سياسة

طـنجـة : حمّـى الانتـخابــات تُشعل سـوق المتـاجـرة ببـؤس المحتـاجـيــن

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬‮«‬حمى‮»‬‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬‮«‬عروس‭ ‬الشمال‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬استغلال‭ ‬حاجة‭ ‬الفئات‭ ‬الهشّة‭ ‬بطنجة‭ ‬مجرد‭ ‬تخمينات‭ ‬سياسية،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ماركة‭ ‬مسجلة‮»‬‭ ‬تُباع‭ ‬وتُشترى‭ ‬في‭ ‬‮«‬سوق‮»‬‭ ‬الولاءات‭ ‬الرمضانية،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬‮«‬زلافة‭ ‬الحريرة‮»‬‭ ‬وقفف‭ ‬المساعدات‭ ‬الغذائية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عملة‭ ‬صعبة‮»‬‭ ‬يقايض‭ ‬بها‭ ‬سماسرة‭ ‬الانتخابات‭ ‬أصوات‭ ‬المحتاجين‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬الهامش‭ ‬بـ«بني‭ ‬مكادة‮»‬‭ ‬و«العوامة‮»‬‭ ‬و«مرس‭ ‬الخير‮»‬‭.‬

إننا‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬‮«‬مقزز‮»‬‭ ‬يعيد‭ ‬تدوير‭ ‬البؤس‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خزان‭ ‬انتخابي‮»‬‭ ‬جاهز‭ ‬للانفجار‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬التنمية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يتساءل‭ ‬فيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬المحلي‭ ‬بعاصمة‭ ‬البوغاز‭: ‬أين‭ ‬أعين‭ ‬السلطات‭ ‬‮«‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنام‮»‬‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المقايضات‭ ‬‮«‬المهينة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬تحت‭ ‬جنح‭ ‬الظلام‭ ‬وفي‭ ‬واضحة‭ ‬النهار‭ ‬أحيانًا‭ ‬بمباركة‭ ‬كائنات‭ ‬انتخابية‭ ‬‮«‬تقتات‮»‬‭ ‬على‭ ‬فقر‭ ‬البسطاء؟

الواقع‭ ‬الصادم‭ ‬الذي‭ ‬ترصده‭ ‬لاديبيش‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬‮«‬كرم‮»‬‭ ‬بعض‭ ‬المستشارين‭ ‬الجماعيين‭ ‬والوجوه‭ ‬السياسية‭ ‬المعروفة‭ ‬بالمدينة‭ ‬لا‭ ‬ينفجر‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬المواعيد‭ ‬الانتخابية‭ ‬وتزامنًا‭ ‬مع‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬حيث‭ ‬تنشط‭ ‬‮«‬جمعيات‭ ‬الظل‮»‬‭ ‬التابعة‭ ‬لهذا‭ ‬الحزب‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬‮«‬القفف‮»‬‭ ‬المغموسة‭ ‬بوعود‭ ‬كاذبة،‭ ‬في‭ ‬استغلال‭ ‬بشع‭ ‬لآلام‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬سحقها‭ ‬الغلاء‭.‬

هؤلاء‭ ‬‮«‬تجار‭ ‬المآسي‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يقدمون‭ ‬الحريرة‭ ‬لوجه‭ ‬الله،‭ ‬بل‭ ‬يقدمونها‭ ‬‮«‬عربونًا‮»‬‭ ‬لعقد‭ ‬بيع‭ ‬وشراء‭ ‬سياسي،‭ ‬حيث‭ ‬تُسجل‭ ‬البطائق‭ ‬الوطنية‭ ‬وتُحصى‭ ‬الرؤوس‭ ‬في‭ ‬قوائم‭ ‬‮«‬الموالين‮»‬،‭ ‬في‭ ‬خرق‭ ‬سافر‭ ‬للقانون‭ ‬المنظم‭ ‬للعمليات‭ ‬الإحسانية‭ ‬الذي‭ ‬يمنع‭ ‬استغلال‭ ‬المساعدات‭ ‬لأغراض‭ ‬دعائية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭.‬

