آخر الأخبار
حتى لا تتكرر فاجعة فاس في طنجة.. ملف الدور الآيلة للسقوط يستنفر السلطات والمنتخبين في انتظار حلول نهائية

مدينة البوغاز الأولى في مجال الجهة في تعداد البنايات الخطيرة.. و125 مليون درهم لمعالجة الوضعية
أعادت فاجعة انهيار بنايتين سكنيتين بمدينة فاس، شهر دجنبر الماضي، إلى الأذهان، وجود عديد من المنازل بمدينة طنجة في حالة خطر صامت، التي يمكن في أيّ لحظة أن تتسبّب في تكرار مشاهد هذه المأساة في ظل تسجيل تباطؤ كبير في طي هذا الملف.
وخلال الأسابيع الماضية، وبعد فاجعة فاس مباشرة، دخلت السلطات المحلية بمدينة طنجة مرحلة استنفار غير مسبوقة، عقب توصلها بتعليمات مباشرة من المصالح المركزية بوزارة الداخلية، تقضي بإجراء إحصاء شامل للبنايات والمنازل المهددة بالسقوط، وذلك في سياق وقائي يروم تفادي تكرار سيناريوهات مأساوية مع توالي التساقطات المطرية التي تعرفها «عروس الشمال» خلال الموسم الحالي.
سلطات طنجة تستشعر الخطر
وبحسب مصادر مطلعة، فقد باشرت مختلف مستويات السلطة الترابية، من قيّاد وباشوات وأعوان، بتنسيق مع مصالح وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، عمليات ميدانية مكثفة تروم رصد وضعية البنايات القديمة والمتداعية، ضِمن مسح لا يقتصر فقط على المدينة العتيقة، بل يمتد ليشمل مختلف أحياء طنجة التي تحتضن بنايات شُيّدت منذ عقود.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن عددًا مُهمًّا من المنازل والبنايات بالمدينة يعود تاريخ إنجازها إلى خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، وهي منشآت لم تعد تستجيب لمعايير السلامة المعمارية الحالية، خاصة في ظل التغيرات المناخية والتساقطات المطرية الغزيرة التي تزيد من هشاشة هذه البنايات وتهدد سلامة قاطنيها.
وتأتي هذه المقاربة الاستباقية الجديدة، التي انطلقت شهر دجنبر الماضي، في أعقاب الفاجعة التي هزت مدينة فاس، عقب انهيار بنايتين متجاورتين مكونتين من أربعة طوابق، كانتا تأويان ثماني أسر، وأسفر الحادث عن مصرع 22 شخصًا وإصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول ملف الدور الآيلة للسقوط بالمغرب.
ووفق المصادر ذاتها، فإنَّ التوجيهات التي توصلت بها ولاية جهة طنجة- تطوان-الحسيمة من وزارة الداخلية تعكس تشددًا مركزيًّا واضحًا في التعاطي مع هذا الملف الحساس، عبر توسيع دائرة الجرد والتشخيص وعدم الاكتفاء بالحلول الجزئية أو التدخلات الظرفية التي أثبتت محدوديتها في السابق، من أجل تفادي تكرار سيناريو مماثل في طنجة.
وبالموازاة مع ذلك، لم تقتصر تدخلات لجان المراقبة على البنايات القديمة فقط، بل شملت أيضا عددًا من التجزئات السكنية الحديثة نسبيا، التي شهدت خلال التساقطات المطرية الأخيرة فيضانات واختلالات بنيوية، كشفت عن خروقات واضحة في مجال التعمير والبنيات التحتية، التي انتشر صداها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتفيد المعطيات المتوفرة، بأنَّ هذه الاختلالات ترتبط في كثير من الحالات بعدم التزام بعض المنعشين العقاريين بدفاتر التحملات، سواء من حيث جودة الأشغال المنجزة أو استكمال التجهيزات الأساسية، خصوصًا شبكات تصريف مياه الأمطار والتطهير السائل، ما حول سكان العديد من التجمعات السكنية إلى جحيم.
