مقالات الرأي

طنجة”الغسالة” الكبيرة… من يغسل أمواله في فناجين القهوة وأطباق “البريستيج”؟

بقـلم‭: ‬نزار‭ ‬الهسكوري

من‭ ‬يتجول‭ ‬في‭ ‬احياء‭ ‬الواجهة‭ ‬بطنجة،‭ ‬من‭ ‬مالاباطا‭ ‬الى‭ ‬محج‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬يرى‭ ‬مشهدا‭ ‬يختلط‭ ‬فيه‭ ‬اللمعان‭ ‬بالريبة،‭ ‬والبذخ‭ ‬بالبرودة،‭ ‬والافتتاح‭ ‬بالانطفاء‭. ‬مقاه‭ ‬فارهة‭ ‬تتدثر‭ ‬بالرخام،‭ ‬مطاعم‭ ‬بأسماء‭ ‬اعجمية‭ ‬تطن‭ ‬طنين‭ ‬العواصم،‭ ‬فضاءات‭ ‬سياحية‭ ‬تشيد‭ ‬في‭ ‬اسابيع‭ ‬كما‭ ‬تنصب‭ ‬الخيام‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬العبور،‭ ‬تفتتح‭ ‬على‭ ‬ايقاع‭ ‬كاميرات‭ ‬وهواتف،‭ ‬ثم‭ ‬تستقر‭ ‬في‭ ‬سكون‭ ‬ثقيل،‭ ‬كأنها‭ ‬ديكور‭ ‬مسرحي‭ ‬اسدل‭ ‬عليه‭ ‬الستار‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يبدأ‭ ‬العرض‭. ‬تجهيزات‭ ‬بأرقام‭ ‬فلكية،‭ ‬وديكورات‭ ‬تستنسخ‭ ‬المتوسط‭ ‬مدينة‭ ‬مدينة،‭ ‬غير‭ ‬ان‭ ‬صناديق‭ ‬الاداء‭ ‬خجلى،‭ ‬والطاولات‭ ‬موحشة،‭ ‬وحركة‭ ‬الزبائن‭ ‬لا‭ ‬تسد‭ ‬رمق‭ ‬فاتورة‭ ‬كهرباء‭. ‬فأي‭ ‬منطق‭ ‬اقتصادي‭ ‬يقبل‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬المقلوبة؟‭ ‬وأي‭ ‬حساب‭ ‬تجاري‭ ‬يبارك‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬المعيب؟

لسنا‭ ‬إزاء‭ ‬مغامرة‭ ‬شباب‭ ‬يحلمون‭ ‬ويراهنون؛‭ ‬فالمغامر‭ ‬يحسب،‭ ‬ويقدر،‭ ‬ويوازن‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬بين‭ ‬الكلفة‭ ‬والعائد،‭ ‬بين‭ ‬المخاطرة‭ ‬والرجاء‭. ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬اقرب‭ ‬الى‭ ‬استثمار‭ ‬بلا‭ ‬هاجس‭ ‬ربح،‭ ‬وكأن‭ ‬الربح‭ ‬تفصيل‭ ‬عابر،‭ ‬وكأن‭ ‬الخسارة‭ ‬زينة‭ ‬صبر‭ ‬لا‭ ‬توجع‭. ‬منشآت‭ ‬تفتح‭ ‬بكلفة‭ ‬جسيمة،‭ ‬وتستمر‭ ‬اعواما‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬عليها‭ ‬اثر‭ ‬اقبال‭ ‬يبرر‭ ‬انفاقها‭. ‬هنا‭ ‬يغدو‭ ‬السؤال‭ ‬فريضة‭ ‬لا‭ ‬فضولا‭: ‬من‭ ‬اين‭ ‬تتدفق‭ ‬السيولة؟‭ ‬والى‭ ‬اين‭ ‬تمضي؟‭ ‬ومن‭ ‬يراقب‭ ‬هذا‭ ‬المد‭ ‬والجزر‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬بلا‭ ‬شاطئ‭ ‬ظاهر؟

