إقتصاد

«حرب الشرق الأوسط».. نيران فوق الرمال وحرائق في جيوب المغاربة

بينما‭ ‬تنشغل‭ ‬شاشات‭ ‬الأخبار‭ ‬برصد‭ ‬مسارات‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬وأصداء‭ ‬الانفجارات‭ ‬في‭ ‬عواصم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الملتهب،‭ ‬ثمة‭ ‬انفجار‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬يتردّد‭ ‬صداه‭ ‬داخل‭ ‬‮«‬الكوزينة‮»‬‭ ‬المغربية،‭ ‬وفي‭ ‬عمق‭ ‬المحفظات‭ ‬المنهكة‭ ‬للمواطنين‭.‬

هي‭ ‬‮«‬حرب‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تُعلن‭ ‬ببيانات‭ ‬عسكرية،‭ ‬لكن‭ ‬ضحاياها‭ ‬هم‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود،‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬وجهًا‭ ‬لوجه‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬غول‮»‬‭ ‬الأسعار‭ ‬الذي‭ ‬استأسد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭.‬

لا‭ ‬يحتاج‭ ‬المواطن‭ ‬المغربي‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬خبيرًا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬ليفهم‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬رصاصة‭ ‬تُطلق‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬أو‭ ‬المشرق،‭ ‬تُصيب‭ ‬مباشرة‭ ‬عداد‭ ‬محطات‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬أو‭ ‬تطوان‭!‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬وتيرة‭ ‬التهديدات‭ ‬بضرب‭ ‬المنشآت‭ ‬النفطية،‭ ‬عادت‭ ‬الهواجس‭ ‬لتطرق‭ ‬أبواب‭ ‬‮«‬جيوب‮»‬‭ ‬المغاربة،‭ ‬فالسوق‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تؤمن‭ ‬إلا‭ ‬بلغة‭ ‬الأرقام‭ ‬والمخاطر،‭ ‬بدأت‭ ‬تترجم‭ ‬القلق‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سنتيمات‮»‬‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬ثمن‭ ‬اللتر‭ ‬الواحد‭.‬

هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬كرة‭ ‬ثلج‭ ‬تتدحرج‭ ‬لتضرب‭ ‬قطاع‭ ‬النقل،‭ ‬وتجرّ‭ ‬خلفها‭ ‬أسعار‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬سوس‭ ‬وعبدة،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬بـ«ثمن‭ ‬ناري‮»‬‭ ‬يبرّره‭ ‬الوسطاء‭ ‬دومًا‭ ‬بتكلفة‭ ‬‮«‬المازوط‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬أسواقنا‭ ‬الشعبية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬السياسة‮»‬‭ ‬ترفًا‭ ‬فكريًّا،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬بحثًا‭ ‬يوميًّا‭ ‬عن‭ ‬تفسير‭ ‬لغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭.‬

فالمواطن‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتعافَ‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬الجفاف‭ ‬وتداعيات‭ ‬الأزمات‭ ‬السابقة،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬جبهة‭ ‬قتال‭ ‬جديدة‭ ‬عنوانها‭ ‬‮«‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬بكرامة‮»‬‭.‬

والأرقام‭ ‬الرسمية‭ ‬‮«‬وإن‭ ‬حاولت‭ ‬طمأنة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬بنسب‭ ‬تضخم‭ ‬‮«‬متحكم‭ ‬فيها‮»»‬‭ ‬فإنها‭ ‬تصطدم‭ ‬بواقع‭ ‬‮«‬القفة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تفرغ‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭. ‬إن‭ ‬المغرب‭ ‬‮«‬رغم‭ ‬مجهودات‭ ‬تأمين‭ ‬المخزون‭ ‬الاستراتيجي‮»‬‭ ‬يبقى‭ ‬رهينًا‭ ‬لتقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬تتقن‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬فن‭ ‬‮«‬الصيد‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬العكرة‮»‬،‭ ‬محولةً‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬إقليمي‭ ‬إلى‭ ‬ذريعة‭ ‬لرفع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬مراقبة‭ ‬صارمة‭ ‬تضع‭ ‬حدًا‭ ‬لـ«جشع‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭.‬

إن‭ ‬الحكومة‭ ‬اليوم‭ ‬مطالبة‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‮»‬‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬‮«‬المبرر‮»‬‭ ‬بالظروف‭ ‬الدولية؛‭ ‬فالأزمات‭ ‬قدر‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه،‭ ‬لكن‭ ‬حماية‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬هي‭ ‬مسؤولية‭ ‬سياسية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬بامتياز‭.‬

لا‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬‮«‬الدرويش‮»‬‭ ‬وحده‭ ‬ضريبة‭ ‬صراعات‭ ‬تبعد‭ ‬عنه‭ ‬بآلاف‭ ‬الكيلومترات،‭ ‬بينما‭ ‬تستمر‭ ‬الحيتان‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬مراكمة‭ ‬الأرباح‭.‬

إن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬صراع‭ ‬على‭ ‬الخرائط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬استنزاف‭ ‬يومي‭ ‬للقدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الصواريخ‭ ‬تسقط‭ ‬هناك،‭ ‬فإن‭ ‬شظاياها‭ ‬تصيب‭ ‬هنا‭ ‬بيوت‭ ‬البسطاء،‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬إجراءات‭ ‬ملموسة‭ ‬تمنع‭ ‬تحويل‭ ‬القلق‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬نكبة‮»‬‭ ‬اجتماعية‭ ‬داخلية‭ ‬لا‭ ‬تحمد‭ ‬عقباها‭.‬

Exit mobile version