الجهة
حين تُفتح الأبواب أمام الصحافة..

صـــحـــفــــــيــــــون ومــــــصــــــــــورون يتحـــركـــون بـين مـــراكز الاقـــتـــراع دون قـــيـــــود
حرية في الميدان تنظيم في المراكز ومساحة واسعة لنقل الصورة كاملة
يوم الاقتراع بطنجة كما عاشه الصحفيون
لم تكن صناديق الاقتراع وحدها التي استقطبت الأنظار بمدينة طنجة يوم 23 شتنبر؛ فبالتوازي مع توافد الناخبين على مكاتب التصويت، كانت عدسات المصورين وأقلام الصحفيين تتحرَّك في مختلف الاتِّجاهات، ترصد التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، وتبحث عن صورة مكتملة ليوم انتخابي طويل. ومنذ الساعات الأولى، بدا المشهد مختلفًا بالنسبة إلى عددٍ من الإعلاميين الذين وجدوا أنفسهم أمام مساحة واسعة للتحرُّك والاشتغال، في ظلّ تعامل وصفوه بالمهني والإيجابي من طرف السلطات الولائية.
فلم تكن المهمة سهلة؛ فالانتخابات “في أي مدينة” تضع الصحفي أمام امتحانٍ حقيقي: الوصول إلى المعلومة، التنقل بين مراكز الاقتراع، رصد الأجواء، الاستماع إلى المواطنين، التقاط الصور، ومواكبة المستجدات؛ وكل ذلك في يوم واحد تتغيّر خلاله الأحداث بسرعة.
لكن، بحسب شهادات صحفيين ومصورين واكبوا الاستحقاق الانتخابي بطنجة، فإنّ يوم 23 شتنبر مرَّ بالنسبة إليهم في ظروف مهنية مريحة، بعدما أتيحت لهم إمكانية التحرُّك وممارسة مهامّهم دون تدخُّل في مضمون التغطية.
واللافت في هذه التجربة أنَّ السلطات لم تتخلَّ عن الجانب التنظيمي، بل وضعت إطارًا واضحًا للتغطية الإعلامية، يرتكز أساسًا على تقديم المؤسسات الإعلامية لطلبات التغطية والإدلاء بالبطائق المهنية للصحفيين والمصورين. إجراء إداري بسيط، لكنه كان كافيًّا لتنظيم الحضور الإعلامي دون أن يتحوّل إلى حاجز أمام الصحافة.
*من “التصريح“ إلى حرية الحركة
في الميدان، تبدو الأمور مختلفة تمامًا عما تبدو عليه من خلف شاشات الحواسيب والهواتف. الصحفي الذي يتابع الانتخابات من مكتبه يمكنه انتظار البلاغات والنتائج والتصريحات، لكن الصحفي الموجود في الشارع يحتاج إلى الحركة؛ يحتاج إلى الوصول إلى مراكز الاقتراع، الحديث إلى المواطنين، ورصد التفاصيل، ومقارنة ما يسمعه بما يراه بعينيه؛ أما المصور الصحفي، فحاجته إلى الحركة أكبر؛ فالصورة قد تكون في لحظة عابرة، وفي زاوية لا تتكرر.
ولهذا، فإن طبيعة التغطية الانتخابية تفرض بالضرورة توفير هامش من الحركة للإعلاميين، مع احترام القواعد المنظمة للعملية الانتخابية. وفي طنجة، يقول صحفيون إنَّ الإجراءات المعتمدة ساعدتهم على القيام بهذه المهمة، خصوصًا بعدما كان التعريف بالصفة المهنية واضحًا، من خلال طلب التغطية والبطاقة المهنية.
لم يكن المطلوب “بحسب شهاداتهم” سوى أن يكون الصحفي معروفَ الصفة، مرتبطًا بمؤسسة إعلامية، وحاملًا الوثائق المهنية اللازمة. بعد ذلك، بدأت رحلة التغطية.
*بلال الدبدوبي: “التغطية كانت مميزة“
من قلب هذه التجربة، يأتي الصحفي بلال الدبدوبي، من جريدة 9 أبريل، ليصف التغطية بأنها كانت مميزة. الدبدوبي يؤكد أنَّ المنابر الإعلامية أتيحت لها فرصة نقل تفاصيل يوم الاقتراع إلى المواطنين، مشيرًا إلى أنَّ الصحفيين تمكنوا من الاشتغال دون تدخّل من أي جهة لتوجيههم أو فرض مضمون مُعيّن على تغطياتهم، وهذه النقطة تحديدًا كانت حاسمة بالنسبة إلى الصحفيين.
