إقتصاد
طنجة المتوسط في قلب التحول الصناعي.. كيف رسّخ المغرب موقعه كقوة صناعية في إفريقيا؟
وضعت مجلة «New African» ميناء طنجة المتوسط في صلب التحول الصناعي الذي عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة، معتبرةً أن تطوير البنية التحتية اللوجستية، إلى جانب المناطق الصناعية واتفاقيات التجارة الحرة والقرب الجغرافي من أوروبا، مكّن المملكة من تعزيز اندماجها في سلاسل التصنيع العالمية، خصوصًا في قطاع السيارات.
وأبرزت المجلة، في تقرير نشرته السبت 26 شتنبر المنصرم بشأن أبرز القوى الصناعية في القارة الإفريقية، أنَّ المغرب تحول إلى أحد النماذج الصاعدة في مجال الصناعات الموجهة إلى التصدير، بعدما تجاوز قطاع السيارات مرحلة التجميع ليبني منظومة صناعية متكاملة تضم تصنيع عددٍ كبير من المكونات محليًّا.
وأوضحت المجلة أنَّ المنظومة الصناعية المغربية تضمُّ حاليًا أكثر من 250 شركة محلية ودولية متخصصة في صناعة السيارات ومكوناتها، تتمركز بشكل خاص في المنظومات الصناعية المرتبطة بمصنع «رونو» في طنجة ومصنع «ستيلانتيس» في القنيطرة.
وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير نقلًا عن وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، بلغت الطاقة الإنتاجية السنوية لصناعة السيارات في المغرب مليون مركبة، فيما تستهدف المملكة مضاعفة هذه القدرة لتصل إلى مليوني سيارة سنويا بحلول سنة 2030.
وسلَّط التقرير الضوء خاصّةً على الدور الذي بات يؤديه ميناء طنجة المتوسط في دعم هذه الدينامية، مشيرًا إلى أن الجمع بين الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، والبنية المينائية المتطورة، والمناطق الصناعية، وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة، منح المغرب موقعًا مهمًا داخل سلاسل التصنيع الدولية.
ويكتسي هذا العامل أهمية كبيرة بالنسبة لقطاع السيارات، حيث يُوفّر محور طنجة الصناعي واللوجستي منفذًا سريعًا نحو الأسواق الأوروبية، بالتوازي مع وجود شبكة واسعة من الموردين ومصنعي قطع الغيار المرتبطين بالمنظومة الصناعية المغربية.
كما أشار التقرير إلى أنَّ نسبة المكونات المحلية في صناعة السيارات المغربية بلغت نحو 69%، في مؤشر على تطور القطاع من مجرد تجميع أجزاء مستوردة إلى تصنيع مجموعة واسعة من المكونات، من بينها المقاعد والأسلاك الكهربائية والإطارات ومكونات صناعية أخرى، إلى جانب السيارات النهائية.
وسجلت صادرات قطاع السيارات بدورها مستوى قياسيًّا بلغ 157 مليار درهم، أي ما يعادل نحو 16.8 مليار دولار، خلال سنة 2024، ما يعكس تنامي الوزن الذي باتت تحتله صناعة السيارات داخل منظومة الصادرات المغربية.
وترى المجلة أنَّ المرحلة المقبلة من التصنيع بالمغرب تتجه بصورة متزايدو نحو السيارات الكهربائية والبطاريات، في ظل مشاريع استثمارية تستهدف إدماج المملكة في هذه السلسلة الصناعية الجديدة.
وفي هذا السياق، توقف التقرير عند مشروع مصنع ضخم للبطاريات مخطط له في القنيطرة، بطاقة إنتاجية أولية تبلغ 10 جيغاواط/ساعة سنويا، مع خطط طويلة الأمد لرفع هذه القدرة إلى 100 جيغاواط/ساعة. كما أشار إلى موافقة البنك الإفريقي للتنمية على تمويل بقيمة 110 ملايين دولار للمرحلة الأولى من المشروع، وأبرزت المجلة كذلك توسعة مجمع «ستيلانتيس» في القنيطرة باستثمار يناهز 1.2 مليار يورو، وهي العملية التي يرتقب أن ترفع الطاقة الإنتاجية للمصنع إلى 535 ألف مركبة سنويًّا.
وفي مقارنتها للتجربة المغربية مع تجارب صناعية أخرى في القارة، توقفت «New African» عند نماذج جنوب إفريقيا ومصر وكينيا ونيجيريا، مشيرة إلى اختلاف المسارات التي اتبعتها كل دولة في بناء قاعدتها الصناعية.
وبينما تستند جنوب إفريقيا إلى قاعدة صناعية واسعة تطورت على مدى عقود، تستفيد مصر ونيجيريا بدرجة كبيرة من حجم أسواقهما المحلية، فيما يقوم النموذج المغربي على مزيج من البنية التحتية المتطورة، والوصول السريع إلى الأسواق الأوروبية، واعتماد التصنيع الموجه أساسًا نحو التصدير.
ووفق التقرير، ارتفعت القيمة المضافة للصناعات التحويلية في إفريقيا من 285 مليار دولار سنة 2020 إلى 351 مليار دولار سنة 2025، لكنَّ القارة لا تزال تُمثّل أقل من 2% من الإنتاج الصناعي العالمي ونحو 1.4% فقط من صادرات المنتجات المصنعة.
وفي خضم هذه التحولات، تقدم المجلة التجربة المغربية باعتبارها مسارًا تدريجيًّا انتقل من تجميع السيارات إلى تصنيع مكوناتها، وصولًا إلى دخول مجال بطاريات السيارات الكهربائية، بما يعكس توسع نطاق التصنيع المحلي وتنوع سلاسل القيمة المرتبطة بالقطاع.
وبالنسبة إلى طنجة، يبرز التقرير ميناء طنجة المتوسط والمنظومة الصناعية واللوجستية المحيطة به كإحدى الركائز الأساسية التي ساعدت المغرب على تحويل موقعه الجغرافي القريب من أوروبا إلى ميزة تنافسية، وربط المصانع المغربية مباشرةً بشبكات الإنتاج والأسواق العالمية.


