آخر الأخبار

حتى لا تتكرر فاجعة فاس في طنجة.. ملف الدور الآيلة للسقوط يستنفر السلطات والمنتخبين في انتظار حلول نهائية

مدينة‭ ‬البوغاز‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الجهة‭ ‬في‭ ‬تعداد‭ ‬البنايات‭ ‬الخطيرة‭.. ‬و125‭ ‬مليون‭ ‬درهم‭ ‬لمعالجة‭ ‬الوضعية

أعادت‭ ‬فاجعة‭ ‬انهيار‭ ‬بنايتين‭ ‬سكنيتين‭ ‬بمدينة‭ ‬فاس،‭ ‬شهر‭ ‬دجنبر‭ ‬الماضي،‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان،‭ ‬وجود‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬المنازل‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬خطر‭ ‬صامت،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬لحظة‭ ‬أن‭ ‬تتسبّب‭ ‬في‭ ‬تكرار‭ ‬مشاهد‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تسجيل‭ ‬تباطؤ‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬طي‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭.‬

وخلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية،‭ ‬وبعد‭ ‬فاجعة‭ ‬فاس‭ ‬مباشرة،‭ ‬دخلت‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬مرحلة‭ ‬استنفار‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬عقب‭ ‬توصلها‭ ‬بتعليمات‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬المركزية‭ ‬بوزارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬تقضي‭ ‬بإجراء‭ ‬إحصاء‭ ‬شامل‭ ‬للبنايات‭ ‬والمنازل‭ ‬المهددة‭ ‬بالسقوط،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬وقائي‭ ‬يروم‭ ‬تفادي‭ ‬تكرار‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مأساوية‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬التساقطات‭ ‬المطرية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬‮«‬عروس‭ ‬الشمال‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭ ‬الحالي‭.‬

سلطات‭ ‬طنجة‭ ‬تستشعر‭ ‬الخطر

وبحسب‭ ‬مصادر‭ ‬مطلعة،‭ ‬فقد‭ ‬باشرت‭ ‬مختلف‭ ‬مستويات‭ ‬السلطة‭ ‬الترابية،‭ ‬من‭ ‬قيّاد‭ ‬وباشوات‭ ‬وأعوان،‭ ‬بتنسيق‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬وزارة‭ ‬إعداد‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬والتعمير‭ ‬والإسكان‭ ‬وسياسة‭ ‬المدينة،‭ ‬عمليات‭ ‬ميدانية‭ ‬مكثفة‭ ‬تروم‭ ‬رصد‭ ‬وضعية‭ ‬البنايات‭ ‬القديمة‭ ‬والمتداعية،‭ ‬ضِمن‭ ‬مسح‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المدينة‭ ‬العتيقة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬مختلف‭ ‬أحياء‭ ‬طنجة‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬بنايات‭ ‬شُيّدت‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬مُهمًّا‭ ‬من‭ ‬المنازل‭ ‬والبنايات‭ ‬بالمدينة‭ ‬يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬إنجازها‭ ‬إلى‭ ‬خمسينيّات‭ ‬وستينيّات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وهي‭ ‬منشآت‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تستجيب‭ ‬لمعايير‭ ‬السلامة‭ ‬المعمارية‭ ‬الحالية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬والتساقطات‭ ‬المطرية‭ ‬الغزيرة‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬هذه‭ ‬البنايات‭ ‬وتهدد‭ ‬سلامة‭ ‬قاطنيها‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬الاستباقية‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬شهر‭ ‬دجنبر‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الفاجعة‭ ‬التي‭ ‬هزت‭ ‬مدينة‭ ‬فاس،‭ ‬عقب‭ ‬انهيار‭ ‬بنايتين‭ ‬متجاورتين‭ ‬مكونتين‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬طوابق،‭ ‬كانتا‭ ‬تأويان‭ ‬ثماني‭ ‬أسر،‭ ‬وأسفر‭ ‬الحادث‭ ‬عن‭ ‬مصرع‭ ‬22‭ ‬شخصًا‭ ‬وإصابة‭ ‬آخرين‭ ‬بجروح‭ ‬متفاوتة‭ ‬الخطورة،‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬ملف‭ ‬الدور‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬بالمغرب‭.‬