فوظيفة الإعلام ليست أن يعيد إنتاج رواية جاهزة، وإنَّما أن ينزل إلى الميدان، يبحث عن المعلومة، يستمع إلى مختلف الأصوات، ثم يقدم للقارئ مادة تساعده على فهم ما جرى.
بالنسبة إلى الدبدوبي، فإن تعامل السلطات اتّسم بالإيجابية والاحترافية، معتبرًا أن هذا النوع من التعامل يمثل أمرًا متميزًا بالنسبة إلى الصحفي الذي يريد أداء مهمته في ظروف طبيعية.
«الصحفي يحتاج إلى الميدان لا إلى التوجيه» هذه الخلاصة التي يمكن استخلاصها من شهادة الدبدوبي تختصر جزءًا كبيرًا من فلسفة التغطية الانتخابية: توفير الظروف للصحفي حتى يشتغل، ثم تركه يؤدي عمله. فالصحافة لا تحتاج فقط إلى الوصول إلى المكان، وإنَّما تحتاج أيضًا إلى الاستقلالية في صياغة الأسئلة واختيار زاوية المعالجة.
*سلوى الريحاني: “تفاجأت بحجم النضج“
من جهتها، تنقل الصحفية سلوى الريحاني، من جريدة هيبة بريس، صورة أخرى عن التجربة. الريحاني تقول إنّها تفاجأت بحجم النضج الذي رافق العملية الانتخابية، خصوصًا من خلال الطريقة التي تمكن بها الصحفيون من تأدية مهامهم ونقل الحقائق كما عاينوها.
بالنسبة إليها، كان اللافت هو عدم وجود تدخل لمنع الصحفيين من نقل ما يشاهدونه، وهو أمر تعتبره تجربة تستحق التوقف عندها. والأمر هنا لا يتعلق فقط بحرية الحركة داخل محيط مراكز الاقتراع، وإنَّما أيضًا بالثقة المتبادلة التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين الصحفي ومختلف المتدخلين.
فالصحفي حين يدخل إلى مركز الاقتراع لا يدخل بصفته متفرجًا، وإنَّما بصفته مهنيًّا مكلفًا بمهمة نقل ما يحدث.
وفي المقابل، فإن احترام الصحفي للقواعد المنظمة للعملية الانتخابية، وعدم التشويش على سير التصويت أو التأثير على الناخبين، يبقى جزءًا أساسيًّا من المسؤولية المهنية.
«نقل الحقيقة كما هي»… بالنسبة إلى الريحاني، فإن إمكانية نقل ما عاينه الصحفيون دون تدخل يمثل أحد أبرز جوانب التجربة التي عاشتها. وهي مسألة تكتسب أهمية أكبر في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على نقل أي حدث خلال ثوانٍ معدودة.
*حين تصبح الكاميرا شاهدًا
في الزحام الانتخابي، هناك من يكتب، وهناك من يسأل، وهناك من يصور. وإذا كان الصحفي يستطيع أن يعود إلى دفتره أو تسجيلاته لإعادة بناء التفاصيل، فإن المصور يبحث عن اللحظة التي لا تتكرر. وهنا يدخل سهيل القاضي، الصحفي المصور، إلى قلب الحكاية. بالنسبة إلى القاضي، كان يوم 23 شتنبر يومًا مثاليًّا من الناحية المهنية.
يتحدث عن تنقله بين مراكز الاقتراع، ومواكبة للعملية، وتصوير التفاصيل، وكل ذلك، بحسب شهادته، في حرية تامة. فلم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد تنقل جغرافي بين المراكز، وإنَّما كان بحثًا عن الصورة التي تلخص اليوم الانتخابي: صورة الناخب وهو يدخل مركز الاقتراع، صورة الطوابير حين تتشكل، صورة الحركة في محيط المراكز، صورة أعضاء مكاتب التصويت وهم يؤدون مهامهم، وصور أخرى قد لا تبدو ذات أهمية في لحظتها، لكنها تتحول مع مرور الوقت إلى وثيقة تؤرخ لمرحلة معينة.
القاضي يعتبر أن هذه الحرية في الحركة ساعدته كثيرًا على أداء مهمته، ويوجه الشكر إلى والي الجهة على ما اعتبره تعاملًا إيجابيًّا مع الصحافة خلال يوم الاقتراع.