وأكدت المصادر نفسها، أنَّ السلطات المحلية باشرت عمليات افتحاص دقيقة لهذه المشروعات السكنية، ضِمن جرد شامل للخروقات المحتملة، تمهيدا لترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية، خاصة في ظل تكرار شكايات الساكنة المتضررة من الفيضانات داخل أحياء حديثة التشييد، التي تحولت إلى مستنقعات مائية ضخمة كما أضرت بممتلكات العديد من السكان.
وفي هذا السياق، يرتقب أن يُواجه عدد من المنعشين العقاريين المعروفين بمدينة طنجة إجراءات زجرية صارمة، في حال ثبوت عدم وفائهم بالتزاماتهم التعاقدية، حيث شددت التوجيهات المركزية على ضرورة تفعيل المساطر القانونية دون أي تهاون أو انتقائية. وبحسب المصادر ذاتها، فسيتولى الوالي يونس التازي، السهر شخصيًّا على تتبع هذا الملف، وضمان التطبيق الصارم للقانون في حق كل من ثبت تورطه في خروقات تمس سلامة المواطنين أو تهدد الأمن العمراني للمدينة.
ويعيد هذا الاستنفار تسليط الضوء على الإشكالات البنيوية التي يعرفها قطاع التعمير بطنجة، بين إرث عمراني متقادم يفتقر إلى الصيانة والتأهيل، وتمدد حضري سريع رافقته في بعض الأحيان ممارسات غير مسؤولة، أفرزت أحياء هشة رغم حداثة بنائها.
ويرى متتبعون، أنَّ نجاح هذه المقاربة الاستباقية رهين بمدى استمراريتها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك مختلف المتدخلين، من جماعات ترابية ووكالات حضرية ومنعشين عقاريين، في تصور شامل يوازن بين حق السكن ومتطلبات السلامة، بما يحصّن طنجة من كوارث محتملة ويعيد الاعتبار للتخطيط العمراني السليم.
أحداث تدق ناقوس الخطر
وعاد ملف الدور الآيلة للسقوط بمدينة طنجة ليطفو بقوة على السطح بشكل واضح في الأسابيع والشهور القليلة الماضية، معيدًا إلى الواجهة واحدًا من أخطر الإشكالات العمرانية والاجتماعية التي تؤرق الساكنة والسلطات على حد سواء، في ظل توالي المؤشرات المقلقة بين تحذيرات منتخبين محليين وحوادث انهيار فعلية كادت تتحول إلى مآسٍ إنسانية.
فمثلا، خلال أشغال الدورة العادية لشهر يناير 2026 لمجلس مقاطعة طنجة المدينة، أطلقت مستشارة جماعية تحذيرًا صريحًا من خطورة عدد من البنايات المهددة بالانهيار داخل المدار الحضري للمدينة، معتبرة أن الوضع لم يعد يحتمل التأجيل أو التسويف.
المستشارة حفيظة الوهابي، التي تنتمي لحزب الحركة الشعبية، نبهت إلى حالة بناية مهجورة بحي خوصافات، بدت عليها تشققات واضحة وانهيارات داخلية جزئية، ما يجعلها، بحسب توصيفها، قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة. ووفق المعطيات المتداولة داخل المجلس، فإن هذه البناية، التي تعود ملكيتها لإحدى الأسر الأجنبية، ظلت مهجورة لسنوات دون أي تدخّل أو صيانة، إلى أن بدأت علامات التصدُّع والانهيار تظهر بشكل جلي، سواء في مجال بنيتها الداخلية أو واجهتها الخارجية.
خطورة الوضع، كما شددت عليه المستشارة، لا تكمن فقط في الحالة التقنية للبناية، بل في موقعها داخل ممر حيوي يعرف حركة دؤوبة للسكان، خصوصًا الأطفال الذين يتخذون من محيطها فضاءً للعب اليومي، ما يرفع من منسوب المخاطر المحتملة. وتزداد هذه المخاوف في ظل الظروف المناخية التي تعرفها طنجة خلال الأسابيع الأخيرة، حيث سجلت المدينة تساقطات مطرية مهمة من شأنها تسريع تدهور البنايات الهشة وإضعاف أسسها، ما يجعل احتمال الانهيار قائمًا في أي وقت.