ووفق‭ ‬المصادر‭ ‬ذاتها،‭ ‬فإنَّ‭ ‬التوجيهات‭ ‬التي‭ ‬توصلت‭ ‬بها‭ ‬ولاية‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭- ‬تطوان‭-‬الحسيمة‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬تعكس‭ ‬تشددًا‭ ‬مركزيًّا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬الحساس،‭ ‬عبر‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الجرد‭ ‬والتشخيص‭ ‬وعدم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالحلول‭ ‬الجزئية‭ ‬أو‭ ‬التدخلات‭ ‬الظرفية‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬محدوديتها‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تفادي‭ ‬تكرار‭ ‬سيناريو‭ ‬مماثل‭ ‬في‭ ‬طنجة‭.‬

وبالموازاة‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬تدخلات‭ ‬لجان‭ ‬المراقبة‭ ‬على‭ ‬البنايات‭ ‬القديمة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬شملت‭ ‬أيضا‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬التجزئات‭ ‬السكنية‭ ‬الحديثة‭ ‬نسبيا،‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬خلال‭ ‬التساقطات‭ ‬المطرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬فيضانات‭ ‬واختلالات‭ ‬بنيوية،‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬خروقات‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعمير‭ ‬والبنيات‭ ‬التحتية،‭ ‬التي‭ ‬انتشر‭ ‬صداها‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وتفيد‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة،‭ ‬بأنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬ترتبط‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬بعدم‭ ‬التزام‭ ‬بعض‭ ‬المنعشين‭ ‬العقاريين‭ ‬بدفاتر‭ ‬التحملات،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جودة‭ ‬الأشغال‭ ‬المنجزة‭ ‬أو‭ ‬استكمال‭ ‬التجهيزات‭ ‬الأساسية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬شبكات‭ ‬تصريف‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار‭ ‬والتطهير‭ ‬السائل،‭ ‬ما‭ ‬حول‭ ‬سكان‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التجمعات‭ ‬السكنية‭ ‬إلى‭ ‬جحيم‭.‬

وأكدت‭ ‬المصادر‭ ‬نفسها،‭ ‬أنَّ‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬باشرت‭ ‬عمليات‭ ‬افتحاص‭ ‬دقيقة‭ ‬لهذه‭ ‬المشروعات‭ ‬السكنية،‭ ‬ضِمن‭ ‬جرد‭ ‬شامل‭ ‬للخروقات‭ ‬المحتملة،‭ ‬تمهيدا‭ ‬لترتيب‭ ‬المسؤوليات‭ ‬القانونية‭ ‬والإدارية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تكرار‭ ‬شكايات‭ ‬الساكنة‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬داخل‭ ‬أحياء‭ ‬حديثة‭ ‬التشييد،‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مستنقعات‭ ‬مائية‭ ‬ضخمة‭ ‬كما‭ ‬أضرت‭ ‬بممتلكات‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬السكان‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يرتقب‭ ‬أن‭ ‬يُواجه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المنعشين‭ ‬العقاريين‭ ‬المعروفين‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬إجراءات‭ ‬زجرية‭ ‬صارمة،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ثبوت‭ ‬عدم‭ ‬وفائهم‭ ‬بالتزاماتهم‭ ‬التعاقدية،‭ ‬حيث‭ ‬شددت‭ ‬التوجيهات‭ ‬المركزية‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تفعيل‭ ‬المساطر‭ ‬القانونية‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تهاون‭ ‬أو‭ ‬انتقائية‭. ‬وبحسب‭ ‬المصادر‭ ‬ذاتها،‭ ‬فسيتولى‭ ‬الوالي‭ ‬يونس‭ ‬التازي،‭ ‬السهر‭ ‬شخصيًّا‭ ‬على‭ ‬تتبع‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬وضمان‭ ‬التطبيق‭ ‬الصارم‭ ‬للقانون‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ثبت‭ ‬تورطه‭ ‬في‭ ‬خروقات‭ ‬تمس‭ ‬سلامة‭ ‬المواطنين‭ ‬أو‭ ‬تهدد‭ ‬الأمن‭ ‬العمراني‭ ‬للمدينة‭.‬