«كان يومًا مثاليًّا بالنسبة إلي»… بالنسبة إلى المصور، هذه العبارة تختزل الكثير؛ فالمصور الصحفي لا يستطيع أن يؤدي عمله من مكان واحد. العدسة تحتاج إلى حركة، والحركة تحتاج إلى هامش من الحرية، وكلما كانت الحركة أكثر سهولة، كانت فرص الحصول على صور أكثر تنوعًا.
ومن هنا، فإن شهادة سهيل القاضي تضيف بعدًا بصريًّا إلى الشهادات الأخرى، لتكتمل صورة يوم انتخابي عاشه الصحفيون من مواقع مختلفة.
*السلطات والإعلام.. معادلة دقيقة
في كل استحقاق انتخابي، تظهر معادلة دقيقة بين ضرورة تنظيم العملية الانتخابية وضرورة ضمان ظروف ملائمة للعمل الصحفي. مراكز الاقتراع ليست فضاءات مفتوحة على نحو مطلق، فهي تخضع لقواعد تنظيمية، والهدف الأساسي فيها هو تمكين الناخبين من ممارسة حقهم في ظروف عادية، والحفاظ على سرية التصويت وسلامة العملية.
وفي المقابل، لا يمكن إقصاء الإعلام عن المشهد؛ فالإعلام جزء من عملية نقل المعلومة إلى المواطنين، والصحفيون بحاجة إلى الوصول إلى الميدان حتى يتمكنوا من تقديم تغطية واقعية، ومن هنا تأتي أهمية التنظيم.
فالطلب المسبق للتغطية والإدلاء بالبطائق المهنية، وَفْق ما أفاد به الصحفيون الذين تحدثوا عن تجربتهم، وفر إطارًا واضحًا للحضور الإعلامي: الهوية المهنية واضحة، والمؤسسة الإعلامية معروفة، والمهمة محددة. وبعد ذلك، يكون المجال مفتوحًا أمام الصحفي لإنجاز عمله.
*من الصــحيــفة الــورقــــــيــة إلــــــى الهـــاتف الـــذكـــــــي
التغطية الانتخابية لم تعد حكرًا على الصحافة التقليدية. في طنجة “كما في باقي المدن” كان لوسائل التواصل الاجتماعي حضور قوي في متابعة يوم الاقتراع؛ فالهاتف الذكي أصبح كاميرا، ومنصة نشر، ووسيلة نقل مباشر للمعلومة. المواطن يصور، ينشر، يعلق، ويسأل، والصحفي بدوره أصبح مطالبًا بمتابعة هذا التدفق الهائل للمعلومات، لكن مع مســــــــــــؤولية إضــــــافية: التـــحقق. فالســــرعة لـــــــيست دائــــــــمًا مرادفًا للـــــــدقــــــــــــة.
ومن الممكن أن تنتشر صورة أو معلومة عــــــلى نطــــاق واســـــع قبل أن يتـــــم التأكد من سياقها أو تاريخها أو مصــــدرها، وهـــــنا تظـــــهر أهمية الصحافة المهنية.
فالصحفي الموجود في الميدان لا ينافس المواطن في سرعة النشر فقط، وإنَّما يفترض أن يقدم قيمة إضافية: التحقق، والسياق، والمقارنة، والاستماع إلى أكثر من طرف، ثم صياغة المادة الصحفية.
وبذلك تصبح وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا من مصادر المعلومة، لكنها لا تعفي الصحفي من قواعد المهنة.
*الانــتخـابات فــي زمـــن “الخــــبر الفــــوري“ لقـــد تغــيّرت قواعد اللعـبة الإعلامــــيــة.
في السابق، كان القارئ ينتظر الجريدة في اليوم الموالي ليعرف تفاصيل ما جرى؛ اليوم، قد تصل الصورة إليه بعد ثوانٍ من التقاطها، وقد يشاهد مقطع فيديو قبل أن ينتهي الصحفي من كتابة مقدمته.
لكن المفارقة أن هذا التطور التكنولوجي جعل الحاجة إلى الصحافة المهنية أكبر، وليس أقل. فكلما زادت كمية المعلومات، زادت الحاجة إلى من يفرزها، وكلما زادت سرعة النشر، زادت أهمية التحقق.