هذا المعطى دفع المستشارة إلى دعوة الجهات المختصة إلى التدخل العاجل، ليس فقط لمعالجة وضع هذه البناية بعينها، بل للتعامل بجدية مع مجموع البنايات المصنفة ضمن خانة الخطر، سواء في الأحياء الشعبية أو داخل المدينة القديمة.
ولم تكن هذه التحذيرات مجرد سيناريوهات افتراضية أو تخوفات نظرية، إذ قبل ذلك عززها واقع ميداني مؤلم، تمثل في حادث انهيار جزئي لمنزل قديم بحي گورزيانة بمنطقة بني مكادة، يوم 17 نونبر 2025، وهذا الحادث أعاد بقوة النقاش حول هشاشة عدد من المباني داخل النسيج الحضري لطنجة، خاصة تلك التي شُيدت في فترات سابقة دون احترام معايير السلامة المعمول بها اليوم.
وحسب المعطيات المتوفرة، فقد أدَّى الانهيار إلى إصابة شخصين كانا يمران بالمصادفة قرب مكان الحادث، أحد المصابين تعرض لجروح خطيرة استدعت نقله سريعًا إلى مستشفى محمد الخامس، فيما أصيب الآخر بإصابات خفيفة، ورغم أن الحادث لم يسفر عن وفيات، فإنَّه كشف مجددًا حجم المخاطر التي تهدد حياة المواطنين بشكل يومي، خاصة في الأحياء المكتظة بالسكان حيث تختلط البنايات المتهالكة بحركية بشرية كثيفة.
وفور وقوع الحادث، تدخلت السلطات المحلية وعناصر الأمن الوطني، حيث تم تطويق المكان ومنع الاقتراب من البناية المهددة بالسقوط، بالتوازي مع فتح تحقيق تحت إشراف النيابة العامة المختصة، قصد تحديد ظروف وملابسات الانهيار، ومدى احترام شروط السلامة، والمسؤوليات المحتملة المرتبطة بغياب الصيانة أو المراقبة.
هذا التداخل بين التحذيرات المؤسساتية والحوادث الواقعية يعكس بوضوح أن ملف الدور الآيلة للسقوط بطنجة لم يعد مسألة معزولة أو ظرفية، بل إشكالا بنيويا يتطلب معالجة شمولية تتجاوز منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، فالمدينة، التي تعرف توسعًا عمرانيًّا متسارعًا وتزايدًا ديمغرافيًّا ملحوظًا، تضم -في طياتها- نسيجًا حضريًّا قديمًا ومهترئا، خصوصًا في الأحياء العتيقة والمناطق الشعبية، حيث تتقاطع الهشاشة العمرانية مع الهشاشة الاجتماعية.
وتطرح هذه الوضعية تساؤلات جدية حول نجاعة البرامج المعتمدة لرصد وتتبع البنايات المهددة بالانهيار، ومدى توفر آليات دقيقة للتدخل قبل وقوع الكارثة، كما يثير الموضوع إشكاليات متعلقة بتداخل الاختصاصات بين مختلف المتدخلين، من جماعات ترابية وسلطات محلية وقطاعات وزارية، فضلا عن تعقيدات مرتبطة بملكية بعض البنايات، خاصة تلك العائدة لأجانب أو ورثة غائبين، ما يعرقل في كثير من الأحيان اتخاذ قرارات حاسمة بالهدم أو الترميم.
في المقابل، يظل المواطن البسيط الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يجد نفسه مهددًا في سلامته الجسدية دون أن تتوفر له دائمًا بدائل سكنية أو حلول عملية في حال إخلاء البنايات الخطرة، مما يغذي شعورًا متناميًا بالقلق وفقدان الثقة في قدرة التدخلات العمومية على وضع حد لهذا النزيف الصامت.