ويعيد‭ ‬هذا‭ ‬الاستنفار‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الإشكالات‭ ‬البنيوية‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬قطاع‭ ‬التعمير‭ ‬بطنجة،‭ ‬بين‭ ‬إرث‭ ‬عمراني‭ ‬متقادم‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الصيانة‭ ‬والتأهيل،‭ ‬وتمدد‭ ‬حضري‭ ‬سريع‭ ‬رافقته‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬ممارسات‭ ‬غير‭ ‬مسؤولة،‭ ‬أفرزت‭ ‬أحياء‭ ‬هشة‭ ‬رغم‭ ‬حداثة‭ ‬بنائها‭.‬

ويرى‭ ‬متتبعون،‭ ‬أنَّ‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬الاستباقية‭ ‬رهين‭ ‬بمدى‭ ‬استمراريتها،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬وإشراك‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين،‭ ‬من‭ ‬جماعات‭ ‬ترابية‭ ‬ووكالات‭ ‬حضرية‭ ‬ومنعشين‭ ‬عقاريين،‭ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬شامل‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬حق‭ ‬السكن‭ ‬ومتطلبات‭ ‬السلامة،‭ ‬بما‭ ‬يحصّن‭ ‬طنجة‭ ‬من‭ ‬كوارث‭ ‬محتملة‭ ‬ويعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للتخطيط‭ ‬العمراني‭ ‬السليم‭.‬

أحداث‭ ‬تدق‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر

وعاد‭ ‬ملف‭ ‬الدور‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬ليطفو‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬والشهور‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬معيدًا‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الإشكالات‭ ‬العمرانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تؤرق‭ ‬الساكنة‭ ‬والسلطات‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توالي‭ ‬المؤشرات‭ ‬المقلقة‭ ‬بين‭ ‬تحذيرات‭ ‬منتخبين‭ ‬محليين‭ ‬وحوادث‭ ‬انهيار‭ ‬فعلية‭ ‬كادت‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مآسٍ‭ ‬إنسانية‭.‬

فمثلا،‭ ‬خلال‭ ‬أشغال‭ ‬الدورة‭ ‬العادية‭ ‬لشهر‭ ‬يناير‭ ‬2026‭ ‬لمجلس‭ ‬مقاطعة‭ ‬طنجة‭ ‬المدينة،‭ ‬أطلقت‭ ‬مستشارة‭ ‬جماعية‭ ‬تحذيرًا‭ ‬صريحًا‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬البنايات‭ ‬المهددة‭ ‬بالانهيار‭ ‬داخل‭ ‬المدار‭ ‬الحضري‭ ‬للمدينة،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحتمل‭ ‬التأجيل‭ ‬أو‭ ‬التسويف‭.‬

المستشارة‭ ‬حفيظة‭ ‬الوهابي،‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬لحزب‭ ‬الحركة‭ ‬الشعبية،‭ ‬نبهت‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬بناية‭ ‬مهجورة‭ ‬بحي‭ ‬خوصافات،‭ ‬بدت‭ ‬عليها‭ ‬تشققات‭ ‬واضحة‭ ‬وانهيارات‭ ‬داخلية‭ ‬جزئية،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها،‭ ‬بحسب‭ ‬توصيفها،‭ ‬قنبلة‭ ‬موقوتة‭ ‬قد‭ ‬تنفجر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭. ‬ووفق‭ ‬المعطيات‭ ‬المتداولة‭ ‬داخل‭ ‬المجلس،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬البناية،‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬ملكيتها‭ ‬لإحدى‭ ‬الأسر‭ ‬الأجنبية،‭ ‬ظلت‭ ‬مهجورة‭ ‬لسنوات‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تدخّل‭ ‬أو‭ ‬صيانة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬علامات‭ ‬التصدُّع‭ ‬والانهيار‭ ‬تظهر‭ ‬بشكل‭ ‬جلي،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬بنيتها‭ ‬الداخلية‭ ‬أو‭ ‬واجهتها‭ ‬الخارجية‭.‬