وهنا كان حضور الصحفيين في الميدان خلال يوم الاقتراع بطنجة ذا أهمية خاصة، لأنّهم لم يكونوا مجرد ناقلين للمشاهد، وإنّما كانوا جزءًا من عملية توثيق يوم انتخابي بكامله.
*طنجة.. المدينة التي تتحرك أمام العدسات
في مدينة بحجم طنجة، لا يمكن اختزال يوم انتخابي كامل في مركز اقتراع واحد، المدينة واسعة، والأحياء مختلفة، وحركة المواطنين تتغير من منطقة إلى أخرى؛ ولهذا، فإن التغطية الجهوية تحتاج إلى تنقل دائم. الصحفي يبدأ صباحه في مركز، ثم ينتقل إلى آخر، يلتقط تصريحات، يرصد الأجواء، يبحث عن تفاصيل جديدة، ويتابع المستجدات. أما المصور، فيبحث عن المشهد الذي يمكن أن يلخص كل ذلك. هذه الحركة المستمرة تجعل يوم الاقتراع من أكثر الأيام إرهاقًا بالنسبة إلى الصحفيين، لكنَّها “في الوقت نفسه” تمنحه قيمة مهنية خاصة، فكل ساعة تحمل جديدًا، وكل مركز قد يقدم قصة مختلفة.
ومن هنا، فإن الحديث عن حرية الحركة ليس تفصيلًا ثانويًّا، وإنّما عنصر أساسي في جودة التغطية.
*حين تتحدث الشهادات بلغة واحدة
ثلاث شهادات من ثلاثة صحفيين، بثلاث تجارب مهنية مختلفة:
بلال الدبدوبي يتحدث عن تغطية مميزة، وإتاحة المجال للمنابر الإعلامية لنقل تفاصيل يوم الاقتراع دون توجيه.
سلوى الريحاني تتوقف عند النضج الذي لمسته في التعامل مع الصحفيين، وتمكنهم من نقل ما عاينوه.
وسهيل القاضي يتحدث من زاوية الصورة، مؤكدًا أنه تمكن من التنقل بين مراكز الاقتراع ومواكبة العملية بحرية، واصفًا اليوم بأنه كان مثاليًّا بالنسبة إليه.
ورغم اختلاف زوايا النظر، فإن شهاداتهم تلتقي عند نقطة واضحة: الميدان كان مفتوحًا أمام الصحافة، والتنظيم لم يتحول إلى تضييق على العمل المهني. وهذه النقطة، في حد ذاتها، تستحق أن تكون موضوعًا للتوقف والتقييم المهني.
*الحرية والمسؤولية.. وجهان للمشهد نفسه
لا يمكن الحديث عن حرية الصحافة دون الحديث في الوقت نفسه عن مسؤولية الصحفي؛ فحرية الحركة داخل الميدان لا تعني تجاوز قواعد العملية الانتخابية، والقدرة على الوصول إلى المعلومات لا تعني نشر كل ما يصل إلى الصحفي دون تحقق، والحصول على صورة لا يعني بالضرورة نشرها خارج سياقها.
العمل الصحفي خلال الانتخابات يتطلب قدرًا أكبر من المهنية؛ لأن أي خطأ يمكن أن يؤثر في فهم الجمهور للأحداث. ومن هنا، فإن العلاقة الصحية بين السلطات والإعلام لا تقوم على المنع أو الفوضى، وإنما على قواعد واضحة يعرفها الجميع: السلطة تنظم، الصحفي يلتزم، والجمهور يحصل على المعلومة. هذه هي المعادلة التي تجعل التغطية الانتخابية أكثر مهنية.
*يوم الاقتراع ينتهي.. والصورة تبقى
مع إغلاق مكاتب التصويت، لم تنتهِ مهمة الصحفيين، بل بدأت مرحلة أخرى: جمع المواد، فرز الصور، مراجعة التسجيلات، التحقق من المعطيات، وكتابة القصص الصحفية.
ثم جاء دور غرف الأخبار؛ هناك، تتحول ساعات العمل الميداني إلى صفحات، وتتحول الصور إلى عناوين، وتتحول الشهادات إلى مادة صحفية، وتتحول تفاصيل يوم كامل إلى أرشيف يمكن العودة إليه بعد سنوات. وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الصحافة: أن تحفظ ذاكرة المجتمع؛ فالانتخابات ليست فقط أرقامًا ونتائج، إنها أيضًا وجوه، وأماكن، وحكايات، وأسئلة، وانتظارات، ومشاهد؛ وكلها تحتاج إلى من يوثقها.
