القانون والناس

رفع ‬ضرر ‬بضرر ‬أكبر ‬بين ‬القانون ‬المغربي ‬وواقع ‬الحال

لكن إذا حكمت المحكمة بإزالة ضرر ابتدائيًا واستئنافيًا، وأصبح هَذَا الحكم بمنزلة حقٍّ مُكتسبٍ، فكيف يمكن رفع الضرر عن الضرر المكتسب لقوّة الشيء المقضي به؟ وهل يمكن أن تحكم المحكمة المصدرة للقرار بعكس القرار أو أن توقف تنفيذ هَذَا الحكم إن تبيَّن لها الخطأ المرتكب في حقّ صاحب الحقّ الحقيقي؟ أم أنَّ الحكم يبقى لصاحب الحكم عزّ وجلّ؟!

 

إن كان القضاء المغربي تدارك الأمر بإصداره مجموعةً من القرارات والأحكام بعدم إزالة ضرر بضرر أكبر، فإنَّ مجموعة من الأحكام لم ترقَ إلى المستوى المطلوب، خصوصًا إذا كان المدعى عليه لم يدافع عن الضرر الَّذِي يُلحقه او سيعود عليه بالأضرار الكارثة في عقاره مثلًا إذا كان الضرر يتجلّى في حائط منزل قائم بذاته لأكثر من عشر سنوات. أو حتَّى لتفادي ضرر المدعى عليه والمحكوم له بغرامة مالية عن كل يوم تأخير؟! فكيف يمكن لهَذَا الأخير إيقاف التعسّف لحق ليس بعادل. فالعدل أساس الحياة وليس كلّ حق يمكن أن يكون بالضرورة عدلًا. 

 

فإن كان المُشرّعُ المغربيُّ قد نظَّم حق الملكية بضوابط يتعيّن على المالك احترامها، بحيث إنَّ استعمال حقّ الملكية يجب أن يكون صادرًا عن باعث جديٍّ ومشروعٍ. فالمالك له استعمال حقّه فيما يتملك على ما يريد، كما أنَّ له إقامة الأبنية والأغراس على النحو الَّذِي يشاء، ولكن شريطة ألَّا يضرَ بجيرانه أو أن يكون استعماله لملكه بنية الإضرار بالغير أو أن يخلو ذلك الاستعمال من منفعة حقيقية.

فحقُّ الملكية هو حقٌّ اجتماعيٌّ، حتَّى وإن كان هو حق فردي أو ذاتي، بحيث يجب على المالك ألا يغلو في استعمال حقّه إلى حد يضر بملك الجار. هكذا فالجار لا يجبر على أن يتحمل في ملكه أي فعل منافٍ للأخلاق او للتعايش السليم إلا إذا كان الضرر الناشئ عنها تافها أو إذا كانت ناتجة عن استعمال العقار استعمالًا عاديًّا حسب عرف المكان.

حيث يُعدُّ حق الملكية من أشهر الحقوق العينية وأوسعها نطاقًا، فهي تعطي لصاحبها دون سواه الحقّ في استعمال الشيء واستغلاله والتصرّف فيه دون تعسّف وضمن الحدود، الَّتِي رسمها له القانون.

مما يستشف أنَّ مضار الجوار يعتبر مظهرًا قانونيًا للتعسّف في استعمال الحقّ والأكثر شيوعًا وارتباطًا بحقّ الملكية، وهَذَا راجع إلى الزيادة في الأبنية على شكل طبقات الَّتِي قربت المسافات بين الجيران، وكذا البناء العشوائي بالضواحي.

تطرّق المُشرّعُ المغربيُّ لمضار الجوار في مدونة الحقوق العينية من خلال المادة (74) الَّتِي جاء فيها: «إذا امتدت أغصان الأشجار فوق أرض الجار، فله أن يُطالب بقطعها إلى الحدِّ الَّذِي تستوي فيه مع حدود أرضه وتكون له الثمار الَّتِي تسقط منها طبيعيًا».

كما أنّه يجوز للمالك أن يُسوّر ملكه، شريطة مراعاة عدم الإضرار بجاره ضررًا بينًا، كما أنّه لا يسوغ له هدم الحائط المقام مختارًا دون عذرٍ قويٍّ، خاصّةً إذا كان ملك الجار يستتر بهَذَا الحائط. كأرضين متجاورتين يفصل بينهما سور، بحيث تكون إحداهما مُخصّصة للزراعة؛ بينما تكون الثانية مُخصّصة فقط للرعي وتربية الماشية، ففي الحالة الَّتِي يرغب فيها صاحب الأرض الثانية إزالة السور الفاصل بينه وبين جاره، يحقّ للأول منعه، لأنَّ من شأن ذلك السماح للماشية المرور إلى أرضه وإتلاف مزروعاتها. لكن إن كانت تربية الماشية بمنزل بوسط المدينة ويسبب أضرارًا صحيةً للجار فلا بُدَّ من إيجاد حلّ جذري لهَذِهِ التعسفات!!

إن كان المُشرّعُ المغربيُّ لم يعالج التعسّف في استعمال الحقّ باستقلال عن الخطأ، نظرًا للارتباط الموجود بين كل من الخطأ والتعسّف في استعمال الحقّ، الَّذِي لا يعتبر إلا مظهرًا من مظاهر الخطأ.

إنَّ المصلحة في إطار التعسّف تتحقّق، لكن إما بشكل تافه أو أنَّها فقدت ضابط المشروعية. فالحقّ إذا كان استعماله من أجل جلب منفعةٍ شخصيةٍ لصاحبه أمر لا جدال فيه ولو أدى إلى المساس بالغير، فإنَّ هَذَا الحق رهين بألَّا يكون القصد منه سوى الأضرار بذاته، لأنَّ ذلك من شأنه أن يجرده من المشروعية وهَذَا أمر مخالف للهدف من وراء استعمال الحق. فهل كل ما سار به درب الاجتهادات القضائية المتفرقة مؤخرًا لوقف الضرر، الَّذِي ينتج عن إزالة الضرر كافٍ أم يجب إنزال موادّ قانونيّة صريحة للحيلولة دون إهدار الحقوق وعدم إعمال العدل من الأساس؟!

Exit mobile version