الأخطر‭ ‬ان‭ ‬الظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬محل‭ ‬او‭ ‬شارع؛‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬سننها،‭ ‬وتبدل‭ ‬قواعد‭ ‬اللعب‭ ‬وقيمه‭. ‬التاجر‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬الدرهم‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬ينفقه،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬الربح‭ ‬ولا‭ ‬تعنيه‭ ‬الخسارة‭. ‬ترتفع‭ ‬كراءات‭ ‬المحلات‭ ‬كما‭ ‬ترتفع‭ ‬الامواج‭ ‬في‭ ‬عاصفة‭ ‬صيفية،‭ ‬فتقصي‭ ‬اهل‭ ‬الحرفة‭ ‬وتضيق‭ ‬على‭ ‬المقاول‭ ‬المتوسط،‭ ‬ويغدو‭ ‬الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬سلعة‭ ‬لا‭ ‬تشترى‭ ‬الا‭ ‬بثمن‭ ‬لا‭ ‬يحتمله‭ ‬من‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬الجد‭ ‬لا‭ ‬الجدال‭. ‬فإذا‭ ‬رأيت‭ ‬السعر‭ ‬يفوق‭ ‬المعقول،‭ ‬والكلفة‭ ‬تناطح‭ ‬المقبول،‭ ‬فاعلم‭ ‬ان‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬سوقا،‭ ‬بل‭ ‬ساحة‭ ‬لاختبار‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الخسارة‭ ‬لغايات‭ ‬مستترة‭.‬

وليس‭ ‬الأثر‭ ‬ماديا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬قيمي‭ ‬ايضا‭. ‬تتكرس‭ ‬ثقافة‭ ‬الواجهة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الانتاج،‭ ‬ويسوق‭ ‬لنمط‭ ‬نجاح‭ ‬قوامه‭ ‬الاسم‭ ‬اللامع‭ ‬لا‭ ‬العمل‭ ‬النافع،‭ ‬والبذخ‭ ‬الصاخب‭ ‬لا‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭. ‬تغري‭ ‬الاضواء‭ ‬شبابا‭ ‬حالمين‭ ‬بان‭ ‬الثراء‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬الديكور‭ ‬والاسم‭ ‬الاجنبي،‭ ‬لا‭ ‬عبر‭ ‬المثابرة‭ ‬والتكوين‭ ‬والتراكم‭. ‬تختزل‭ ‬ريادة‭ ‬الاعمال‭ ‬في‭ ‬قص‭ ‬شريط‭ ‬وصورة‭ ‬عابرة،‭ ‬ويختصر‭ ‬الطموح‭ ‬في‭ ‬برستيج‭ ‬اجوف‭ ‬لا‭ ‬يثمر‭ ‬علما‭ ‬ولا‭ ‬يخلق‭ ‬شغلا‭. ‬هكذا‭ ‬يتسرب‭ ‬الوهم‭ ‬الى‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬ويستبدل‭ ‬العمل‭ ‬المنتج‭ ‬بمشهد‭ ‬مصقول‭ ‬لا‭ ‬اصل‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬فصل‭.‬

ثم‭ ‬ان‭ ‬المدينة‭ ‬ليست‭ ‬حجرا‭ ‬واسفلت‭ ‬فحسب؛‭ ‬انها‭ ‬ثقة‭ ‬تتراكم،‭ ‬وعلاقات‭ ‬تبنى،‭ ‬وسمعة‭ ‬تصان‭. ‬فاذا‭ ‬اعتاد‭ ‬الناس‭ ‬رؤية‭ ‬مشاريع‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬منطق‭ ‬بقائها،‭ ‬تسلل‭ ‬الشك‭ ‬الى‭ ‬النسيج‭ ‬كله‭. ‬المستثمر‭ ‬الجاد‭ ‬يتريث،‭ ‬والممول‭ ‬المتحفظ‭ ‬يحجم،‭ ‬والعامل‭ ‬ينتظر‭ ‬في‭ ‬قلق‭. ‬ومع‭ ‬الزمن‭ ‬تتراكم‭ ‬الفقاعات‭ ‬كما‭ ‬تتراكم‭ ‬الغيوم‭ ‬في‭ ‬افق‭ ‬مكتوم؛‭ ‬فإذا‭ ‬انفجرت،‭ ‬دفعت‭ ‬المدينة‭ ‬الثمن‭ ‬مضاعفا‭: ‬بطالة‭ ‬تتسع،‭ ‬محلات‭ ‬تغلق،‭ ‬وعقار‭ ‬تجاري‭ ‬متخم‭ ‬باسعار‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭.‬

