القانون والناس
حرية الرأي في تقييم السياسات العمومية بين الدستور والواقع -3-
وتُحدّد كيفيات ممارسة فرق المعارضة لهذه الحقوق، حسب الحالة، بموجب قوانين تنظيميَّة أو قوانين أو بمقتضى النظام الداخلي لكل مجلس من مجلسي البرلمان، فهل هذا كله لا يدخل ضِمن الحق في تقييم العمل الجهوي للمنتخبين، خصوصًا أنَّ الدستور يكفل لهم ذلك؟! أم أنَّ السلطات العموميَّة، خصوصًا المنتخبة لها قانون خاص؟! فكيف يمكن تنزيل الدستور في خضم ما يشهده تغوّل قانون القوة على قوة القانون؟!
إنَّ كانت حريَّة التعبير هي حقٌّ اساسيٌّ للإنسان في البحث عن المعلومات ونقلها ونشرها، سواء كانت أفكارًا أو آراءً أو أنباءً، دون خوف من الرقابة أو العقاب، خصوصا إذا تعلَّق الأمر بانتقاد سياسات عموميَّة أو تصرُّف مسؤول داخل مؤسسة ما منتخب من طرف المواطن بحد ذاته، فالحريَّة هي ركيزةٌ أساسيَّة للديموقراطيَّة والمجتمعات الحرة، ولكنَّها ليست مطلقةٌ، وتخضع لقيود ضروريَّة لحماية. حقوق الآخرين، والأمن القومي، والنظام العام، والصحة العامة، والآداب العامة، ويتم ممارستها عبر وسائل متعددة مثل الكلام، والكتابة، والفن، ووسائل الإعلام، وتواجه تحديات مستمرة في العصر الرقمي بالأخص وتواجد القوانين للمؤطرة لها التي تتداخل فيما بينها محدثة فجوة حادة بين تطبيقها وحسن صياغة نصها القانوني الملزم التطبيق؟!
حيث إنّه، وإن كانت تعمل السلطات العموميَّة على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحريَّة المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة.
وتُعدُّ دستوريَّة القواعد القانونيَّة، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة، رغم كون الانزال الواقعي والحقيقي لها يبقى رهينًا بإرادة السلطة التنفيذيَّة وكيفيَّة تحليل سياق النصوص القانونيَّة هذا من جهة، ومن جهة أخرى كيفيَّة حلحلة النزاعات الناجمة عن حريَّة التعبير والانتقاد والتقييم لكل السلطات العموميَّة!!
ورغم كل هذا فإن دستور المملكة حثَّ في الفصل (25) على:
*حريَّة الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها؛
*حريَّة الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة.
وكفل للمواطنات والمواطنين حقّ الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العموميَّة، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. في مقتضيات الفصل (27) منه واعتبر على أنَّه: «لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المسّ بالحريات والحقوق الأساسيَّة المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة».
بينما ضمن فيما سطره بالفصل (28) حريَّة الصحافة، وأجزم على أنه لا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبليَّة. اعتبر على أنَّه للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حريَّة، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة.
واعتبر على أنَّ السلطات العموميَّة يجب أن تُشجّع على تنظيم قطاع الصحافة، بكيفيَّة مستقلة، وعلى أسس ديمقراطيَّة، وعلى وضع القواعد القانونيَّة والأخلاقيَّة المتعلقة به. بينما يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الإعلام العموميَّة ومراقبتها. ويضمن الاستفادة من هذه الوسائل، مع احترام التعدديَّة اللغويَّة والثقافيَّة والسياسيَّة للمجتمع المغربي.
وتسهر الهيئة العليا للاتِّصال السمعي البصري على احترام هذه التعدديَّة، وفق أحكام الفصل (165) من هذا الدستور.
فلا يستطيع المرء الادِّعاء بأنَّ المغرب قد تخلَّف كثيرا عن إدراك حقيقة أن البناء الديمقراطي لا يمكن أن يقوم ويتقوّى، إلا بتوفر مناخ من حريَّة التعبير، ومن ثمّة حريَّة الإعلام والصحافة. بيد أنَّ الممارسة على أرض الواقع لم تكن دائمًا في مستوى ما بشر به الدستور أو سنته اللوائح والقوانين والتشريعات.
