الجهة

حين تُفتح الأبواب أمام الصحافة..

‭ ‬صـــحـــفــــــيــــــون‭ ‬ومــــــصــــــــــورون‭ ‬يتحـــركـــون‭ ‬بـين‭ ‬مـــراكز‭ ‬الاقـــتـــراع‭ ‬دون‭ ‬قـــيـــــود‭ ‬

حرية‭ ‬في ‭ ‬الميدان‭ ‬تنظيم‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬ومساحة‭ ‬واسعة‭ ‬لنقل‭ ‬الصورة‭ ‬كاملة

يوم‭ ‬الاقتراع‭ ‬بطنجة‭ ‬كما‭ ‬عاشه‭ ‬الصحفيون

لم‭ ‬تكن‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬استقطبت‭ ‬الأنظار‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر؛‭ ‬فبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬توافد‭ ‬الناخبين‭ ‬على‭ ‬مكاتب‭ ‬التصويت،‭ ‬كانت‭ ‬عدسات‭ ‬المصورين‭ ‬وأقلام‭ ‬الصحفيين‭ ‬تتحرَّك‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الاتِّجاهات،‭ ‬ترصد‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬قبل‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬مكتملة‭ ‬ليوم‭ ‬انتخابي‭ ‬طويل‭. ‬ومنذ‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى،‭ ‬بدا‭ ‬المشهد‭ ‬مختلفًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الإعلاميين‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬للتحرُّك‭ ‬والاشتغال،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تعامل‭ ‬وصفوه‭ ‬بالمهني‭ ‬والإيجابي‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬السلطات‭ ‬الولائية‭.‬

فلم‭ ‬تكن‭ ‬المهمة‭ ‬سهلة؛‭ ‬فالانتخابات‭ “‬في‭ ‬أي‭ ‬مدينة‭” ‬تضع‭ ‬الصحفي‭ ‬أمام‭ ‬امتحانٍ‭ ‬حقيقي‭: ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة،‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬مراكز‭ ‬الاقتراع،‭ ‬رصد‭ ‬الأجواء،‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين،‭ ‬التقاط‭ ‬الصور،‭ ‬ومواكبة‭ ‬المستجدات؛‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬تتغيّر‭ ‬خلاله‭ ‬الأحداث‭ ‬بسرعة‭.‬

لكن،‭ ‬بحسب‭ ‬شهادات‭ ‬صحفيين‭ ‬ومصورين‭ ‬واكبوا‭ ‬الاستحقاق‭ ‬الانتخابي‭ ‬بطنجة،‭ ‬فإنّ‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬مرَّ‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬مهنية‭ ‬مريحة،‭ ‬بعدما‭ ‬أتيحت‭ ‬لهم‭ ‬إمكانية‭ ‬التحرُّك‭ ‬وممارسة‭ ‬مهامّهم‭ ‬دون‭ ‬تدخُّل‭ ‬في‭ ‬مضمون‭ ‬التغطية‭.‬

واللافت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أنَّ‭ ‬السلطات‭ ‬لم‭ ‬تتخلَّ‭ ‬عن‭ ‬الجانب‭ ‬التنظيمي،‭ ‬بل‭ ‬وضعت‭ ‬إطارًا‭ ‬واضحًا‭ ‬للتغطية‭ ‬الإعلامية،‭ ‬يرتكز‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬لطلبات‭ ‬التغطية‭ ‬والإدلاء‭ ‬بالبطائق‭ ‬المهنية‭ ‬للصحفيين‭ ‬والمصورين‭. ‬إجراء‭ ‬إداري‭ ‬بسيط،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬كافيًّا‭ ‬لتنظيم‭ ‬الحضور‭ ‬الإعلامي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬حاجز‭ ‬أمام‭ ‬الصحافة‭.‬