خطورة‭ ‬الوضع،‭ ‬كما‭ ‬شددت‭ ‬عليه‭ ‬المستشارة،‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬التقنية‭ ‬للبناية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬موقعها‭ ‬داخل‭ ‬ممر‭ ‬حيوي‭ ‬يعرف‭ ‬حركة‭ ‬دؤوبة‭ ‬للسكان،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يتخذون‭ ‬من‭ ‬محيطها‭ ‬فضاءً‭ ‬للعب‭ ‬اليومي،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬منسوب‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة‭. ‬وتزداد‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬طنجة‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬المدينة‭ ‬تساقطات‭ ‬مطرية‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬تسريع‭ ‬تدهور‭ ‬البنايات‭ ‬الهشة‭ ‬وإضعاف‭ ‬أسسها،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬احتمال‭ ‬الانهيار‭ ‬قائمًا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭.‬

هذا‭ ‬المعطى‭ ‬دفع‭ ‬المستشارة‭ ‬إلى‭ ‬دعوة‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭ ‬إلى‭ ‬التدخل‭ ‬العاجل،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لمعالجة‭ ‬وضع‭ ‬هذه‭ ‬البناية‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬للتعامل‭ ‬بجدية‭ ‬مع‭ ‬مجموع‭ ‬البنايات‭ ‬المصنفة‭ ‬ضمن‭ ‬خانة‭ ‬الخطر،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬التحذيرات‭ ‬مجرد‭ ‬سيناريوهات‭ ‬افتراضية‭ ‬أو‭ ‬تخوفات‭ ‬نظرية،‭ ‬إذ‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬عززها‭ ‬واقع‭ ‬ميداني‭ ‬مؤلم،‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬انهيار‭ ‬جزئي‭ ‬لمنزل‭ ‬قديم‭ ‬بحي‭ ‬گورزيانة‭ ‬بمنطقة‭ ‬بني‭ ‬مكادة،‭ ‬يوم‭ ‬17‭ ‬نونبر‭ ‬2025،‭ ‬وهذا‭ ‬الحادث‭ ‬أعاد‭ ‬بقوة‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬هشاشة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المباني‭ ‬داخل‭ ‬النسيج‭ ‬الحضري‭ ‬لطنجة،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬شُيدت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬سابقة‭ ‬دون‭ ‬احترام‭ ‬معايير‭ ‬السلامة‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭ ‬اليوم‭.‬

وحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة،‭ ‬فقد‭ ‬أدَّى‭ ‬الانهيار‭ ‬إلى‭ ‬إصابة‭ ‬شخصين‭ ‬كانا‭ ‬يمران‭ ‬بالمصادفة‭ ‬قرب‭ ‬مكان‭ ‬الحادث،‭ ‬أحد‭ ‬المصابين‭ ‬تعرض‭ ‬لجروح‭ ‬خطيرة‭ ‬استدعت‭ ‬نقله‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬مستشفى‭ ‬محمد‭ ‬الخامس،‭ ‬فيما‭ ‬أصيب‭ ‬الآخر‭ ‬بإصابات‭ ‬خفيفة،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الحادث‭ ‬لم‭ ‬يسفر‭ ‬عن‭ ‬وفيات،‭ ‬فإنَّه‭ ‬كشف‭ ‬مجددًا‭ ‬حجم‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬بشكل‭ ‬يومي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬المكتظة‭ ‬بالسكان‭ ‬حيث‭ ‬تختلط‭ ‬البنايات‭ ‬المتهالكة‭ ‬بحركية‭ ‬بشرية‭ ‬كثيفة‭.‬

