في الواجهة
حملات السلطات على صناع التفاهة.. هــل تنتـقل إلـى صنـاع الأخـبار الزائــفة؟

تعيش الساحة الرقمية في المغرب، خلال الأسابيع الأخيرة، على وقع حملة غير مسبوقة تستهدف ما بات يعرف بـ«صنّاع التفاهة»، في خطوة أثارت نقاشا واسعا حول خلفياتها وأبعادها، وحول ما إذا كانت هذه الحملة مجرد بداية لمسار قد يمتد ليشمل صنّاع الأخبار الزائفة الذين تحوّلوا -في السنوات الأخيرة- إلى فاعلين مؤثرين في تشكيل الرأي العام، رغم غياب أي أسس مهنية أو ضوابط قانونية تحكم ما ينشرونه.
ورغم أن مصطلح «التفاهة» ظلّ لسنوات تعبيرًا شعبيًّا عن نوعية محتوى قائم على الإثارة والجدل السطحي، فإن استدعاءه اليوم في سياق التدخلات الرسمية يحوّله إلى عنوان مواجهة مفتوحة مع جزء من المؤثرين الرقميين الذين بنوا شهرتهم على بث مقاطع يعتبرها كثيرون مسيئة للذوق العام ومخلة بحدود المسؤولية الاجتماعية، وقد أدّت سلسلة من الوقائع، التي ارتبط بعضها باحتيال أو إساءة أو تلاعب بالقاصرين، إلى توسيع دائرة الغضب الشعبي وإطلاق حملات تطالب بتنظيم صارم لهذا المجال الذي ظل لفترة طويلة في وضع يشبه «المنطقة الرمادية».
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أنَّ هذه الحملة لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة تراكمات اجتماعية وثقافية وسياسية دفعت السلطات إلى إعادة النظر في مستوى السيطرة على الفضاء الرقمي، خاصة بعدما أصبح هذا الفضاء مؤثرًا أكثر من وسائل الإعلام التقليدية في توجيه النقاش العمومي، وقد رأت جهات رسمية أن ترك الأمور على حالها يمكن أن يقود إلى تدهور القيم العامة، وإلى المسّ بصورة المغرب، وإلى خلق تأثيرات عميقة على سلوك الشباب والأطفال، الذين يشكلون النسبة الأكبر من جمهور هذه المنصات.
لكن النقاشَ الحقيقي الذي يطفو اليوم على السطح يتجاوز «التفاهة» في حدّ ذاتها ليصل إلى سؤال أكبر: هل تنتقل هذه الحملة نحو صنّاع الأخبار الزائفة؟ فبينما تُمثّل التفاهة نوعا من «الإلهاء الرقمي»، تُمثّل الأخبار المضلّلة تهديدًا مباشرًا للثقة العامة، ولضبط المعلومات، ولصورة المؤسسات، بل وللأمن المعلوماتي في بعض الأحيان، وقد عرف المغرب، خلال السنوات الأخيرة، موجات متكرّرة من الإشاعات التي مست قطاعات حساسة، كالصحة والتعليم والاقتصاد، وأدَّت في مرات عديدة إلى خلق حالة هلع أو ارتباك داخل المجتمع، قبل أن تتدخّل الجهات الرسمية لنفيها.
ويجمع خبراء الإعلام والاتِّصال على أن معالجة التضليل الرقمي أكثر تعقيدًا من ملاحقة المحتوى التافه، لأن مجال الأخبار الزائفة يمسّ صميم الحقّ في المعلومة، ويحتاج إلى توازن دقيق بين حماية المجتمع من التلاعب وبين ضمان حرية التعبير وعدم استعمال القانون لتقييد النقاش العمومي، غير أنَّ مؤشرات متعدّدة تُوحي بأن مرحلة جديدة قد تكون في طور التشكّل، خاصّةً بعدما أصبح واضحًا أن بعض الحسابات ذات الشعبية الكبيرة لا تتردد في نشر «معلومات» غير دقيقة أو مختلقة، فقط من أجل جذب التفاعل وتعزيز موقعها في خوارزميات المنصات.