*من‭ ‬“التصريح“‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬الحركة

في‭ ‬الميدان،‭ ‬تبدو‭ ‬الأمور‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭ ‬عما‭ ‬تبدو‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬شاشات‭ ‬الحواسيب‭ ‬والهواتف‭. ‬الصحفي‭ ‬الذي‭ ‬يتابع‭ ‬الانتخابات‭ ‬من‭ ‬مكتبه‭ ‬يمكنه‭ ‬انتظار‭ ‬البلاغات‭ ‬والنتائج‭ ‬والتصريحات،‭ ‬لكن‭ ‬الصحفي‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الحركة؛‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬الاقتراع،‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين،‭ ‬ورصد‭ ‬التفاصيل،‭ ‬ومقارنة‭ ‬ما‭ ‬يسمعه‭ ‬بما‭ ‬يراه‭ ‬بعينيه؛‭ ‬أما‭ ‬المصور‭ ‬الصحفي،‭ ‬فحاجته‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭ ‬أكبر؛‭ ‬فالصورة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬عابرة،‭ ‬وفي‭ ‬زاوية‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬طبيعة‭ ‬التغطية‭ ‬الانتخابية‭ ‬تفرض‭ ‬بالضرورة‭ ‬توفير‭ ‬هامش‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬للإعلاميين،‭ ‬مع‭ ‬احترام‭ ‬القواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للعملية‭ ‬الانتخابية‭.‬‭ ‬وفي‭ ‬طنجة،‭ ‬يقول‭ ‬صحفيون‭ ‬إنَّ‭ ‬الإجراءات‭ ‬المعتمدة‭ ‬ساعدتهم‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬التعريف‭ ‬بالصفة‭ ‬المهنية‭ ‬واضحًا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طلب‭ ‬التغطية‭ ‬والبطاقة‭ ‬المهنية‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬المطلوب‭ “‬بحسب‭ ‬شهاداتهم‭” ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الصحفي‭ ‬معروفَ‭ ‬الصفة،‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بمؤسسة‭ ‬إعلامية،‭ ‬وحاملًا‭ ‬الوثائق‭ ‬المهنية‭ ‬اللازمة‭. ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬بدأت‭ ‬رحلة‭ ‬التغطية‭.‬

*بلال‭ ‬الدبدوبي‭:‬ “التغطية‭ ‬كانت‭ ‬مميزة“

من‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬يأتي‭ ‬الصحفي‭ ‬بلال‭ ‬الدبدوبي،‭ ‬من‭ ‬جريدة‭ ‬9‭ ‬أبريل،‭ ‬ليصف‭ ‬التغطية‭ ‬بأنها‭ ‬كانت‭ ‬مميزة‭. ‬الدبدوبي‭ ‬يؤكد‭ ‬أنَّ‭ ‬المنابر‭ ‬الإعلامية‭ ‬أتيحت‭ ‬لها‭ ‬فرصة‭ ‬نقل‭ ‬تفاصيل‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الصحفيين‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬الاشتغال‭ ‬دون‭ ‬تدخّل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬لتوجيههم‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬مضمون‭ ‬مُعيّن‭ ‬على‭ ‬تغطياتهم،‭ ‬وهذه‭ ‬النقطة‭ ‬تحديدًا‭ ‬كانت‭ ‬حاسمة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصحفيين‭.‬

فوظيفة‭ ‬الإعلام‭ ‬ليست‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬رواية‭ ‬جاهزة،‭ ‬وإنَّما‭ ‬أن‭ ‬ينزل‭ ‬إلى‭ ‬الميدان،‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬المعلومة،‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الأصوات،‭ ‬ثم‭ ‬يقدم‭ ‬للقارئ‭ ‬مادة‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬جرى‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدبدوبي،‭ ‬فإن‭ ‬تعامل‭ ‬السلطات‭ ‬اتّسم‭ ‬بالإيجابية‭ ‬والاحترافية،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬يمثل‭ ‬أمرًا‭ ‬متميزًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصحفي‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬أداء‭ ‬مهمته‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬طبيعية‭.‬

