ثقافة

دور الشباب.. «مقابر» إسمنتية للإبداع تئن تحت وطأة الإهمال وغياب الصيانة

بنايات‭ ‬متهالكة‭ ‬تجهيزات‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬غابر‭ ‬وقاعات‭ ‬جامدة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬جدران‭ ‬باردة‭ ‬تطرد‭ ‬روادها‭ ‬بدل‭ ‬احتضانهم

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تفتأ‭ ‬فيه‭ ‬الخطابات‭ ‬الرسمية‭ ‬والبرامج‭ ‬الحكومية‭ ‬تتغنى‭ ‬بشعارات‭ ‬‮«‬إدماج‭ ‬الشباب‮»‬‭ ‬وضرورة‭ ‬‮«‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الرأسمال‭ ‬البشري‮»‬،‭ ‬يكشف‭ ‬الواقع‭ ‬الميداني‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬صادمة‭ ‬تعري‭ ‬حجم‭ ‬الهوة‭ ‬السحيقة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬النوايا‭ ‬المعلنة‭ ‬وما‭ ‬يجري‭ ‬خلف‭ ‬أسوار‭ ‬مؤسَّسات‭ ‬الدولة،‭ ‬حيث‭ ‬تحوَّلت‭ ‬دور‭ ‬الشباب،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مشاتلَ‭ ‬لصقل‭ ‬المواهب‭ ‬وفضاءات‭ ‬للتأطير‭ ‬والترفيه،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬المقابر‭ ‬الإسمنتية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تئن‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الإهمال‭ ‬الممنهج،‭ ‬في‭ ‬غفلة‭ ‬تامة‭ ‬من‭ ‬الوزارة‭ ‬الوصية‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬كأنها‭ ‬رفعت‭ ‬يدها‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي،‭ ‬تاركة‭ ‬إيّاه‭ ‬يصارع‭ ‬الموت‭ ‬البطيء‭.‬

