلة‭. ‬المدينة‭ ‬كبيرة،‭ ‬والمناسبات‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬سببًا‭ ‬لحلول‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‮»‬‭.‬

في‭ ‬محيط‭ ‬مارينا‭ ‬طنجة،‭ ‬تبدأ‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬التبدل،‭ ‬المشروع‭ ‬السياحي‭ ‬الضخم‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬رسم‭ ‬الواجهة‭ ‬البحرية،‭ ‬جعل‭ ‬المدينة‭ ‬تبدو‭ ‬كعاصمة‭ ‬متوسّطية‭ ‬حديثة،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬إخفاء‭ ‬بعض‭ ‬الزوايا‭ ‬التي‭ ‬يتَّخذها‭ ‬المشردون‭ ‬ملجأ‭ ‬ليليًا‭. ‬هنا،‭ ‬يختلط‭ ‬العالم‭ ‬الراقي‭ ‬لأفخم‭ ‬الفنادق‭ ‬واليخوت‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬موازٍ‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬الهائمين‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬لا‭ ‬يملكها‭ ‬أحد‭.‬

يقول‭ ‬مصطفى،‭ ‬ناشط‭ ‬في‭ ‬جمعية‭ ‬تعنى‭ ‬بإدماج‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬الشارع‭:‬

‮«‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬طنجة‭ ‬كمدينة‭ ‬عالمية‭ ‬جميل‭ ‬ويجعلنا‭ ‬فخورين،‭ ‬لكن‭ ‬المدينة‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالبنايات‭ ‬والمهرجانات،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نضمن‭ ‬كرامة‭ ‬الأضعف‭. ‬المشكل‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬المشردين،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬سياسات‭ ‬واضحة‭ ‬لمعالجة‭ ‬جذور‭ ‬الظاهرة‮»‬‭.‬

وتتطلب‭ ‬معالجة‭ ‬الموضوع‭ ‬مقاربة‭ ‬تشمل‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭: ‬الاجتماعي،‭ ‬الصحي،‭ ‬والنفسي‭. ‬فالكثير‭ ‬منهم‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬إعادة‭ ‬الإدماج‭ ‬المهني،‭ ‬وإلى‭ ‬دور‭ ‬إيواء‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب،‭ ‬وإلى‭ ‬دعم‭ ‬نفسي‭ ‬يساعدهم‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الصدمات‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬حملوها‭ ‬معهم‭ ‬من‭ ‬مدنهم‭ ‬وقراهم‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الجمعيات‭ ‬تُؤكّد‭ ‬أن‭ ‬تدخلاتها‭ ‬تبقى‭ ‬محدودة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬التمويل‭ ‬وصعوبة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬فئة‭ ‬تتحرك‭ ‬باستمرار‭.‬

توضح‭ ‬‮«‬مريمة‮»‬،‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬جمعية‭ ‬محلية‭:‬

‮«‬من‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬شخصًا‭ ‬نحاول‭ ‬مساعدتهم،‭ ‬قد‭ ‬يقبل‭ ‬5‭ ‬فقط‭. ‬البعض‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬الالتزام،‭ ‬البعض‭ ‬يعاني‭ ‬اضطرابات‭ ‬نفسية،‭ ‬وآخرون‭ ‬فقدوا‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مؤسسة‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعفي‭ ‬الجهات‭ ‬الوصية‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬فعالة‮»‬‭.‬

ويُشكّل‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭ ‬امتحانًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لقوة‭ ‬الشارع،‭ ‬حيث‭ ‬تزداد‭ ‬حالات‭ ‬الأمراض‭ ‬التنفسية‭ ‬والإصابات،‭ ‬وتتعقد‭ ‬ظروف‭ ‬العيش‭. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬تسجيل‭ ‬حالات‭ ‬وفيات‭ ‬نتيجة‭ ‬البرد‭ ‬القارس،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفترات‭ ‬إلى‭ ‬القيام‭ ‬بحملات‭ ‬ظرفية‭ ‬لإيواء‭ ‬المشردين‭ ‬خلال‭ ‬موجات‭ ‬البرد‭ ‬القوية‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬تبقى‭ ‬قصيرة‭ ‬الأمد‭. ‬فمع‭ ‬انتهاء‭ ‬كل‭ ‬موجة‭ ‬باردة،‭ ‬يعود‭ ‬معظمهم‭ ‬مجددًا‭ ‬إلى‭ ‬الأرصفة‭ ‬ذاتها‭.‬

تتعمَّق‭ ‬الظاهرة‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬مثل‭ ‬بئر‭ ‬الشفا‭ ‬وحومة‭ ‬الشوك‭ ‬والسواني،‭ ‬حيث‭ ‬يختلط‭ ‬المشردون‭ ‬بمهاجرين‭ ‬سريين‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء،‭ ‬ليشكلوا‭ ‬مشهدًا‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬مُعقّدًا‭ ‬يصعب‭ ‬فصله‭ ‬إلى‭ ‬فئات‭ ‬واضحة‭. ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الشارع‭ ‬فضاءً‭ ‬بديلًا،‭ ‬ولكنه‭ ‬أيضًا‭ ‬مكانًا‭ ‬يغيب‭ ‬فيه‭ ‬الأمان‭.‬

في‭ ‬جولة‭ ‬مسائية‭ ‬قرب‭ ‬سوق‭ ‬الداخل،‭ ‬يظهر‭ ‬أطفال‭ ‬صغار،‭ ‬بعضهم‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة،‭ ‬يمضون‭ ‬الليل‭ ‬متنقلين‭ ‬بين‭ ‬الممرات‭. ‬يقول‭ ‬أحدهم،‭ ‬الملقب‭ ‬بـ«سيمو‮»‬‭:‬