على المستوى القانوني، لا يملك المغرب بعد إطارًا خاصًّا لمكافحة الأخبار الزائفة، لكن النصوص الحالية تتيح تحريك المتابعة ضد من يروّج المغالطات إذا ترتب عنها ضرر، سواء ضِمن القانون الجنائي أو قانون الصحافة أو القوانين المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، ومع ذلك، يظلّ التطبيقُ انتقائيًّا بحسب العديد من الحقوقيين، الذين يعتبرون أن غياب سياسة شاملة يجعل المواجهة محدودة وغير قادرة على وقف سيل التضليل المتزايد.
ويخشى البعض، أن يُؤدِّي توسيع نطاق الحملة إلى المساس ببعض الأصوات النقدية أو بعمل الصحافة الاستقصائية، خاصّةً في ظل تجارب سابقة استعملت فيها تهم «نشر أخبار زائفة» ضد مدونين انتقدوا أوضاعًا اجتماعيّةً أو مؤسساتيّةً، في المقابل، يرى آخرون أنَّ تنظيم المجال الرقمي بات ضرورةً قصوى، وأن ترك الإشاعات تنتشر بلا رقيب يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويشكّل خطرًا على القاصرين الذين يعتمدون على المنصات للحصول على «أخبارهم» دون أي قدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.
ويجمع العديد من الباحثين على أن مواجهة التفاهة والأخبار المضللة لا يمكن أن تعتمد حصرًا على المقاربة الزجرية، لأنَّ الرقابة مهما اشتدَّت لن تكون قادرة على ضبط ملايين المحتويات التي تنشر يوميا، الحل، وفق هؤلاء، يمرّ عبر رفع منسوب الوعي الإعلامي داخل المجتمع، وإدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية، وتشجيع الإعلام المهني الجاد ليكون بديلًا حقيقيًّا يجذب الجمهور ويقدم له محتوًى يرقى إلى مستوى تطلعاته.
ورغم اختلاف طبيعة التفاهة والزيف، فإنَّ تقاطعًا واضحًا يجمعهما فكثير من صنّاع المحتوى الذين بدأوا في الترفيه السطحي تحوَّلوا -مع الوقت- إلى ناقلين للأخبار دون تحقّق، أو مروّجين لإشاعات يعتقدون أنها «مجرد محتوى عابر”، دون إدراك لتأثيرها الواسع، ومع غياب ضوابط مهنية، أصبحت الحسابات المؤثرة تلعب دور «منصة إخبارية» بديلة، بما يحمله ذلك من مخاطر.
وبين مطالب التشديد على الرقابة ومخاوف التضييق على الحريات، يقف الرأي العام في منطقة وسطى فهو من جهة يؤيد وضع حد لهيمنة المحتوى الرديء على الفضاء الرقمي، ومن جهة أخرى يخشى أن تتحوَّل الحملة إلى أداة لضبط الأصوات الناقدة، ولذلك يبدو أن المرحلة المقبلة ستتحدد بمدى قدرة السلطات على تحقيق توازن دقيق بين الضبط القانوني واحترام الحقوق والحريات الأساسية.
وفي كل الأحوال، فإنَّ ما يجري اليوم يعكس تحولًا أعمقَ في بنية المجال الإعلامي بالمغرب، الذي لم يعد حكرًا على الصحافة التقليدية أو وسائل الاتِّصال الكلاسيكية، بل أصبح فضاءً متعددَ الأقطاب، تتحكم في إيقاعه منصات رقمية لا تعترف بالحدود، ولا تخضع لضوابط التحرير، ومع استمرار الجدل، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحملة الحالية مجرد خطوة ظرفية، أم بداية لإعادة تشكيل شاملة للمنظومة الرقمية، تقوم على محاربة التفاهة، ومواجهة الأخبار الزائفة، وبناء بيئة إعلامية أكثر جودة ومسؤولية.