جولة‭ ‬قصيرة‭ ‬وتفقدية‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات،‭ ‬سواء‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬هوامش‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬المنسية‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬الحضرية‭ ‬الصغرى،‭ ‬تكفي‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬‮«‬الكارثة‮»‬‭ ‬التدبيرية؛‭ ‬فبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تضجّ‭ ‬هذه‭ ‬الفضاءات‭ ‬بالحياة‭ ‬وبصخب‭ ‬المسرح‭ ‬والموسيقى‭ ‬والنقاشات‭ ‬الفكرية‭ -‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬سابقة‭- ‬أضحت‭ ‬اليوم‭ ‬مجرد‭ ‬بنايات‭ ‬موحشة‭ ‬تسكنها‭ ‬الرطوبة‭ ‬ويعشش‭ ‬الغبار‭ ‬فوق‭ ‬تجهيزاتها‭ ‬المتهالكة،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬سريالي‭ ‬يحكي‭ ‬قصة‭ ‬تراجع‭ ‬مريع‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية‭ ‬الموجهة‭ ‬للناشئة،‭ ‬إذ‭ ‬تستقبلك‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬أبواب‭ ‬موصدة‭ ‬بأقفال‭ ‬علاها‭ ‬الصدأ،‭ ‬ونوافذ‭ ‬مكسرة‭ ‬تشرع‭ ‬القاعات‭ ‬لتيارات‭ ‬الهواء‭ ‬والأتربة،‭ ‬بينما‭ ‬تحولت‭ ‬المرافق‭ ‬الصحية‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬سوداء‭ ‬تنفر‭ ‬الرواد‭ ‬وتهدد‭ ‬صحتهم،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬تام‭ ‬لأدنى‭ ‬شروط‭ ‬النظافة‭ ‬والسلامة‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬القاتم‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬المصادفة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬تراكمات‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬الصيانة‭ ‬والترميم،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬الميدانية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ميزانيات‭ ‬الصيانة،‭ ‬إن‭ ‬وُجدت،‭ ‬تتبخر‭ ‬في‭ ‬‮«‬رتوشات‮»‬‭ ‬سطحية‭ ‬وعمليات‭ ‬طلاء‭ ‬واجهة‭ ‬لا‭ ‬تلامس‭ ‬عمق‭ ‬الاهتراء‭ ‬الذي‭ ‬ينخر‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬فيما‭ ‬يجد‭ ‬مديرو‭ ‬هذه‭ ‬المؤسَّسات‭ ‬أنفسهم‭ ‬مكبلي‭ ‬الأيدي‭ ‬أمام‭ ‬مساطر‭ ‬إدارية‭ ‬مُعقّدة‭ ‬وتأخر‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬صرف‭ ‬الاعتمادات،‭ ‬مما‭ ‬يجعلهم‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬إصلاح‭ ‬مصباح‭ ‬معطّل‭ ‬أو‭ ‬استبدال‭ ‬زجاج‭ ‬مكسور،‭ ‬لتتحوَّل‭ ‬القاعات‭ ‬التي‭ ‬صُممت‭ ‬لاحتضان‭ ‬العروض‭ ‬والورشات‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قاعات‭ ‬جامدة‮»‬‭ ‬وباردة،‭ ‬تفتقر‭ ‬لأبسط‭ ‬التجهيزات‭ ‬التقنية‭ ‬من‭ ‬صوت‭ ‬وإضاءة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعضها‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬مخازن‭ ‬للمتلاشيات،‭ ‬مما‭ ‬يضرب‭ ‬في‭ ‬الصميم‭ ‬الوظيفة‭ ‬التربوية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬أُحدثت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬حدود‭ ‬الأزمة‭ ‬عند‭ ‬تآكل‭ ‬الحجر‭ ‬وتداعي‭ ‬الجدران،‭ ‬بل‭ ‬تتعداها‭ ‬لتمس‭ ‬‮«‬الروح‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تسري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأماكن،‭ ‬فغياب‭ ‬المراقبة‭ ‬المركزية‭ ‬والافتقار‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬تنشيط‭ ‬حقيقية‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الدور‭ ‬إلى‭ ‬هياكل‭ ‬إدارية‭ ‬فارغة،‭ ‬يداوم‭ ‬فيها‭ ‬موظفون‭ ‬يشتكون‭ ‬بدورهم‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬وسائل‭ ‬العمل‭ ‬ومن‭ ‬فراغ‭ ‬قاتل،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انعدام‭ ‬البرامج‭ ‬السنويَّة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الذي‭ ‬تغيرت‭ ‬اهتماماته‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفضاءات‭ ‬التقليديَّة‭ ‬ما‭ ‬يغري‭ ‬بالبقاء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُفسّر‭ ‬تحول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬طاردة،‭ ‬تدفع‭ ‬المراهقين‭ ‬قسرًا‭ ‬نحو‭ ‬الشوارع‭ ‬والمقاهي،‭ ‬ليصبحوا‭ ‬لقمة‭ ‬سائغة‭ ‬لشبكات‭ ‬ترويج‭ ‬المخدرات‭ ‬وظواهر‭ ‬الانحراف،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أغلقت‭ ‬مؤسَّسات‭ ‬التنشئة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أبوابها‭ ‬في‭ ‬وجوههم،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى،‭ ‬فتحتها‭ ‬على‭ ‬فراغ‭ ‬قاتل‭.‬

إنَّ‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬النزيف‭ ‬يضع‭ ‬الوزارة‭ ‬الوصية‭ ‬والجهات‭ ‬المنتخبة‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولياتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬فالسؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بترميم‭ ‬بناية‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬بل‭ ‬بضرورة‭ ‬‮«‬صدمة‮»‬‭ ‬تدبيرية‭ ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬دور‭ ‬الشباب‭ ‬برمتها،‭ ‬وتنتقل‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬تصريف‭ ‬الأعمال‮»‬‭ ‬وحراسة‭ ‬الجدران،‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬صناعة‭ ‬الحياة‭ ‬وتوفير‭ ‬بدائل‭ ‬حقيقية‭ ‬للشباب،‭ ‬وإلا‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬ستظل‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬الرسمية،‭ ‬وشواهد‭ ‬قبور‭ ‬نعي‭ ‬فيها‭ ‬يوميًا‭ ‬حلم‭ ‬التنمية‭ ‬الشبابية‭.‬

Exit mobile version