وفور‭ ‬وقوع‭ ‬الحادث،‭ ‬تدخلت‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬وعناصر‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تطويق‭ ‬المكان‭ ‬ومنع‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬البناية‭ ‬المهددة‭ ‬بالسقوط،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬فتح‭ ‬تحقيق‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬المختصة،‭ ‬قصد‭ ‬تحديد‭ ‬ظروف‭ ‬وملابسات‭ ‬الانهيار،‭ ‬ومدى‭ ‬احترام‭ ‬شروط‭ ‬السلامة،‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬المحتملة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بغياب‭ ‬الصيانة‭ ‬أو‭ ‬المراقبة‭.‬

هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬التحذيرات‭ ‬المؤسساتية‭ ‬والحوادث‭ ‬الواقعية‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬ملف‭ ‬الدور‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬بطنجة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مسألة‭ ‬معزولة‭ ‬أو‭ ‬ظرفية،‭ ‬بل‭ ‬إشكالا‭ ‬بنيويا‭ ‬يتطلب‭ ‬معالجة‭ ‬شمولية‭ ‬تتجاوز‭ ‬منطق‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الاستباق،‭ ‬فالمدينة،‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬توسعًا‭ ‬عمرانيًّا‭ ‬متسارعًا‭ ‬وتزايدًا‭ ‬ديمغرافيًّا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬تضم‭ -‬في‭ ‬طياتها‭- ‬نسيجًا‭ ‬حضريًّا‭ ‬قديمًا‭ ‬ومهترئا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬العتيقة‭ ‬والمناطق‭ ‬الشعبية،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الهشاشة‭ ‬العمرانية‭ ‬مع‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

وتطرح‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬تساؤلات‭ ‬جدية‭ ‬حول‭ ‬نجاعة‭ ‬البرامج‭ ‬المعتمدة‭ ‬لرصد‭ ‬وتتبع‭ ‬البنايات‭ ‬المهددة‭ ‬بالانهيار،‭ ‬ومدى‭ ‬توفر‭ ‬آليات‭ ‬دقيقة‭ ‬للتدخل‭ ‬قبل‭ ‬وقوع‭ ‬الكارثة،‭ ‬كما‭ ‬يثير‭ ‬الموضوع‭ ‬إشكاليات‭ ‬متعلقة‭ ‬بتداخل‭ ‬الاختصاصات‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين،‭ ‬من‭ ‬جماعات‭ ‬ترابية‭ ‬وسلطات‭ ‬محلية‭ ‬وقطاعات‭ ‬وزارية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تعقيدات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بملكية‭ ‬بعض‭ ‬البنايات،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬العائدة‭ ‬لأجانب‭ ‬أو‭ ‬ورثة‭ ‬غائبين،‭ ‬ما‭ ‬يعرقل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬حاسمة‭ ‬بالهدم‭ ‬أو‭ ‬الترميم‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يظل‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬مهددًا‭ ‬في‭ ‬سلامته‭ ‬الجسدية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتوفر‭ ‬له‭ ‬دائمًا‭ ‬بدائل‭ ‬سكنية‭ ‬أو‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬إخلاء‭ ‬البنايات‭ ‬الخطرة،‭ ‬مما‭ ‬يغذي‭ ‬شعورًا‭ ‬متناميًا‭ ‬بالقلق‭ ‬وفقدان‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬التدخلات‭ ‬العمومية‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لهذا‭ ‬النزيف‭ ‬الصامت‭.‬

وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬تتعالى‭ ‬الأصوات‭ ‬المطالبة‭ ‬بتفعيل‭ ‬مقاربة‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬ونجاعة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الجرد‭ ‬الدقيق‭ ‬للبنايات‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط،‭ ‬وتسريع‭ ‬مساطر‭ ‬التدخل،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬حلول‭ ‬اجتماعية‭ ‬موازية‭ ‬تحفظ‭ ‬كرامة‭ ‬المتضررين،‭ ‬فطنجة،‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬صورتها‭ ‬كمدينة‭ ‬حديثة‭ ‬وجاذبة،‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي،‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬لمنطق‭ ‬الوقاية‭ ‬وحماية‭ ‬الأرواح،‭ ‬وإما‭ ‬أنَّ‭ ‬تظل‭ ‬رهينة‭ ‬كوارث‭ ‬متكررة‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬سوى‭ ‬لحظة‭ ‬الانهيار‭.‬