الخطير‭ ‬في‭ ‬الأمر،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحرُّكات‭ ‬تتم‭ ‬أحيانًا‭ ‬تحت‭ ‬مُسمّيات‭ ‬‮«‬عمل‭ ‬جمعوي‮»‬‭ ‬بريء،‭ ‬بينما‭ ‬الحقيقة‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬حملة‭ ‬انتخابية‭ ‬سابقة‭ ‬لأوانها‮»‬‭ ‬تُطبخ‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬هادئة‭ ‬في‭ ‬مطابخ‭ ‬‮«‬البيوت‭ ‬المعلومة‮»‬‭ ‬بطنجة‭.‬

والسؤال‭ ‬الحارق‭ ‬الذي‭ ‬يطرحه‭ ‬الطنجاويون‭ ‬اليوم‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬الإدانة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬لهذه‭ ‬الممارسات،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬دور‭ ‬الإدارة‭ ‬الترابية‭ ‬ومصالح‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لهذا‭ ‬‮«‬الإفساد‮»‬‭ ‬المبكر‭ ‬للمسلسل‭ ‬الديمقراطي‭. ‬فكيف‭ ‬يُسمح‭ ‬لسياسيين‭ ‬‮«‬محروقين‮»‬‭ ‬شعبيًّا‭ ‬بأن‭ ‬يبعثوا‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬قفف‭ ‬رمضان‮»‬،‭ ‬مستغلين‭ ‬غياب‭ ‬الرقابة‭ ‬الصارمة‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬هذه‭ ‬المساعدات‭ ‬ومصادرها؟

إن‭ ‬‮«‬حياد‮»‬‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬إلا‭ ‬بوصفه‭ ‬ضوءًا‭ ‬أخضرَ‭ ‬لهؤلاء‭ ‬السماسرة‭ ‬لمواصلة‭ ‬العبث‭ ‬بمستقبل‭ ‬المدينة،‭ ‬وتكريس‭ ‬‮«‬نخبة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬كراسي‭ ‬المسؤولية‭ ‬ببرامجها،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬‮«‬تجييش‮»‬‭ ‬الجياع‭ ‬وشراء‭ ‬صمتهم‭ ‬بـ«كرتونة‮»‬‭ ‬زيت‭ ‬ودقيق‭. ‬

ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬طنجة‭ ‬الشعبية‭ ‬هو‭ ‬‮«‬اغتيال‮»‬‭ ‬معنوي‭ ‬للإرادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وتكريس‭ ‬لسياسة‭ ‬‮«‬الصدقة‮»‬‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬الكرامة‮»‬‭ ‬والتشغيل‭ ‬والتنمية‭.‬

لقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬‮«‬محترفي‮»‬‭ ‬المتاجرة‭ ‬بالأصوات،‭ ‬الذين‭ ‬يستغلون‭ ‬‮«‬حريرة‭ ‬رمضان‮»‬‭ ‬لتمرير‭ ‬أجنداتهم‭ ‬الضيّقة،‭ ‬مما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬سلطات‭ ‬ولاية‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسيمة‭ ‬التحرُّك‭ ‬بصرامة‭ ‬لضبط‭ ‬عمليات‭ ‬توزيع‭ ‬المساعدات‭ ‬وإخضاعها‭ ‬لرقابة‭ ‬قانونية‭ ‬صارمة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬استغلال‭ ‬النفوذ‮»‬‭ ‬السياسي‭.‬

فالديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬ننشدها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬‮«‬بطون‭ ‬خاوية‮»‬‭ ‬يتم‭ ‬استدراجها‭ ‬بفتات‭ ‬الموائد،‭ ‬والمواطن‭ ‬الطنجاوي‭ ‬اليوم‭ ‬مطالب‭ ‬بالوعي‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬يشتري‭ ‬صوته‭ ‬بـ«قفة‮»‬‭ ‬اليوم،‭ ‬سيبيعه‭ ‬غدًا‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬‮«‬المصالح‮»‬‭ ‬والصفقات‭ ‬المشبوهة‭ ‬داخل‭ ‬ردهات‭ ‬المجلس‭ ‬الجماعي‭.‬

إنها‭ ‬معركة‭ ‬وعي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معركة‭ ‬صناديق،‭ ‬ومسؤولية‭ ‬تطهير‭ ‬الشارع‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬‮«‬الشناقة‮»‬‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الجميع،‭ ‬سلطةً‭ ‬ومجتمعًا‭ ‬مدنيًّا‭ ‬حقيقيًّا،‭ ‬لإيقاف‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬المهزلة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تُسيء‭ ‬لصورة‭ ‬المغرب‭ ‬الحديث‭.‬

Exit mobile version