‮«‬الصحفي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الميدان‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬التوجيه‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬الخلاصة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬استخلاصها‭ ‬من‭ ‬شهادة‭ ‬الدبدوبي‭ ‬تختصر‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬التغطية‭ ‬الانتخابية‭: ‬توفير‭ ‬الظروف‭ ‬للصحفي‭ ‬حتى‭ ‬يشتغل،‭ ‬ثم‭ ‬تركه‭ ‬يؤدي‭ ‬عمله‭. ‬فالصحافة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المكان،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬الاستقلالية‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬واختيار‭ ‬زاوية‭ ‬المعالجة‭.‬

*سلوى‭ ‬الريحاني‭:‬ ‭ ‬“تفاجأت‭ ‬بحجم‭ ‬النضج“

من‭ ‬جهتها،‭ ‬تنقل‭ ‬الصحفية‭ ‬سلوى‭ ‬الريحاني،‭ ‬من‭ ‬جريدة‭ ‬هيبة‭ ‬بريس،‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭. ‬الريحاني‭ ‬تقول‭ ‬إنّها‭ ‬تفاجأت‭ ‬بحجم‭ ‬النضج‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تمكن‭ ‬بها‭ ‬الصحفيون‭ ‬من‭ ‬تأدية‭ ‬مهامهم‭ ‬ونقل‭ ‬الحقائق‭ ‬كما‭ ‬عاينوها‭.‬

بالنسبة‭ ‬إليها،‭ ‬كان‭ ‬اللافت‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬تدخل‭ ‬لمنع‭ ‬الصحفيين‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬ما‭ ‬يشاهدونه،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬تعتبره‭ ‬تجربة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭. ‬والأمر‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بحرية‭ ‬الحركة‭ ‬داخل‭ ‬محيط‭ ‬مراكز‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وإنَّما‭ ‬أيضًا‭ ‬بالثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تحكم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الصحفي‭ ‬ومختلف‭ ‬المتدخلين‭.‬

فالصحفي‭ ‬حين‭ ‬يدخل‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الاقتراع‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬بصفته‭ ‬متفرجًا،‭ ‬وإنَّما‭ ‬بصفته‭ ‬مهنيًّا‭ ‬مكلفًا‭ ‬بمهمة‭ ‬نقل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬احترام‭ ‬الصحفي‭ ‬للقواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للعملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وعدم‭ ‬التشويش‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬التصويت‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الناخبين،‭ ‬يبقى‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬المهنية‭.‬

‮«‬نقل‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬هي‮»‬‭… ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الريحاني،‭ ‬فإن‭ ‬إمكانية‭ ‬نقل‭ ‬ما‭ ‬عاينه‭ ‬الصحفيون‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬جوانب‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭. ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬تكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬أي‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬ثوانٍ‭ ‬معدودة‭.‬

*حين‭ ‬تصبح‭ ‬الكاميرا‭ ‬شاهدًا

في‭ ‬الزحام‭ ‬الانتخابي،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يكتب،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يسأل،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يصور‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الصحفي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬دفتره‭ ‬أو‭ ‬تسجيلاته‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬التفاصيل،‭ ‬فإن‭ ‬المصور‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭. ‬وهنا‭ ‬يدخل‭ ‬سهيل‭ ‬القاضي،‭ ‬الصحفي‭ ‬المصور،‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الحكاية‭. ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬القاضي،‭ ‬كان‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬يومًا‭ ‬مثاليًّا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المهنية‭.‬

يتحدث‭ ‬عن‭ ‬تنقله‭ ‬بين‭ ‬مراكز‭ ‬الاقتراع،‭ ‬ومواكبة‭ ‬للعملية،‭ ‬وتصوير‭ ‬التفاصيل،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك،‭ ‬بحسب‭ ‬شهادته،‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬تامة‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬مجرد‭ ‬تنقل‭ ‬جغرافي‭ ‬بين‭ ‬المراكز،‭ ‬وإنَّما‭ ‬كان‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تلخص‭ ‬اليوم‭ ‬الانتخابي‭: ‬صورة‭ ‬الناخب‭ ‬وهو‭ ‬يدخل‭ ‬مركز‭ ‬الاقتراع،‭ ‬صورة‭ ‬الطوابير‭ ‬حين‭ ‬تتشكل،‭ ‬صورة‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬المراكز،‭ ‬صورة‭ ‬أعضاء‭ ‬مكاتب‭ ‬التصويت‭ ‬وهم‭ ‬يؤدون‭ ‬مهامهم،‭ ‬وصور‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬لحظتها،‭ ‬لكنها‭ ‬تتحول‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬وثيقة‭ ‬تؤرخ‭ ‬لمرحلة‭ ‬معينة‭.‬

