سياسة

بني مكادة.. «خزان انتخابي» خارج أجندة التنمية وصراعات «الديكة» ترهن مستقبل الساكنة

لا‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬بني‭ ‬مكادة‮»‬‭ ‬‮«‬التي‭ ‬تُعدّ‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬المقاطعات‭ ‬كثافة‭ ‬سكانية‭ ‬في‭ ‬المغرب‮»‬‭ ‬تحوَّلت‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬السنين‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬رقم‭ ‬صعب‮»‬‭ ‬في‭ ‬المعادلات‭ ‬الانتخابية‭ ‬و«وليمة‮»‬‭ ‬دسمة‭ ‬يتقاسمها‭ ‬الفاعلون‭ ‬السياسيون‭ ‬كل‭ ‬ست‭ ‬سنوات،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬هذا‭ ‬الثقل‭ ‬الديموغرافي‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬التنمية‭ ‬المتعثر‭ ‬بالمنطقة‭.‬

والمتتبع‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي‭ ‬ببني‭ ‬مكادة‭ ‬يدرك‭ ‬حجم‭ ‬‮«‬الفجوة‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬والممارسة؛‭ ‬فمن‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬اليسار،‭ ‬ومن‭ ‬‮«‬الإسلاميين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬بسطوا‭ ‬سيطرتهم‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬سابقة،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الأحرار‮»‬‭ ‬و«الباميين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يتصدّرون‭ ‬المشهد‭ ‬اليوم،‭ ‬يبدو‭ ‬المشترك‭ ‬الوحيد‭ ‬بينهم‭ ‬هو‭ ‬براعة‭ ‬‮«‬التسويق‭ ‬السياسي‮»‬‭ ‬وقت‭ ‬الحملات،‭ ‬والبراعة‭ ‬في‭ ‬‮«‬صناعة‭ ‬الأعذار‮»‬‭ ‬عند‭ ‬الجلوس‭ ‬على‭ ‬كراسي‭ ‬المسؤولية‭.‬

المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬أحياء‭ ‬هامشية‭ ‬تعاني‭ ‬الأمرّين،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تفتقر‭ ‬لمرافق‭ ‬سياحية‭ ‬وثقافية‭ ‬ورياضية‭ ‬تليق‭ ‬بساكنتها،‭ ‬والسياسيون،‭ ‬ودون‭ ‬استثناء،‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬فكّ‭ ‬العزلة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬عوامة‮»‬‭ ‬و«حومة‭ ‬الشوك‮»‬‭ ‬و«بير‭ ‬الشفا‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترقيعات‭ ‬‮«‬زفتية‮»‬‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتبخّر‭ ‬مع‭ ‬أولى‭ ‬قطرات‭ ‬المطر،‭ ‬كاشفة‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬هشّة‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬جشع‭ ‬‮«‬لوبيات‭ ‬العقار‮»‬‭ ‬التي‭ ‬التهمت‭ ‬الأراضي‭ ‬المخصصة‭ ‬للمناطق‭ ‬الخضراء‭ ‬بمباركة‭ ‬صامتة‭ ‬من‭ ‬المجالس‭ ‬المتعاقبة‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬المقاطعة‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬لـ«عقم‮»‬‭ ‬سياسي؛‭ ‬حيث‭ ‬استنزف‭ ‬المنتخبون‭ ‬طاقاتهم‭ ‬في‭ ‬‮«‬حروب‭ ‬الاستقطاب‮»‬‭ ‬وتبادل‭ ‬الاتّهامات،‭ ‬وتحولت‭ ‬دورات‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬حلبات‭ ‬لـ«تصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬الشخصية‮»‬‭ ‬الضيّقة،‭ ‬بينما‭ ‬تظلُّ‭ ‬ملفات‭ ‬حارقة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬البطالة‮»‬‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الشباب،‭ ‬و«فوضى‭ ‬النقل‮»‬،‭ ‬و«تدهور‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‮»‬‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬الصحي‭ ‬الوحيد،‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام‭ ‬الفعلي‭.‬

وحتّى‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬النور‭ ‬ضمن‭ ‬برامج‭ ‬ملكية‭ ‬كبرى،‭ ‬حاول‭ ‬‮«‬تجار‭ ‬الانتخابات‮»‬‭ ‬الركوب‭ ‬عليها‭ ‬ونسب‭ ‬فضلها‭ ‬لأنفسهم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬بصمة‭ ‬‮«‬السياسي‭ ‬المحلي‮»‬‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬غائبة‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المجالي،‭ ‬مقتصرين‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬تدبير‭ ‬‮«‬الفتات‮»‬‭ ‬والاشتغال‭ ‬بمنطق‭ ‬‮«‬الزبونية‮»‬‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬رخص‭ ‬الربط‭ ‬بالكهرباء‭ ‬والماء،‭ ‬وهي‭ ‬الورقة‭ ‬التي‭ ‬تُستخدم‭ ‬لابتزاز‭ ‬الولاءات‭ ‬وتجييش‭ ‬‮«‬القواعد‮»‬‭ ‬لضمان‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الكرسي‭.‬

الحقيقة‭ ‬المرة‭ ‬التي‭ ‬يرفض‭ ‬السياسيون‭ ‬ببني‭ ‬مكادة‭ ‬مواجهتها‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الثقة‮»‬‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬المواطن‭ ‬قد‭ ‬انكسرت،‭ ‬فالجميع‭ ‬‮«‬سواء‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬التدبير‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬اختار‭ ‬‮«‬المعارضة‭ ‬الشكلية‮»»‬‭ ‬يتحمّل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والسياسية‭ ‬عن‭ ‬تحويل‭ ‬‮«‬قلب‭ ‬طنجة‭ ‬النابض‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قنبلة‭ ‬موقوتة‮»‬‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

إن‭ ‬‮«‬بني‭ ‬مكادة‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬خطابات‭ ‬حماسية‭ ‬أو‭ ‬وعود‭ ‬بـ«الجنة‮»‬‭ ‬فوق‭ ‬الأرض،‭ ‬بل‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬فاعلين‭ ‬سياسيين‭ ‬يمتلكون‭ ‬الشجاعة‭ ‬للقطع‭ ‬مع‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬الريع‮»‬‭ ‬السياسي،‭ ‬والجرأة‭ ‬على‭ ‬محاسبة‭ ‬أنفسهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تحاسبهم‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬الساكنة‭ ‬تنظر‭ ‬إليها‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الريبة‭ ‬والازدراء‭.‬

Exit mobile version