كـل‭ ‬الجهـة‭ ‬في‭ ‬خـطر‭.. ‬وطــنجــــة‭ ‬أولا

يُعدّ‭ ‬ملفّ‭ ‬المباني‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬بطنجة،‭ ‬وبجهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة‭ ‬عمومًا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الملفات‭ ‬الحضرية‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وحساسية،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬تداخله‭ ‬بين‭ ‬ماهو‭ ‬اجتماعي‭ ‬وعمراني‭ ‬وقانوني‭ ‬وتراثي،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬ارتباطه‭ ‬المباشر‭ ‬بسلامة‭ ‬المواطنين‭ ‬وحقهم‭ ‬في‭ ‬السكن‭ ‬الآمن‭. ‬وقد‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬عنوانًا‭ ‬لاختلالات‭ ‬تراكمت‭ ‬بفعل‭ ‬التقادم‭ ‬العمراني،‭ ‬والهشاشة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وضعف‭ ‬الصيانة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إكراهات‭ ‬الملكية‭ ‬وتعدّد‭ ‬المتدخلين،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬دينامية‭ ‬جديدة‭ ‬تُوّجت‭ ‬بإحداث‭ ‬الوكالة‭ ‬الوطنية‭ ‬للتجديد‭ ‬الحضري‭ ‬وتأهيل‭ ‬المباني‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬وتفعيل‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬المنظم‭ ‬لهذا‭ ‬المجال‭.‬

المعطيات‭ ‬الرسمية‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2023‭ ‬كشفت‭ ‬بوضوح‭ ‬حجم‭ ‬الإشكال،‭ ‬إذ‭ ‬أفادت‭ ‬مصالح‭ ‬إعداد‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬والتعمير‭ ‬والإسكان‭ ‬وسياسة‭ ‬المدينة‭ ‬بأن‭ ‬الجهة‭ ‬تحتضن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬بناية‭ ‬مصنفة‭ ‬ضمن‭ ‬المباني‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يضع‭ ‬الجهة‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬الإحصائيات‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتتصدر‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬هذه‭ ‬اللائحة،‭ ‬تليها‭ ‬مدن‭ ‬العرائش‭ ‬ووزان‭ ‬وشفشاون‭ ‬وتطوان‭.‬

هذا‭ ‬المعطى‭ ‬يعكس‭ ‬خصوصية‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬مدن‭ ‬عتيقة‭ ‬ذات‭ ‬نسيج‭ ‬عمراني‭ ‬تاريخي‭ ‬كثيف،‭ ‬وأحياء‭ ‬توسّعت‭ ‬بشكل‭ ‬دون‭ ‬تنظيم‭ ‬خلال‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬الديمغرافي‭ ‬والهجرة‭ ‬القروية،‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬طنجة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬أحيائها‭ ‬القديمة،‭ ‬مجالًا‭ ‬هشًّا‭ ‬يتأثر‭ ‬بسرعة‭ ‬بالعوامل‭ ‬الطبيعية‭ ‬كالتساقطات‭ ‬المطرية‭ ‬والرطوبة،‭ ‬وبالاهتزازات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الأشغال‭ ‬الكبرى‭ ‬والحركية‭ ‬المرورية‭.‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المقلق،‭ ‬تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬الرسمية‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬تدخلات‭ ‬السلطات‭ ‬المختصة،‭ ‬خاصة‭ ‬بالمدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬لطنجة،‭ ‬مكّنت‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬تفادي‭ ‬كوارث‭ ‬إنسانية،‭ ‬عبر‭ ‬عمليات‭ ‬التدعيم‭ ‬الاستعجالي،‭ ‬والإفراغ‭ ‬الوقائي،‭ ‬وإعادة‭ ‬التهيئة‭ ‬الشاملة‭ ‬لبعض‭ ‬الدروب‭ ‬والأحياء،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬التدخلات‭ ‬ظلَّت،‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة،‭ ‬محكومة‭ ‬بمنطق‭ ‬التدبير‭ ‬الجزئي‭ ‬ورد‭ ‬الفعل،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬ثمرة‭ ‬رؤية‭ ‬استباقية‭ ‬شمولية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُفسّر‭ ‬استمرار‭ ‬تسجيل‭ ‬حوادث‭ ‬وانهيارات،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬من‭ ‬الخطورة‭.‬