وليس‭ ‬خافيا‭ ‬ان‭ ‬المغرب‭ ‬قد‭ ‬سن‭ ‬ترسانة‭ ‬قانونية‭ ‬لمكافحة‭ ‬غسل‭ ‬الاموال‭ ‬وتمويل‭ ‬الانشطة‭ ‬غير‭ ‬المشروعة،‭ ‬وان‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الرقابية‭ ‬ادوارا‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬التتبع‭ ‬والتصريح‭ ‬والتحليل‭. ‬غير‭ ‬ان‭ ‬النصوص‭ ‬ان‭ ‬لم‭ ‬تفعل‭ ‬بصرامة‭ ‬وعدالة‭ ‬وشفافية،‭ ‬بقيت‭ ‬حبرا‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬لا‭ ‬يردع‭ ‬ولا‭ ‬يرد‭. ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬تشهيرا‭ ‬ولا‭ ‬اتهاما‭ ‬جزافا،‭ ‬بل‭ ‬تطبيق‭ ‬حازم‭ ‬للقانون‭: ‬تدقيق‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل،‭ ‬مراقبة‭ ‬دورية،‭ ‬تنسيق‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬الضريبية‭ ‬والمالية،‭ ‬وتمكين‭ ‬لاليات‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يشوه‭ ‬السوق‭ ‬ويغتال‭ ‬العدل‭.‬

طنجة‭ ‬مدينة‭ ‬بوابة‭ ‬وصناعة‭ ‬وميناء‭ ‬عالمي،‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بها‭ ‬ان‭ ‬تختزل‭ ‬في‭ ‬واجهات‭ ‬تلمع‭ ‬نهارا‭ ‬وتخفت‭ ‬ليلا‭. ‬ازدهارها‭ ‬الحق‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬انتاج‭ ‬وتصدير‭ ‬وخدمات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة،‭ ‬وعلى‭ ‬مقاولين‭ ‬يحسبون‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬معروفة،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬واجهة‭ ‬بلا‭ ‬جذور،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬بريق‭ ‬بلا‭ ‬بذور‭. ‬فما‭ ‬بني‭ ‬على‭ ‬رمل‭ ‬متحرك‭ ‬لا‭ ‬يثبت،‭ ‬وما‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬سراب‭ ‬لا‭ ‬يورق‭.‬

الدفاع‭ ‬عن‭ ‬طنجة‭ ‬ليس‭ ‬خطابا‭ ‬اخلاقيا‭ ‬عابرا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ضاغطة‭. ‬حماية‭ ‬المنافسة‭ ‬الشريفة،‭ ‬خفض‭ ‬كلفة‭ ‬الولوج‭ ‬الى‭ ‬العقار‭ ‬التجاري،‭ ‬تمكين‭ ‬المقاولات‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭ ‬من‭ ‬التمويل‭ ‬والتاطير،‭ ‬وتكثيف‭ ‬التفتيش‭ ‬المالي‭ ‬بلا‭ ‬انتقائية‭ ‬ولا‭ ‬انتقام،‭ ‬كلها‭ ‬خطوات‭ ‬تعيد‭ ‬للسوق‭ ‬توازنه،‭ ‬وللمدينة‭ ‬سكينتها‭. ‬فالمال‭ ‬ان‭ ‬لم‭ ‬تصاحبه‭ ‬مساءلة،‭ ‬صار‭ ‬عبئا‭ ‬على‭ ‬العمران‭ ‬والانسان،‭ ‬وان‭ ‬لم‭ ‬يجاوره‭ ‬وضوح،‭ ‬صار‭ ‬ظلا‭ ‬ثقيلا‭ ‬على‭ ‬الجدران‭.‬

طنجة‭ ‬تستحق‭ ‬استثمارا‭ ‬يبني‭ ‬لا‭ ‬يجمل،‭ ‬ينتج‭ ‬لا‭ ‬يموه،‭ ‬يرسخ‭ ‬الثقة‭ ‬بدل‭ ‬ان‭ ‬يشيع‭ ‬الريبة‭. ‬وبين‭ ‬فنجان‭ ‬يلمع‭ ‬وارقام‭ ‬لا‭ ‬تقنع،‭ ‬تقف‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬مفترق‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬التاجيل‭: ‬اما‭ ‬اقتصاد‭ ‬حقيقي‭ ‬يغذي‭ ‬المستقبل‭ ‬ويصون‭ ‬الكرامة،‭ ‬واما‭ ‬فقاعات‭ ‬براقة‭ ‬تؤجل‭ ‬الحساب‭ ‬ولا‭ ‬تلغيه‭. ‬والتاريخ‭ ‬كما‭ ‬العادة‭ ‬لا‭ ‬يحابي‭ ‬من‭ ‬يهدر‭ ‬الفرص،‭ ‬ولا‭ ‬يعذر‭ ‬من‭ ‬يختار‭ ‬البريق‭ ‬على‭ ‬الطريق‭.‬

Exit mobile version