‮«‬أبيع‭ ‬المناديل‭ ‬وبعض‭ ‬الأشياء‭ ‬الصغيرة‭. ‬أحيانًا‭ ‬أنام‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬في‭ ‬محطة‭ ‬الحافلات‭. ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬أجد‭ ‬مكانًا‭ ‬لا‭ ‬يطردني‭ ‬فيه‭ ‬أحد‮»‬‭. ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬يشكلون‭ ‬الفئة‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬لأنهم‭ ‬عرضة‭ ‬للاستغلال‭ ‬والعنف‭ ‬والإدمان‭.‬

وتشير‭ ‬تقارير‭ ‬غير‭ ‬رسمية،‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬منهم‭ ‬يُستعمل‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬بيع‭ ‬المخدرات‭ ‬بالتقسيط،‭ ‬نظرًا‭ ‬لحاجتهم‭ ‬القاسية‭ ‬للمال‭ ‬وانعدام‭ ‬المراقبة‭ ‬الأسرية‭.‬

على‭ ‬مستوى‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية،‭ ‬تُبذل‭ ‬جهود‭ ‬دورية‭ ‬لإيواء‭ ‬المشردين‭ ‬ونقل‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬الرعاية‭ ‬الاجتماعية‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬اتِّساع‭ ‬الظاهرة‭ ‬يجعل‭ ‬النتائج‭ ‬غير‭ ‬ملموسة‭ ‬بالشكل‭ ‬الكافي‭.‬

مصدر‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬المصالح‭ ‬الاجتماعية‭ “‬فضَّل‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭” ‬يقول‭: ‬‮«‬نقوم‭ ‬بمحاولات‭ ‬مستمرة،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬يرفضون‭ ‬المساعدة‭ ‬أو‭ ‬يغادرون‭ ‬مراكز‭ ‬الإيواء‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭. ‬المشكل‭ ‬مركّب،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬حله‭ ‬بحملات‭ ‬قصيرة،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬شامل‭ ‬مندمج‮»‬‭.‬

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬للأمم،‭ ‬تزداد‭ ‬الأسئلة‭: ‬كيف‭ ‬ستظهر‭ ‬المدينة‭ ‬أمام‭ ‬الوفود‭ ‬والجماهير‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الدول؟‭ ‬وهل‭ ‬ستتبنى‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬مقاربة‭ ‬إنسانية‭ ‬حقيقية‭ ‬بدل‭ ‬حلول‭ ‬تجميلية‭ ‬مؤقتة؟

يرى‭ ‬بعض‭ ‬سكان‭ ‬طنجة،‭ ‬أن‭ ‬الاستحقاق‭ ‬الرياضي‭ ‬فرصة‭ ‬لإعداد‭ ‬برامج‭ ‬اجتماعية‭ ‬جادة،

يقول‭ ‬‮«‬رشيد‮»‬،‭ ‬موظف‭ ‬بإحدى‭ ‬الشركات‭:‬

‮«‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية،‭ ‬العالم‭ ‬سيشاهد‭ ‬طنجة‭. ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صورتنا‭ ‬جميلة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أيضًا،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرات‮»‬‭.‬

أما‭ ‬‮«‬زينب‮»‬،‭ ‬طالبة‭ ‬جامعية،‭ ‬فترى‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شجاعة‭ ‬سياسية‭:‬

‮«‬التشرد‭ ‬ليس‭ ‬قدرًا‭. ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬سياسات‭ ‬سابقة‭. ‬طنجة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬مراكز‭ ‬جديدة‭ ‬للإيواء،‭ ‬وبرامج‭ ‬تدريب‭ ‬وتأهيل،‭ ‬ودعمًا‭ ‬صحيًا‭ ‬ونفسيًا‭. ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تستقبل‭ ‬العالم‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تستقبل‭ ‬أبناءها‭ ‬أولًا‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬المعالجة‭ ‬مرهونة‭ ‬بقرار‭ ‬سياسي‭ ‬يعترف‭ ‬بأن‭ ‬المدينة،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬جميلة،‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬صورتها‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬تستوعب‭ ‬أضعف‭ ‬ساكنيها‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬الجولة،‭ ‬وبينما‭ ‬كانت‭ ‬الشمس‭ ‬تغيب‭ ‬خلف‭ ‬خليج‭ ‬طنجة،‭ ‬بدا‭ ‬المشهد‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭: ‬مدينة‭ ‬تلمع‭ ‬من‭ ‬بعيد‮…‬‭ ‬لكنها‭ ‬حين‭ ‬تقترب،‭ ‬تظهر‭ ‬طبقاتها‭ ‬المتراكبة،‭ ‬وتسمع‭ ‬نبض‭ ‬إنسان‭ ‬هامشي‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الضوء‭.‬

إن‭ ‬طنجة،‭ ‬بكل‭ ‬تاريخها‭ ‬ورمزيتها،‭ ‬لا‭ ‬تستحق‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬تبدو‭ ‬جميلة‭ ‬أمام‭ ‬الزوّار،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عادلة‭ ‬أيضًا‭ ‬تجاه‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬ينامون‭ ‬عند‭ ‬عتباتها‭ ‬الباردة‭. ‬ففي‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬تقدم‭ ‬المدن‭ ‬بما‭ ‬تبنيه‭ ‬من‭ ‬أبراج،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تبنيه‭ ‬من‭ ‬كرامة‭.‬

Exit mobile version