وأمام هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالبة بتفعيل مقاربة أكثر صرامة ونجاعة، تقوم على الجرد الدقيق للبنايات الآيلة للسقوط، وتسريع مساطر التدخل، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع توفير حلول اجتماعية موازية تحفظ كرامة المتضررين، فطنجة، التي تسعى إلى ترسيخ صورتها كمدينة حديثة وجاذبة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي، إما أن تنتصر لمنطق الوقاية وحماية الأرواح، وإما أنَّ تظل رهينة كوارث متكررة لا تنتظر سوى لحظة الانهيار.
كـل الجهـة في خـطر.. وطــنجــــة أولا
يُعدّ ملفّ المباني الآيلة للسقوط بطنجة، وبجهة طنجة-تطوان-الحسيمة عمومًا من أكثر الملفات الحضرية تعقيدًا وحساسية، بالنظر إلى تداخله بين ماهو اجتماعي وعمراني وقانوني وتراثي، فضلًا عن ارتباطه المباشر بسلامة المواطنين وحقهم في السكن الآمن. وقد ظل هذا الملف، لسنوات طويلة، عنوانًا لاختلالات تراكمت بفعل التقادم العمراني، والهشاشة الاجتماعية، وضعف الصيانة، إلى جانب إكراهات الملكية وتعدّد المتدخلين، قبل أن يعرف في السنوات الأخيرة دينامية جديدة تُوّجت بإحداث الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط وتفعيل الإطار القانوني المنظم لهذا المجال.
المعطيات الرسمية الصادرة في يناير 2023 كشفت بوضوح حجم الإشكال، إذ أفادت مصالح إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بأن الجهة تحتضن ما يقارب عشرة آلاف بناية مصنفة ضمن المباني الآيلة للسقوط، وهو رقم يضع الجهة في صدارة الإحصائيات الوطنية، وتتصدر مدينة طنجة هذه اللائحة، تليها مدن العرائش ووزان وشفشاون وتطوان.
هذا المعطى يعكس خصوصية الجهة التي تجمع بين مدن عتيقة ذات نسيج عمراني تاريخي كثيف، وأحياء توسّعت بشكل دون تنظيم خلال عقود من الضغط الديمغرافي والهجرة القروية، هذه الوضعية جعلت من طنجة، خاصة في أحيائها القديمة، مجالًا هشًّا يتأثر بسرعة بالعوامل الطبيعية كالتساقطات المطرية والرطوبة، وبالاهتزازات الناتجة عن الأشغال الكبرى والحركية المرورية.
ورغم هذا الوضع المقلق، تشير المعطيات الرسمية إلى أنَّ تدخلات السلطات المختصة، خاصة بالمدينة العتيقة لطنجة، مكّنت في حالات عديدة من تفادي كوارث إنسانية، عبر عمليات التدعيم الاستعجالي، والإفراغ الوقائي، وإعادة التهيئة الشاملة لبعض الدروب والأحياء، غير أنَّ هذه التدخلات ظلَّت، في مراحل سابقة، محكومة بمنطق التدبير الجزئي ورد الفعل، أكثر من كونها ثمرة رؤية استباقية شمولية، وهو ما يُفسّر استمرار تسجيل حوادث وانهيارات، وإن كانت بدرجات متفاوتة من الخطورة.
التحول الأبرز في طريقة التعاطي مع هذا الملف تمثّل في تفعيل الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط سنة 2022، ووضع تصور يمتد من 2022 إلى 2026، يهدف إلى تشخيص وتصنيف المباني المعنية في مجال كل جهة على حدة.
هذا التوجه يعكس انتقالًا من المعالجة الظرفية إلى التخطيط الممنهج، القائم على قواعد المعاينة التقنية والتصنيف حسب درجة الخطورة، وهو ما يسمح بتحديد الأولويات وتعبئة الموارد بشكل أكثر نجاعة، كما يرتكز هذا التصور على مقتضيات القانون رقم (12-94) المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري، الذي يشكل اليوم الإطار القانوني المرجعي لتدخلات الدولة والجماعات الترابية في هذا المجال.
