إقتصاد
بعد 4 سنوات من اتفاق المغرب وإسبانيا على افتتاح الجمارك التجارية في سبتة.. كيف يعيش التجار الإسبان دون التهريب المعيشي؟

المغرب قرر إنهاء ظاهرة مهينة لكرامة نسائه.. والفاعلون السياسيون والاقتصاديون على الضفة الأخرى يشتكون من «الحصار»
في شهر أبريل الجاري، تكون قد مرَّت 4 سنوات على زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى المغرب، حيث التقى ذات يوم رمضاني الملك محمد السادس، لطيّ صفحة الخلاف الذي تسبَّب فيه دخول زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية، إبراهيم غالي، تحت اسم محمد بن بطوش، عبر وثائق جزائرية مزيّفة، إلى الأراضي الإسبانية.
خلال تلك الزيارة كان سانشيز يسعى للوصول إلى صيغ لحلّ عددٍ من القضايا العالقة، ومن بينها ملف المعابر الحدودية والجمارك التجارية في سبتة ومليلية، المدينتين اللتين تطالب الرباط باسترجاع السيادة عليها، لذلك فإن تجاوب المغرب مع هذا المطلب ظلّ «في حدود ضيقة» لا تعترف بالسيادة الإسبانية، ولا تُريح الفاعلين الاقتصاديين الذين يعتقدون أنّهم يعيشون الآن حالة من الحصار الاقتصادي.
*التهريب المعيشي لن يعود
وبشكل انتهازي، لا يخفي عددٌ من الفاعلين الاقتصاديين الإسبان أملهم في عودة التهريب المعيشي عبر معبري مدينتي سبتة ومليلية، على اعتبار أن تلك الوضعية كانت تعني بالنسبة لهم مداخل أكبر بصرف النظر عن حالة الفوضى التي تعيشها البوابات الحدودية، ومشاهد التعنيف والإهانة الحاطة من الكرامة الإنسانية، التي تعانيها النساء بدرجة أولى.
فقبل بضع سنوات، كان الإسبان في التداول اليومي «وحتى عبر وسائل الإعلام» لا يتورعون عن وصف النساء المغربيات العاملات في مجال التهريب المعيشي بـ«البغلات»، وهو وصف قدحي يحيل على الكميات الكبيرة من البضائع، التي كن يحملنها فوق ظهورهن، مقابل مدخول يسدّ رمقهن ويمكن أسرهن من العيش، لكنّه لم يكن يُمثّل شيئًا بالمقارنة مع ما كان يجنيه أباطرة التهريب المعدودون على أصابع اليد على الجانب المغربي، أو مداخيل أصحاب المخازن والمتاجر على الجانب الإسباني.
وعلى المستوى العملي، حسم المغرب قراره بمنع التهريب المعيشي في 2019، بعد مجموعة من الوفايات في صفوف النساء الممتهنات للتهريب المعيشي، المسجلة على مستوى معبر باب سبتة نتيجة التدافع وسوء التنظيم، وأيضًا بعد صور الإذلال الذي يتعرّضن له على يد عناصر الأمن الإسباني، ثم جاءت فترة الإغلاق التي فرضتها جائحة «كورونا» لتسهل تطبيق هذا المخطط دون أي مقاومة.
الأمر الذي لم يستوعبه عددٌ من الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين الإسبان، هو أن قرار إنهاء التهريب المعيشي هو «في واقع الأمر» «قرار دولة» وذو طابع سيادي غير قابل للنقاش، ففي شتنبر من سنة 2020، أبدى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت موقفًا حازمًا بخصوص عودة هذه الظاهرة على الحدود مع سبتة، مشددًا على أن السلطات لن تسمح بإحياء هذا النشاط لما يحمله من انعكاسات سلبية على صورة المغرب، خصوصًا فيما يتعلق بكرامة النساء اللاتي كنّ يشتغلن في هذا المجال.
وأوضح لفتيت، في تصريحه المباشر والصارم، أن الدفاع عن كرامة المغربيات يظلّ أولوية، معتبرًا أن مشاهد استغلال النساء في التهريب المعيشي كانت تُسيء إلى صورة البلاد، ولا تعكس واقع التطوّر الذي يعرفه المغرب في مجالات متعدّدة، وأشار وزير الداخلية «حينها» إلى أن الدولة واعية بالتداعيات الاجتماعية لإغلاق هذا المنفذ، مؤكدًا في المقابل استعدادها لبحث بدائل اقتصادية واجتماعية لفائدة الفئات المتضررة، بما يضمن إدماجها في أنشطة تحفظ كرامتها وتوفر لها مداخيلَ مستقرّةً.