القاضي‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬ساعدته‭ ‬كثيرًا‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬مهمته،‭ ‬ويوجه‭ ‬الشكر‭ ‬إلى‭ ‬والي‭ ‬الجهة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬تعاملًا‭ ‬إيجابيًّا‭ ‬مع‭ ‬الصحافة‭ ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع‭.‬

‮«‬كان‭ ‬يومًا‭ ‬مثاليًّا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‮»‬‭… ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المصور،‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬تختزل‭ ‬الكثير؛‭ ‬فالمصور‭ ‬الصحفي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬عمله‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬واحد‭. ‬العدسة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حركة،‭ ‬والحركة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬هامش‭ ‬من‭ ‬الحرية،‭ ‬وكلما‭ ‬كانت‭ ‬الحركة‭ ‬أكثر‭ ‬سهولة،‭ ‬كانت‭ ‬فرص‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬صور‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعًا‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬شهادة‭ ‬سهيل‭ ‬القاضي‭ ‬تضيف‭ ‬بعدًا‭ ‬بصريًّا‭ ‬إلى‭ ‬الشهادات‭ ‬الأخرى،‭ ‬لتكتمل‭ ‬صورة‭ ‬يوم‭ ‬انتخابي‭ ‬عاشه‭ ‬الصحفيون‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬مختلفة‭.‬

*السلطات‭ ‬والإعلام‭.. ‬معادلة‭ ‬دقيقة

في‭ ‬كل‭ ‬استحقاق‭ ‬انتخابي،‭ ‬تظهر‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬ضرورة‭ ‬تنظيم‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬وضرورة‭ ‬ضمان‭ ‬ظروف‭ ‬ملائمة‭ ‬للعمل‭ ‬الصحفي‭. ‬مراكز‭ ‬الاقتراع‭ ‬ليست‭ ‬فضاءات‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مطلق،‭ ‬فهي‭ ‬تخضع‭ ‬لقواعد‭ ‬تنظيمية،‭ ‬والهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬فيها‭ ‬هو‭ ‬تمكين‭ ‬الناخبين‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬عادية،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬سرية‭ ‬التصويت‭ ‬وسلامة‭ ‬العملية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إقصاء‭ ‬الإعلام‭ ‬عن‭ ‬المشهد؛‭ ‬فالإعلام‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬نقل‭ ‬المعلومة‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين،‭ ‬والصحفيون‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الميدان‭ ‬حتى‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬تغطية‭ ‬واقعية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬التنظيم‭.‬

فالطلب‭ ‬المسبق‭ ‬للتغطية‭ ‬والإدلاء‭ ‬بالبطائق‭ ‬المهنية،‭ ‬وَفْق‭ ‬ما‭ ‬أفاد‭ ‬به‭ ‬الصحفيون‭ ‬الذين‭ ‬تحدثوا‭ ‬عن‭ ‬تجربتهم،‭ ‬وفر‭ ‬إطارًا‭ ‬واضحًا‭ ‬للحضور‭ ‬الإعلامي‭: ‬الهوية‭ ‬المهنية‭ ‬واضحة،‭ ‬والمؤسسة‭ ‬الإعلامية‭ ‬معروفة،‭ ‬والمهمة‭ ‬محددة‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك،‭ ‬يكون‭ ‬المجال‭ ‬مفتوحًا‭ ‬أمام‭ ‬الصحفي‭ ‬لإنجاز‭ ‬عمله‭. ‬