بقراءتنا دستور 2011 وما تضمنه من توسيع لمجال الحرّيات وتشجيع على التنظيم الذاتي والديموقراطي والمستقل لمهنة الصحافة وضمان للحق في الوصول للمعلومة، وتضمن قانون الصحافة والنشر تعزيز ضمانات الحريَّة في الممارسة الصحفيَّة، وتعزيز دور القضاء في حماية حريَّة الصحافة، واعتماد الاتفاقيات الدوليَّة التي صادق عليها المغرب كمرجع لقانون الصحافة والنشر وحماية حقوق وحريات المجتمع والأفراد وتعزيز الصحافة الإلكترونيَّة وتشجيع الاستثمار وتطوير مقتضيات الشفافيَّة، وتعزيز استقلاليَّة الصحفي والمؤسسة الصحفيَّة.
تضمن القانون الأساسي للصحفيين المهنيين رقم (89.13) عديدًا من المستجدات، تتعلّق أساسًا بتحويل صلاحيَّة منح بطاقة الصحافة للمجلس الوطني للصحافة، بالإضافة إلى التنصيص على شرط المؤهل الجامعي أو الاستفادة من نظام التكوين المستمر من أجل الولوج إلى ممارسة الصحافة المهنيَّة، كما تضمَّن بعض المقتضيات لتحصين مهنة الصحافة من المتورطين في جرائم الاتِّجار في المخدرات أو النصب أو الابتزاز أو الاحتيال أو الارتشاء أو استغلال النفوذ، كما منح صلاحيَّة سحب البطاقة المهنيَّة للقضاء وليس الإدارة. حسب المادّة (47) من القانون (90.13).
وحيث إنَّ هذا القانون الذي أحدث لتكريس مبدأ استقلاليَّة الصحفي عبر جعل منح البطاقة والولوج إلى المهنة من اختصاص المهنيين. كما نصَّ هذا القانون على أنَّ فترة الاختبار لا يجوز أن تتجاوز ثلاث اشهر التي تشغل فيها المؤسسة الصحفيَّة صحفيًّا مهنيًّا.
فهل فعلا يتمُّ العمل بالأحكام القضائيَّة لسحب البطاقة المهنيَّة من الصحفي المهني أم أنَّ القانون ينحسر على أحكام مسطر على أوراق دون تنفيذها من طرف الإدارة المعنيَّة إن كانت هي الخصم والحكم؟! وهل فعلًا هذا القانون يضمن حق الصحفي المهني، أنّ يرفض نقل خبر أو بثّه للجمهور بتوقيعه عندما تدخل عليه تغيرات جوهريَّة دون رضاه، أو له الحقّ في انتقاد سياسات عموميَّة لجهة معينة وأما بخصوص المقتضيات الخاصة بالصحفي المهني المعتمد فتمنح له البطاقة من طرف الإدارة لمدّة سنة وتجدد وفق الكيفيات المحددة بنص تنظيمي. ويتعيّن على الصحفيين المعتمدين ومن في حكمهم أن يزاولوا مهنتهم في احترام تام للنصوص التشريعيَّة الجاري بها العمل وميثاق أخلاقيات المهنة.
أمّا قانون المجلس الوطني للصحافة الذي يحمل رقم (90.13) بالجريدة الرسميَّة بتاريخ 7 أبريل 2016، هدف إلى تطوير حريَّة الصحافة والنشر والعمل على الارتقاء بالقطاع، وتطوير الحكامة الذاتيَّة لقطاع الصحافة والنشر بكيفيَّة مستقلة وعلى أسس ديمقراطيَّة، كما تنصُّ على ذلك المادَّة الأولى منه. وليس لتكبيل العمل الصحفي ومنع حريَّة التعبير في هذا المجال، سواء من خلال الفن الكاريكاتوري أو المقال النقدي أو غيرهم.
في حين يُعدُّ هذا القانون يندرج ضِمن تنزيل أحكام الفصل (28) من الدستور الذي ينصُّ على تشجيع السلطات العموميَّة على تنظيم قطاع الصحافة بكيفيَّة مستقلة، وعلى أسس ديمقراطيَّة وعلى وضع القواعد القانونيَّة والأخلاقيَّة المتعلقة به. ويهدف هذا القانون إلى التنظيم الذاتي للجسم الصحفي، ويعمل على تعزيز احترام أخلاقيات المهنة والارتقاء بالممارسة الصحفيَّة وكذا تتبع حريَّة الصحافة!