في هذا السياق، شكّل الإعلان في أكتوبر 2024 عن تخصيص غلاف مالي يناهز 125 مليون درهم لمعالجة المباني الآيلة للسقوط بالمدينة العتيقة لطنجة خلال المُدّة الممتدة من 2025 إلى 2028، خطوة نوعية تعكس إرادة سياسية ومؤسساتية لإعطاء نفس جديد لهذا الورش.
ويستند هذا المشروع إلى اتفاقية متعددة الأطراف، تضم وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والوكالة الوطنية للتجديد الحضري، ومجلس الجهة، ومجلس جماعة طنجة، تحت إشراف ولاية الجهة، وتكمن أهمية هذه الاتفاقية في كونها تؤسس لتقاسم واضح للأدوار والتمويل، بما يحدُّ من تشتت المسؤوليات الذي كان أحد أعطاب التدبير في السابق.
ولا تقتصر هذه الاتفاقية على الجانب المالي والتقني، بل تندرج ضمن رؤية أوسع تستحضر التوجيهات الملكية الرامية إلى تحقيق تنمية حضرية متكاملة، وحماية التراث المادي للمدن العتيقة، وتثمين الرأسمال الثقافي واللامادي.
فالمدينة العتيقة لطنجة ليست مجرد مجال سكني هش، بل فضاء تاريخي وسياحي وثقافي، وأي تدخل فيها يجب أن يوازن بين متطلبات السلامة والحفاظ على الهوية العمرانية. ومن هنا تبرز أهمية المقاربة المعتمدة، التي تجمع بين الترميم، وإعادة التأهيل، والتجديد الحضري، بدل الاكتفاء بالهدم وإعادة البناء، كلما كان ذلك ممكنًا تقنيًّا.
كما تولي الاتفاقية اهتمامًا خاصًا بالبعد الاجتماعي، من خلال الاستجابة لطلبات الإيواء المؤقت، وحصر الأسر القاطنة بالبنايات المستهدفة، وتنفيذ قرارات رئيس جماعة طنجة المتعلقة بالتجديد الحضري، هذا البعد يظل حاسما، لأن أي معالجة تقنية لا تأخذ في الاعتبار هشاشة الساكنة وإكراهات الدخل والكراء والملكية، تبقى مهددة بالتعثر أو الرفض الاجتماعي. وتجارب سابقة أبانت أن إقناع الأسر بالإفراغ الوقائي، أو إعادة الإيواء المؤقت، يظل من أعقد حلقات هذا الملف، خاصة في ظل ضعف البدائل السكنية داخل النسيج الحضري القريب من أماكن عيشهم وعملهم.
وعلى مستوى الجهة ككل، يندرج هذا الورش ضمن برنامج التنمية الجهوية لمجلس الجهة، لا سيَّما في شقه المتعلق بتأهيل وتثمين المدن العتيقة، غير أن التحدّي الحقيقي يظل في تعميم نفس النفس الإصلاحي على باقي المدن المتضررة، وعدم حصر الجهود في طنجة فقط، رغم رمزيتها وحجم الإشكال فيها، فالعرائش، ووزان، وشفشاون، وتطوان، تعرف بدورها وضعيات مقلقة، تستدعي استثمارات مماثلة، ورؤية مندمجة تأخذ في الاعتبار الخصوصيات المحلية لكل مدينة.
في المحصلة، يمكن القول إن ملف الدور الآيلة للسقوط بطنجة والجهة دخل مرحلة جديدة تتسم بوضوح الإطار القانوني، وتعدد الشراكات، وتوفر التمويل، غير أن نجاح هذه الدينامية يظل رهينًا بقدرة المتدخلين على التنزيل الصارم، والشفاف، والمستدام، بعيدًا عن منطق التدبير الظرفي أو الحسابات السياسية الضيقة، فسلامة المواطنين، وحماية التراث، وضمان الحق في المدينة، تظل رهانات لا تحتمل التأجيل أو أنصاف الحلول.