*من‭ ‬الصــحيــفة‭ ‬الــورقــــــيــة‭ ‬إلــــــى‭ ‬الهـــاتف‭ ‬الـــذكـــــــي

التغطية‭ ‬الانتخابية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬الصحافة‭ ‬التقليدية‭. ‬في‭ ‬طنجة‭ “‬كما‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬المدن‭” ‬كان‭ ‬لوسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬حضور‭ ‬قوي‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع؛‭ ‬فالهاتف‭ ‬الذكي‭ ‬أصبح‭ ‬كاميرا،‭ ‬ومنصة‭ ‬نشر،‭ ‬ووسيلة‭ ‬نقل‭ ‬مباشر‭ ‬للمعلومة‭. ‬المواطن‭ ‬يصور،‭ ‬ينشر،‭ ‬يعلق،‭ ‬ويسأل،‭ ‬والصحفي‭ ‬بدوره‭ ‬أصبح‭ ‬مطالبًا‭ ‬بمتابعة‭ ‬هذا‭ ‬التدفق‭ ‬الهائل‭ ‬للمعلومات،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬مســــــــــــؤولية‭ ‬إضــــــافية‭: ‬التـــحقق‭. ‬فالســــرعة‭ ‬لـــــــيست‭ ‬دائــــــــمًا‭ ‬مرادفًا‭ ‬للـــــــدقــــــــــــة‭.‬

ومن‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تنتشر‭ ‬صورة‭ ‬أو‭ ‬معلومة‭ ‬عــــــلى‭ ‬نطــــاق‭ ‬واســـــع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتـــــم‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬سياقها‭ ‬أو‭ ‬تاريخها‭ ‬أو‭ ‬مصــــدرها،‭ ‬وهـــــنا‭ ‬تظـــــهر‭ ‬أهمية‭ ‬الصحافة‭ ‬المهنية‭.‬

فالصحفي‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬لا‭ ‬ينافس‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬النشر‭ ‬فقط،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬قيمة‭ ‬إضافية‭: ‬التحقق،‭ ‬والسياق،‭ ‬والمقارنة،‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬طرف،‭ ‬ثم‭ ‬صياغة‭ ‬المادة‭ ‬الصحفية‭.‬

وبذلك‭ ‬تصبح‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مصدرًا‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬المعلومة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعفي‭ ‬الصحفي‭ ‬من‭ ‬قواعد‭ ‬المهنة‭.‬

*الانــتخـابات‭ ‬فــي‭ ‬زمـــن‭ ‬“الخــــبر‭ ‬الفــــوري“‭ ‬لقـــد‭ ‬تغــيّرت‭ ‬قواعد‭ ‬اللعـبة‭ ‬الإعلامــــيــة‭.‬

في‭ ‬السابق،‭ ‬كان‭ ‬القارئ‭ ‬ينتظر‭ ‬الجريدة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الموالي‭ ‬ليعرف‭ ‬تفاصيل‭ ‬ما‭ ‬جرى؛‭ ‬اليوم،‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬الصورة‭ ‬إليه‭ ‬بعد‭ ‬ثوانٍ‭ ‬من‭ ‬التقاطها،‭ ‬وقد‭ ‬يشاهد‭ ‬مقطع‭ ‬فيديو‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬الصحفي‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬مقدمته‭.‬

لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬جعل‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الصحافة‭ ‬المهنية‭ ‬أكبر،‭ ‬وليس‭ ‬أقل‭. ‬فكلما‭ ‬زادت‭ ‬كمية‭ ‬المعلومات،‭ ‬زادت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يفرزها،‭ ‬وكلما‭ ‬زادت‭ ‬سرعة‭ ‬النشر،‭ ‬زادت‭ ‬أهمية‭ ‬التحقق‭.‬

وهنا‭ ‬كان‭ ‬حضور‭ ‬الصحفيين‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع‭ ‬بطنجة‭ ‬ذا‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬لأنّهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬مجرد‭ ‬ناقلين‭ ‬للمشاهد،‭ ‬وإنّما‭ ‬كانوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬توثيق‭ ‬يوم‭ ‬انتخابي‭ ‬بكامله‭.‬

*طنجة‭.. ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تتحرك‭ ‬أمام‭ ‬العدسات