التحول‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬تفعيل‭ ‬الوكالة‭ ‬الوطنية‭ ‬للتجديد‭ ‬الحضري‭ ‬وتأهيل‭ ‬المباني‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬ووضع‭ ‬تصور‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬2022‭ ‬إلى‭ ‬2026،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تشخيص‭ ‬وتصنيف‭ ‬المباني‭ ‬المعنية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬كل‭ ‬جهة‭ ‬على‭ ‬حدة‭.‬

هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يعكس‭ ‬انتقالًا‭ ‬من‭ ‬المعالجة‭ ‬الظرفية‭ ‬إلى‭ ‬التخطيط‭ ‬الممنهج،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬المعاينة‭ ‬التقنية‭ ‬والتصنيف‭ ‬حسب‭ ‬درجة‭ ‬الخطورة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بتحديد‭ ‬الأولويات‭ ‬وتعبئة‭ ‬الموارد‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬نجاعة،‭ ‬كما‭ ‬يرتكز‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬على‭ ‬مقتضيات‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ (‬12-94‭) ‬المتعلق‭ ‬بالمباني‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬وتنظيم‭ ‬عمليات‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري،‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬اليوم‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬المرجعي‭ ‬لتدخلات‭ ‬الدولة‭ ‬والجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬شكّل‭ ‬الإعلان‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2024‭ ‬عن‭ ‬تخصيص‭ ‬غلاف‭ ‬مالي‭ ‬يناهز‭ ‬125‭ ‬مليون‭ ‬درهم‭ ‬لمعالجة‭ ‬المباني‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬بالمدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬لطنجة‭ ‬خلال‭ ‬المُدّة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬2028،‭ ‬خطوة‭ ‬نوعية‭ ‬تعكس‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬ومؤسساتية‭ ‬لإعطاء‭ ‬نفس‭ ‬جديد‭ ‬لهذا‭ ‬الورش‭.‬

ويستند‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬اتفاقية‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف،‭ ‬تضم‭ ‬وزارة‭ ‬إعداد‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬والتعمير‭ ‬والإسكان‭ ‬وسياسة‭ ‬المدينة،‭ ‬والوكالة‭ ‬الوطنية‭ ‬للتجديد‭ ‬الحضري،‭ ‬ومجلس‭ ‬الجهة،‭ ‬ومجلس‭ ‬جماعة‭ ‬طنجة،‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬ولاية‭ ‬الجهة،‭ ‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬تؤسس‭ ‬لتقاسم‭ ‬واضح‭ ‬للأدوار‭ ‬والتمويل،‭ ‬بما‭ ‬يحدُّ‭ ‬من‭ ‬تشتت‭ ‬المسؤوليات‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أعطاب‭ ‬التدبير‭ ‬في‭ ‬السابق‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬المالي‭ ‬والتقني،‭ ‬بل‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬أوسع‭ ‬تستحضر‭ ‬التوجيهات‭ ‬الملكية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬حضرية‭ ‬متكاملة،‭ ‬وحماية‭ ‬التراث‭ ‬المادي‭ ‬للمدن‭ ‬العتيقة،‭ ‬وتثمين‭ ‬الرأسمال‭ ‬الثقافي‭ ‬واللامادي‭.‬

فالمدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬لطنجة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مجال‭ ‬سكني‭ ‬هش،‭ ‬بل‭ ‬فضاء‭ ‬تاريخي‭ ‬وسياحي‭ ‬وثقافي،‭ ‬وأي‭ ‬تدخل‭ ‬فيها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬السلامة‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬العمرانية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬المقاربة‭ ‬المعتمدة،‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الترميم،‭ ‬وإعادة‭ ‬التأهيل،‭ ‬والتجديد‭ ‬الحضري،‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالهدم‭ ‬وإعادة‭ ‬البناء،‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ممكنًا‭ ‬تقنيًّا‭.‬

كما‭ ‬تولي‭ ‬الاتفاقية‭ ‬اهتمامًا‭ ‬خاصًا‭ ‬بالبعد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستجابة‭ ‬لطلبات‭ ‬الإيواء‭ ‬المؤقت،‭ ‬وحصر‭ ‬الأسر‭ ‬القاطنة‭ ‬بالبنايات‭ ‬المستهدفة،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬قرارات‭ ‬رئيس‭ ‬جماعة‭ ‬طنجة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتجديد‭ ‬الحضري،‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬يظل‭ ‬حاسما،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬معالجة‭ ‬تقنية‭ ‬لا‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬هشاشة‭ ‬الساكنة‭ ‬وإكراهات‭ ‬الدخل‭ ‬والكراء‭ ‬والملكية،‭ ‬تبقى‭ ‬مهددة‭ ‬بالتعثر‭ ‬أو‭ ‬الرفض‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وتجارب‭ ‬سابقة‭ ‬أبانت‭ ‬أن‭ ‬إقناع‭ ‬الأسر‭ ‬بالإفراغ‭ ‬الوقائي،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬الإيواء‭ ‬المؤقت،‭ ‬يظل‭ ‬من‭ ‬أعقد‭ ‬حلقات‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬البدائل‭ ‬السكنية‭ ‬داخل‭ ‬النسيج‭ ‬الحضري‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬عيشهم‭ ‬وعملهم‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الجهة‭ ‬ككل،‭ ‬يندرج‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬التنمية‭ ‬الجهوية‭ ‬لمجلس‭ ‬الجهة،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬في‭ ‬شقه‭ ‬المتعلق‭ ‬بتأهيل‭ ‬وتثمين‭ ‬المدن‭ ‬العتيقة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحدّي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬تعميم‭ ‬نفس‭ ‬النفس‭ ‬الإصلاحي‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬المدن‭ ‬المتضررة،‭ ‬وعدم‭ ‬حصر‭ ‬الجهود‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬فقط،‭ ‬رغم‭ ‬رمزيتها‭ ‬وحجم‭ ‬الإشكال‭ ‬فيها،‭ ‬فالعرائش،‭ ‬ووزان،‭ ‬وشفشاون،‭ ‬وتطوان،‭ ‬تعرف‭ ‬بدورها‭ ‬وضعيات‭ ‬مقلقة،‭ ‬تستدعي‭ ‬استثمارات‭ ‬مماثلة،‭ ‬ورؤية‭ ‬مندمجة‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬الخصوصيات‭ ‬المحلية‭ ‬لكل‭ ‬مدينة‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ملف‭ ‬الدور‭ ‬الآيلة‭ ‬للسقوط‭ ‬بطنجة‭ ‬والجهة‭ ‬دخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تتسم‭ ‬بوضوح‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني،‭ ‬وتعدد‭ ‬الشراكات،‭ ‬وتوفر‭ ‬التمويل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬يظل‭ ‬رهينًا‭ ‬بقدرة‭ ‬المتدخلين‭ ‬على‭ ‬التنزيل‭ ‬الصارم،‭ ‬والشفاف،‭ ‬والمستدام،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬التدبير‭ ‬الظرفي‭ ‬أو‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية‭ ‬الضيقة،‭ ‬فسلامة‭ ‬المواطنين،‭ ‬وحماية‭ ‬التراث،‭ ‬وضمان‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬تظل‭ ‬رهانات‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬التأجيل‭ ‬أو‭ ‬أنصاف‭ ‬الحلول‭.‬

Exit mobile version