القانون والناس
تفعيل المساطر الغيابية في المادة الجنائية.. أي واقع؟! -1-
المسطرة الغيابية في قانون المسطرة الجنائية المغربية هي إجراءات استثنائية أطرها المشرع من خلال المواد (443-455) حيث تُطبقها غرفة الجنايات حينما لا يحضر المتهم (هارب، تعذر القبض عليه، أو في حالة سراح لم يمتثل للمحكمة، حيث يتم إصدار أمر بإجراء المسطرة الغيابية، إذاعة الأمر بالإذاعة الوطنية، تعيين محامٍ له تلقائيًّا، وإصدار حكم غيابي شامل لعقوبات جنائية وتجريدات من الحقوق، يتقادم في الجنايات بـ10 سنوات.
أنَّ الجهة المختصة بالبث في وضعية المتهم هي غرفة الجنايات بتشكيلتها الكاملة، لأن طرق الإحالة أمامها، لا تخرج عن صورة واحدة، وهي أن الوكيل العام للملك متى قدم أمامه المتهم موضوع المسطرة الغيابية يحيله أمام غرفة الجنايات المعروض ملفه أمامها، طبقا للموادّ المنظمة لطرق الإحالة وهي (419) التي تحيل بدورها على (49) و (73) وكلها موادّ جاءت بها عبارة غرفة الجنايات، وليس رئيس غرفة الجنايات أو المستشار المكلف. كما أنَّ القرار الذي سيصدر عنها سيكون لا محالة موضوع طعن، وهذا سيحيلنا على المادة (370) التي تجعل من أسباب البطلان عدم تشكيل هيئة الحكم طبقًا للقانون، ويبقى السؤال المطروح هنا، إذا لم يصادف يوم إحالة المتهم من طرف الوكيل العام للملك يوم انعقاد جلسات غرفة الجنايات المختصة؟ فالمتهم موضوع الإحالة، إما تعذر القبض عليه أو لاذ بالفرار بعد القبض عليه أو كان في حالة الإفراج المؤقت أو الوضع تحت المراقبة القضائية، ولم يستجب إلى الاستدعاء بالمثول المسلم إليه. ما يجعل المسطرة الغيابية الصادرة في حقّه بمنزلة أمر باعتقاله معاملة له بنقيض القصد، لأنه سيصرح بأنه عاصٍ للقانون. فوضعيته محسوم فيها مبدئيًّا، كما أنَّه لا يوجد ما يمنع أن يبقى رهن الاعتقال، ما دام المُشرّع أعطى الحق للوكيل العام للملك الإحالة على غرفة الجنايات داخل أجل خمسة عشرة يومًا على الأكثر طبقًا للمادة (73).وإذا كانت المادة (443) قد أعطت الحق لرئيس غرفة الجنايات أو المستشار المنتدب من طرفه في إصدار الأمر بإجراء المسطرة الغيابية، وذلك لما تتضمنه من إجراءات إدارية في شكلها تخرج عن إجراءات الجلسات الاعتيادية، فإنها لم تُعطِه الحق في البت في وضعية المتهم موضوع المسطرة الغيابية، بدليل المادة (446) التي لم تعطِ الحق لمحامي المتهم وذويه وأصدقائه في عرض الأسباب المبررة لغياب المتهم عن الجلسة على رئيس غرفة الجنايات أو المستشار المنتدب من طرفه، بصفتهما من أعطيا الأمر بإصدار المسطرة الغيابية. بل أمرتهم برفع عرضهم هذا أمام غرفة الجنايات بصريح العبارة، فإذا كانت هذه الأطراف غير المعنية ملزمة بالمثول أمام غرفة الجنايات لعرض أسباب غياب المتهم، فالأحرى أن يكون المتهم (المعني بالأمر) هو الأولى بتقديم ملتمساته أمام هذه الغرفة. وتأتي المادة (447) التي تُؤكّد هذا الطرح فهل المحكمة يمكنها أن تقبل العذر المقدم وترجع محاكمة المتهم أم أنها تأمر بإعمال المسطرة الغيابية؟!
فإذا كانت هذه الأطراف غير المعنية ملزمة بالمثول أمام غرفة الجنايات لعرض أسباب غياب المتهم، فالأحرى أن يكون المتهم المعني بالأمر هو الأولى بتقديم ملتمساته أمام هذه الغرفة. وتأتي المادة (447) التي تُؤكّد هذا الطرح، فهل المحكمة يمكنها أن تقبل العذر المُقدّم وترجع محاكمة المتهم أم أنَّها تأمر بأعمال المسطرة الغيابية؟!
إذا كانت مقتضيات المادة (321) تبين اختصاصات رئيس الهيئة، فإنَّه إذا حدث نزاع عارض بتت فيه المحكمة، ولم تتحدث عن أن الرئيس يبت فيه، وحسب مقتضيات المادة (426) إذا طرأ نزاع عارض خلال الجلسة بتت فيه غرفة الجنايات حالًا… ما يؤكد أنَّ عبارة المحكمة تعني الغرفة أو الهيئة بكاملها التي تنظر القضية. وحينما يتعلّق الأمر بالإجراءات المتعلّقة بالرئيس وحده نجد موادَّ المسطرة الجنائيَّة تخصّه بالذكر وحده، كما هو الحال في المادة (371) التي تقول: يوقع الرئيس وكاتب الضبط.. والمادة (428) و(429) التي جاءت فيهما عبارة الرئيس واضحة فيما يرجع لاختصاصاته الانفرادية.. يدعوهم الرئيس إلى الانسحاب.. يطرد بأمر من الرئيس، إلى غير ذلك.
كما أنَّه لا يمكن أن يعطي رئيس الغرفة أو المستشار المنتدب السراح المؤقت للمتهم في إطار المسطرة الغيابية إلا بعد سماع ملتمس النيابة العامة، وهنا سنتصوّر جلسة بها رئيس غرفة الجنايات وممثل النيابة العامة وكاتب الضبط، وهي تشكيلة لا نجدها إلا في غرفة المشورة، ولو أراد المشرع لنصَّ عليها بصريح العبارة. كما أنَّه لا يتصور أن يحيل رئيس الغرفة أو المستشار المنتدب طلب السراح على النيابة العامة للإدلاء بمستنتجاتها؛ لأنَّنا لسنا أمام إجراءات التحقيق.
لذلك فإنَّ المساطر الغيابية بالنسبة للجنايات يتم البت فيها بعد صدور ملتمسات النيابة العامة «وكيل العام للملك» غالبًا بالإيداع في السجن إلى أن يُحدّد تاريخ الجلسة التي يمكن أن تكون في نفس يوم تسلُّم المتهم إلى السلطة القضائية أو تسليمه نفسه لكي يتم الحكم فيها إما بالبراءة وإما بتأكيد الإدانة على حسب نوع الجرم المتابع به.. فهل يمكن اعتبار المسطرة الغيابية وسيلةَ ضغطٍ لإخضاع المتهم وإجباره على احترام القضاء؟! أم أنَّها مساس بقرينة البراءة؟!