في‭ ‬مدينة‭ ‬بحجم‭ ‬طنجة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬يوم‭ ‬انتخابي‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬اقتراع‭ ‬واحد،‭ ‬المدينة‭ ‬واسعة،‭ ‬والأحياء‭ ‬مختلفة،‭ ‬وحركة‭ ‬المواطنين‭ ‬تتغير‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى؛‭ ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬التغطية‭ ‬الجهوية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تنقل‭ ‬دائم‭. ‬الصحفي‭ ‬يبدأ‭ ‬صباحه‭ ‬في‭ ‬مركز،‭ ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬يلتقط‭ ‬تصريحات،‭ ‬يرصد‭ ‬الأجواء،‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬جديدة،‭ ‬ويتابع‭ ‬المستجدات‭. ‬أما‭ ‬المصور،‭ ‬فيبحث‭ ‬عن‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلخص‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭. ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬المستمرة‭ ‬تجعل‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأيام‭ ‬إرهاقًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصحفيين،‭ ‬لكنَّها‭ “‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭” ‬تمنحه‭ ‬قيمة‭ ‬مهنية‭ ‬خاصة،‭ ‬فكل‭ ‬ساعة‭ ‬تحمل‭ ‬جديدًا،‭ ‬وكل‭ ‬مركز‭ ‬قد‭ ‬يقدم‭ ‬قصة‭ ‬مختلفة‭. ‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬ليس‭ ‬تفصيلًا‭ ‬ثانويًّا،‭ ‬وإنّما‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬التغطية‭.‬

*حين‭ ‬تتحدث‭ ‬الشهادات‭ ‬بلغة‭ ‬واحدة

ثلاث‭ ‬شهادات‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬صحفيين،‭ ‬بثلاث‭ ‬تجارب‭ ‬مهنية‭ ‬مختلفة‭:‬

بلال‭ ‬الدبدوبي‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬تغطية‭ ‬مميزة،‭ ‬وإتاحة‭ ‬المجال‭ ‬للمنابر‭ ‬الإعلامية‭ ‬لنقل‭ ‬تفاصيل‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع‭ ‬دون‭ ‬توجيه‭.‬

سلوى‭ ‬الريحاني‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬النضج‭ ‬الذي‭ ‬لمسته‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الصحفيين،‭ ‬وتمكنهم‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬ما‭ ‬عاينوه‭.‬

وسهيل‭ ‬القاضي‭ ‬يتحدث‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الصورة،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أنه‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬مراكز‭ ‬الاقتراع‭ ‬ومواكبة‭ ‬العملية‭ ‬بحرية،‭ ‬واصفًا‭ ‬اليوم‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬مثاليًّا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭.‬

ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬زوايا‭ ‬النظر،‭ ‬فإن‭ ‬شهاداتهم‭ ‬تلتقي‭ ‬عند‭ ‬نقطة‭ ‬واضحة‭: ‬الميدان‭ ‬كان‭ ‬مفتوحًا‭ ‬أمام‭ ‬الصحافة،‭ ‬والتنظيم‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬تضييق‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬المهني‭. ‬وهذه‭ ‬النقطة،‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬موضوعًا‭ ‬للتوقف‭ ‬والتقييم‭ ‬المهني‭.‬

*الحرية‭ ‬والمسؤولية‭..‬ وجهان‭ ‬للمشهد‭ ‬نفسه

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬مسؤولية‭ ‬الصحفي؛‭ ‬فحرية‭ ‬الحركة‭ ‬داخل‭ ‬الميدان‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تجاوز‭ ‬قواعد‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬نشر‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الصحفي‭ ‬دون‭ ‬تحقق،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬نشرها‭ ‬خارج‭ ‬سياقها‭.‬

العمل‭ ‬الصحفي‭ ‬خلال‭ ‬الانتخابات‭ ‬يتطلب‭ ‬قدرًا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المهنية؛‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الجمهور‭ ‬للأحداث‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬الصحية‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬والإعلام‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المنع‭ ‬أو‭ ‬الفوضى،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬يعرفها‭ ‬الجميع‭: ‬السلطة‭ ‬تنظم،‭ ‬الصحفي‭ ‬يلتزم،‭ ‬والجمهور‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬المعلومة‭. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬المعادلة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬التغطية‭ ‬الانتخابية‭ ‬أكثر‭ ‬مهنية‭.‬

