سياحة

بين رأس السنة وكأس إفريقيا.. مــــدن مغـربيــة علـى إيقــاع الاســتثـــناء

دخلت‭ ‬مدن‭ ‬مغربيَّة‭ ‬عدة‭ -‬مع‭ ‬تزامن‭ ‬احتفالات‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬الميلادية‭ ‬وانطلاق‭ ‬منافسات‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬للأمم‭- ‬مرحلة‭ ‬استثنائية‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬الترفيه‭ ‬بالتعبئة‭ ‬الأمنية،‭ ‬والاستهلاك‭ ‬بالقلق‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬مفارقات‭ ‬مدينة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الانفتاح‭ ‬والانضباط‭.‬

هذا‭ ‬التزامن،‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬في‭ ‬حدّته،‭ ‬فرض‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬استنفارًا‭ ‬متعدّد‭ ‬الواجهات،‭ ‬شمل‭ ‬الفضاءات‭ ‬السياحية،‭ ‬الفنادق،‭ ‬الشوارع‭ ‬الكبرى،‭ ‬والمقاهي‭ ‬التي‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬تجمع‭ ‬جماهيري‭ ‬لمتابعة‭ ‬مباريات‭ ‬البطولة‭ ‬القارية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬إحياء‭ ‬احتفالات‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭.‬

مصادر‭ ‬مطلعة،‭ ‬أكَّدت‭ ‬أنَّ‭ ‬التعليمات‭ ‬ركَّزت،‭ ‬بالأساس،‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬الأمن‭ ‬والنظام‭ ‬العام،‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بالأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمناسبتين،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬السياحي،‭ ‬مثل‭ ‬طنجة،‭ ‬مراكش،‭ ‬وأكادير،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬وتيرة‭ ‬الحجوزات‭ ‬الفندقية،‭ ‬وعرفت‭ ‬المطاعم‭ ‬والمقاهي‭ ‬إقبالًا‭ ‬لافتًا‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬سجل‭ ‬فاعلون‭ ‬اقتصاديّون‭ ‬انتعاشًا‭ ‬ظرفيًّا‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬بعينها،‭ ‬أبرزها‭ ‬النقل،‭ ‬الإيواء،‭ ‬والمطاعم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بيع‭ ‬الشاشات‭ ‬والأدوات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬مدفوعة‭ ‬برغبة‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬مباريات‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬جماعية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانتعاش،‭ ‬بحسب‭ ‬مهنيين،‭ ‬يبقى‭ ‬محدودًا‭ ‬زمنيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬يعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحسُّنًا‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أثار‭ ‬التزامن‭ ‬نقاشًا‭ ‬حول‭ ‬مظاهر‭ ‬الاحتفال‭ ‬وحدودها،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وضعية‭ ‬اجتماعيَّة‭ ‬توصف‭ ‬بالهشّة،‭ ‬حيث‭ ‬عبَّر‭ ‬مواطنون‭ ‬عن‭ ‬تخوّفهم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬واستغلال‭ ‬الظرفية،‭ ‬مقابل‭ ‬مطالب‭ ‬بتمكين‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بالأجواء‭ ‬الاحتفالية‭ ‬دون‭ ‬تضييق‭ ‬أو‭ ‬فوضى‭.‬

ويرى‭ ‬متتبّعون‭ ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬وكأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬شكلا‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬لتدبير‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬خاصّةّ‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتنظيم‭ ‬حركة‭ ‬السير،‭ ‬مراقبة‭ ‬الفضاءات‭ ‬الليلية،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬التجمّعات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تسعى‭ ‬فيه‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬صورة‭ ‬بلد‭ ‬مستقرّ‭ ‬ومنفتح‭.‬

في‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬أشار‭ ‬مهنيّون‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬المقاهي‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬بث‭ ‬مباريات‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬نمط‭ ‬الاحتفال،‭ ‬حيث‭ ‬فضَّل‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬قضاء‭ ‬السهرة‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬عمومية،‭ ‬بدل‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الخاصة،‭ ‬ما‭ ‬خفَّف‭ ‬نسبيًّا‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬المظاهر،‭ ‬التي‭ ‬ترافق‭ ‬عادة‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوازن،‭ ‬يؤكد‭ ‬فاعلون،‭ ‬يظل‭ ‬هشًّا،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُرافقه‭ ‬مقاربة‭ ‬واضحة‭ ‬تُراعي‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الثقافيَّة‭ ‬والاجتماعيَّة،‭ ‬وتضمن‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭. ‬فالمطلوب،‭ ‬بحسبهم،‭ ‬ليس‭ ‬المنع‭ ‬ولا‭ ‬الانفلات،‭ ‬بل‭ ‬تنظيم‭ ‬ذكي‭ ‬يقطع‭ ‬مع‭ ‬الارتجال‭.‬

وبينما‭ ‬تُسوّق‭ ‬المناسبتان‭ ‬كفرصة‭ ‬لإنعاش‭ ‬السياحة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬يحذّر‭ ‬متتبعون‭ ‬من‭ ‬تضخيم‭ ‬الأرقام‭ ‬والنتائج،‭ ‬معتبرين‭ ‬أنَّ‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬الظرفية‭ ‬إلى‭ ‬مكاسب‭ ‬مستدامة،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬تحسين‭ ‬الخدمات،‭ ‬أو‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والسلطة‭.‬

رأس‭ ‬السنة‭ ‬وكأس‭ ‬إفريقيا،‭ ‬إذن،‭ ‬لم‭ ‬يكونا‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبتين‭ ‬عابرتين،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬واقع‭ ‬المدن‭ ‬المغربية،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬تناقضات‭ ‬بين‭ ‬الفرح‭ ‬والحذر،‭ ‬الانفتاح‭ ‬والضبط،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الاحتفال‭ ‬مقابل‭ ‬هواجس‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭.‬

Exit mobile version