*شهادات من الميدان.. لا من خلف المكاتب
ما يميز شهادات بلال الدبدوبي وسلوى الريحاني وسهيل القاضي أنها جاءت من الميدان؛ إذ لم يتحدثوا عن تصور نظري للعلاقة بين الإعلام والسلطات، وإنما عن تجربة عاشوها خلال يوم الاقتراع، وهذا ما يمنح شهاداتهم قيمة خاصة. فالصحفي الذي يتحرك بين مراكز الاقتراع يعرف جيدًا معنى أن تكون لديه حرية الحركة، والمصور الذي يحمل كاميرته منذ الصباح يعرف قيمة أن يتمكن من الوصول إلى المكان الذي يحتاج إلى تصويره.
ومن هنا، فإن شهاداتهم تقدم صورة مهنية عن يوم 23 شتنبر، باعتباره محطة انتخابية وجد فيها هؤلاء الصحفيون ظروفًا وصفوها بالإيجابية.
والسؤال الذي يبقى: هل يصبح الاستثناء قاعدة؟
إذا كان يوم الاقتراع بطنجة قد أتاح “بحسب شهادات صحفيين ومصورين” تجربة إيجابية في مجال التغطية الإعلامية، فإنّ الأهم مستقبلًا هو الحفاظ على المكتسبات التي يراها المهنيون إيجابية، وتحويلها إلى ممارسة مستقرة في مختلف الاستحقاقات.
فالصحافة تحتاج إلى قواعد واضحة، وتحتاج إلى مخاطبين واضحين، وتحتاج إلى احترام مهني متبادل. والسلطات بدورها تحتاج إلى إعلام قادر على نقل الأحداث بمسؤولية، لا إلى إعلام محاصر أو محروم من الوصول إلى المعلومة.
في النهاية، المستفيد الأول من هذه المعادلة هو المواطن؛ فهو الذي يريد أن يعرف ماذا حدث، وهو الذي يحتاج إلى صورة دقيقة عن محيطه، وهو الذي يقرر “في ضوء المعلومات المتاحة له” كيف يفهم الأحداث التي تجري حوله؟
ولهذا، فإن أي مساحة تمنح للصحافة للعمل بحرية ومسؤولية، وأي تنظيم واضح لا يتحول إلى تضييق، ينعكس في النهاية على جودة المعلومة التي تصل إلى الجمهور.
*الخـــلاصــــة
كان يوم 23 شتنبر في طنجة، بالنسبة إلى الصحفيين الذين واكبوه ميدانيًّا، يومًا حافلًا بالعمل والتنقل والملاحظة والتوثيق.
طلب التغطية والبطاقة المهنية شكّلا “وفق الشهادات المقدمة” الإطار التنظيمي للحضور الإعلامي، بينما بقيت مهمة الصحفي الأساسية في الميدان: أن يرى، ويسأل، ويتحقق، وينقل.
بلال الدبدوبي تحدث عن تغطية مميزة ومساحة للصحفيين لنقل تفاصيل اليوم الانتخابي دون توجيه، سلوى الريحاني تحدثت عن نضج لافت في التعامل مع الإعلاميين وإمكانية نقل الوقائع كما عاينوها، وسهيل القاضي تحدث عن يوم مثالي بالنسبة إلى المصور، تمكن خلاله من التنقل بين مراكز الاقتراع ومواكبة العملية بحرية، موجهًا الشكر إلى والي الجهة.
وبين القلم والكاميرا والهاتف الذكي، تشكلت صورة يوم انتخابي لم تكن صناديق الاقتراع وحدها بطله، كان هناك أيضًا صحفيون في الميدان، وكان هناك مصورون يبحثون عن اللحظة، وكان هناك جمهور ينتظر المعلومة.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح التغطية الإعلامية لا يقاس فقط بعدد الأخبار المنشورة أو الصور الملتقطة، وإنما بقدرة الصحفي على أن يعود من الميدان بمعلومة دقيقة، وصورة صادقة، وقصة تساعد القارئ على فهم ما حدث.
وفي طنجة، يوم 23 شتنبر، كانت الرسالة التي حملها الصحفيون من الميدان واضحة: عندما تتوفر للصحافة مساحة للعمل، تصبح المدينة نفسها غرفة أخبار مفتوحة، ويصبح كل مركز اقتراع صفحة من صفحات الحكاية الانتخابية.