*يوم‭ ‬الاقتراع‭ ‬ينتهي‭..‬‭ ‬والصورة‭ ‬تبقى

مع‭ ‬إغلاق‭ ‬مكاتب‭ ‬التصويت،‭ ‬لم‭ ‬تنتهِ‭ ‬مهمة‭ ‬الصحفيين،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬مرحلة‭ ‬أخرى‭: ‬جمع‭ ‬المواد،‭ ‬فرز‭ ‬الصور،‭ ‬مراجعة‭ ‬التسجيلات،‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬المعطيات،‭ ‬وكتابة‭ ‬القصص‭ ‬الصحفية‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬دور‭ ‬غرف‭ ‬الأخبار؛‭ ‬هناك،‭ ‬تتحول‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬الميداني‭ ‬إلى‭ ‬صفحات،‭ ‬وتتحول‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬عناوين،‭ ‬وتتحول‭ ‬الشهادات‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬صحفية،‭ ‬وتتحول‭ ‬تفاصيل‭ ‬يوم‭ ‬كامل‭ ‬إلى‭ ‬أرشيف‭ ‬يمكن‭ ‬العودة‭ ‬إليه‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬وظائف‭ ‬الصحافة‭: ‬أن‭ ‬تحفظ‭ ‬ذاكرة‭ ‬المجتمع؛‭ ‬فالانتخابات‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬أرقامًا‭ ‬ونتائج،‭ ‬إنها‭ ‬أيضًا‭ ‬وجوه،‭ ‬وأماكن،‭ ‬وحكايات،‭ ‬وأسئلة،‭ ‬وانتظارات،‭ ‬ومشاهد؛‭ ‬وكلها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يوثقها‭. 

*شهادات‭ ‬من‭ ‬الميدان‭..‬ ‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬المكاتب

ما‭ ‬يميز‭ ‬شهادات‭ ‬بلال‭ ‬الدبدوبي‭ ‬وسلوى‭ ‬الريحاني‭ ‬وسهيل‭ ‬القاضي‭ ‬أنها‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬الميدان؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يتحدثوا‭ ‬عن‭ ‬تصور‭ ‬نظري‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإعلام‭ ‬والسلطات،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬عاشوها‭ ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬شهاداتهم‭ ‬قيمة‭ ‬خاصة‭. ‬فالصحفي‭ ‬الذي‭ ‬يتحرك‭ ‬بين‭ ‬مراكز‭ ‬الاقتراع‭ ‬يعرف‭ ‬جيدًا‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لديه‭ ‬حرية‭ ‬الحركة،‭ ‬والمصور‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬كاميرته‭ ‬منذ‭ ‬الصباح‭ ‬يعرف‭ ‬قيمة‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تصويره‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬شهاداتهم‭ ‬تقدم‭ ‬صورة‭ ‬مهنية‭ ‬عن‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر،‭ ‬باعتباره‭ ‬محطة‭ ‬انتخابية‭ ‬وجد‭ ‬فيها‭ ‬هؤلاء‭ ‬الصحفيون‭ ‬ظروفًا‭ ‬وصفوها‭ ‬بالإيجابية‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭: ‬هل‭ ‬يصبح‭ ‬الاستثناء‭ ‬قاعدة؟

إذا‭ ‬كان‭ ‬يوم‭ ‬الاقتراع‭ ‬بطنجة‭ ‬قد‭ ‬أتاح‭ “‬بحسب‭ ‬شهادات‭ ‬صحفيين‭ ‬ومصورين‭” ‬تجربة‭ ‬إيجابية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية،‭ ‬فإنّ‭ ‬الأهم‭ ‬مستقبلًا‭ ‬هو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المكتسبات‭ ‬التي‭ ‬يراها‭ ‬المهنيون‭ ‬إيجابية،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬مستقرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الاستحقاقات‭.‬

فالصحافة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مخاطبين‭ ‬واضحين،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬مهني‭ ‬متبادل‭. ‬والسلطات‭ ‬بدورها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعلام‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬الأحداث‭ ‬بمسؤولية،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬إعلام‭ ‬محاصر‭ ‬أو‭ ‬محروم‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬المستفيد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬هو‭ ‬المواطن؛‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬ماذا‭ ‬حدث،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬محيطه،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يقرر‭ “‬في‭ ‬ضوء‭ ‬المعلومات‭ ‬المتاحة‭ ‬له‭” ‬كيف‭ ‬يفهم‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬حوله؟

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مساحة‭ ‬تمنح‭ ‬للصحافة‭ ‬للعمل‭ ‬بحرية‭ ‬ومسؤولية،‭ ‬وأي‭ ‬تنظيم‭ ‬واضح‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬تضييق،‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬المعلومة‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭.‬

*الخـــلاصــــة

كان‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصحفيين‭ ‬الذين‭ ‬واكبوه‭ ‬ميدانيًّا،‭ ‬يومًا‭ ‬حافلًا‭ ‬بالعمل‭ ‬والتنقل‭ ‬والملاحظة‭ ‬والتوثيق‭.‬

طلب‭ ‬التغطية‭ ‬والبطاقة‭ ‬المهنية‭ ‬شكّلا‭ “‬وفق‭ ‬الشهادات‭ ‬المقدمة‭” ‬الإطار‭ ‬التنظيمي‭ ‬للحضور‭ ‬الإعلامي،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬مهمة‭ ‬الصحفي‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الميدان‭: ‬أن‭ ‬يرى،‭ ‬ويسأل،‭ ‬ويتحقق،‭ ‬وينقل‭.‬

بلال‭ ‬الدبدوبي‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬تغطية‭ ‬مميزة‭ ‬ومساحة‭ ‬للصحفيين‭ ‬لنقل‭ ‬تفاصيل‭ ‬اليوم‭ ‬الانتخابي‭ ‬دون‭ ‬توجيه،‭ ‬سلوى‭ ‬الريحاني‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬نضج‭ ‬لافت‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الإعلاميين‭ ‬وإمكانية‭ ‬نقل‭ ‬الوقائع‭ ‬كما‭ ‬عاينوها،‭ ‬وسهيل‭ ‬القاضي‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬يوم‭ ‬مثالي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المصور،‭ ‬تمكن‭ ‬خلاله‭ ‬من‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬مراكز‭ ‬الاقتراع‭ ‬ومواكبة‭ ‬العملية‭ ‬بحرية،‭ ‬موجهًا‭ ‬الشكر‭ ‬إلى‭ ‬والي‭ ‬الجهة‭.‬

وبين‭ ‬القلم‭ ‬والكاميرا‭ ‬والهاتف‭ ‬الذكي،‭ ‬تشكلت‭ ‬صورة‭ ‬يوم‭ ‬انتخابي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬وحدها‭ ‬بطله،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أيضًا‭ ‬صحفيون‭ ‬في‭ ‬الميدان،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬مصورون‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬اللحظة،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬جمهور‭ ‬ينتظر‭ ‬المعلومة‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬الأخبار‭ ‬المنشورة‭ ‬أو‭ ‬الصور‭ ‬الملتقطة،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرة‭ ‬الصحفي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬الميدان‭ ‬بمعلومة‭ ‬دقيقة،‭ ‬وصورة‭ ‬صادقة،‭ ‬وقصة‭ ‬تساعد‭ ‬القارئ‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬حدث‭.‬

وفي‭ ‬طنجة،‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر،‭ ‬كانت‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬الصحفيون‭ ‬من‭ ‬الميدان‭ ‬واضحة‭: ‬عندما‭ ‬تتوفر‭ ‬للصحافة‭ ‬مساحة‭ ‬للعمل،‭ ‬تصبح‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭ ‬غرفة‭ ‬أخبار‭ ‬مفتوحة،‭ ‬ويصبح‭ ‬كل‭ ‬مركز‭ ‬اقتراع‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الحكاية‭ ‬الانتخابية‭.‬

Exit mobile version