وجاءت تصريحات لفتيت في سياق ردّ عرضي، على إحدى ممثلات الأحزاب، خلال لقاء في الرباط مع الهيئة المكلفة بتعزيز تمثيلية المرأة، وذلك في إطار الإعداد للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021، حيث طُرح موضوع التهريب المعيشي ضمن النقاش، وكانت تلك أول إجابة حاسمة من مسؤول حكوميّ بخصوص مستقبل تلك الظاهرة.
وخلال اللقاء ذاته، أبرز الوزير أهمية الدور الذي تضطلع به المرأة في الحياة السياسية، مذكِّرا بالعناية الخاصة التي يوليها الملك محمد السادس لتعزيز تمثيلية النساء؛ من خلال مجموعة من الإجراءات، من بينها اعتماد لوائح خاصة بهن في الانتخابات، بما يُسهم في تقوية حضورهن داخل المؤسسات المنتخبة، وهو ما كان يعني أن المؤسسة الملكية ترى أن مكانة المرأة المغربية لم تعد تقبل بالنزول إلى مستوى إذلالها عبر معبر حدودي لمدينة محتلة.
وموقف المغرب من التهريب المعيشي تطوّر تدريجيًّا خلال السنوات التي سبقت قرار القطع معه، فالدولة كانت تتعامل مع الأمر «في البداية» بحذرٍ شديدٍ، لما لقرار المنع من تكلفة اقتصادية واجتماعية، خصوصًا في إقليمي تطوان والمضيق-الفنيدق، حيث البدائل تبقى محدودة، وحياة المئات من الأسرة قائمة على ذلك النشاط غير القانوني.
لذلك، في يناير من سنة 2018، نجد أن عبد الوافي لفتيت، أقرّ بصعوبة إيجاد حلّ جذري وعاجل لظاهرة التهريب المعيشي عبر المعبرين الحدوديين مع مدينتي سبتة ومليلية، معتبرًا أن هذه الظاهرة تُمثّل تحديًّا مُعقدًا تتداخل فيه الأبعاد القانونية والاجتماعية، وأوضح، خلال جلسة عامة بمجلس النواب، أن هذه الظاهرة تُعد «إشكالية كبيرة ومتشعبة»، مشيرًا إلى أن الحكومة تعمل على بلورة مقاربة شاملة لمعالجتها، تأخذ في الاعتبار تعقيداتها المختلفة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار المسؤول الحكومي المغربي «حينها» إلى أن السلطات اعتمدت إجراءات مرحلية وصفها بـ«المحدودة»، وفي انتظار التوصل إلى حلّ متكامل، تُهمّ أساسًا تنظيم حركة العبور على مستوى المعابر الحدودية مع سبتة ومليلية، بهدف الحد من الفوضى وتقليص تداعيات الظاهرة.
وأكد وزير الداخلية، أن إمكانيات الدولة «وقتها» لا تسمح بإيجاد حلّ جذري وفوري لهذا الملف، مبرزا أن طبيعة هذه الإشكالية تجعل معالجتها صعبة وتتطلَّب وقتًا وتنسيقًا متعدد الأطراف للوصول إلى حلول ناجعة ومستدامة، وهو التوجه الذي تغيّر جذريًّا خلال أقل من ثلاث سنوات.
*الشركات الإسبانية تختنق
ولا يخفي الفاعلون الاقتصاديون الإسبان، اعتقادهم بأنّ الجمارك التجارية في سبتة، التي تم الاتفاق على افتتاحها، إثر لقاء الملك محمد السادس ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز في الرباط في 7 أبريل 2022، واِفتُتحت فعليًّا في فبراير 2025، «لا تعمل بشكل كامل»، هذا ما أكَّدته رئيسة اتِّحاد رجال الأعمال في سبتة أرانتشا كامبوس «مؤخرًا» التي اعتبرت بأن ما وُصف بـ«الإنجاز التاريخي» لا يزال، في الواقع، «نظامًا محدودًا ومتقطعًا ودون ضمانات».
وقالت كامبوس مؤخرا في مقابلة مع وكالة «أوروبا برس» الإسبانية إنه «لا يوجد أي رجل أعمال في سبتة سيبني نشاطه على هذه الجمارك ما دامت تعمل بهذه الظروف»، وأوضحت الأسباب التي تجعل المعبر التجاري في سبتة، حسب رأيها، لا يعمل «بشكل طبيعي من حيث المعايير الاقتصادية والتجارية».
وأعربت الفاعلة الاقتصادية الإسبانية عن أسفها لأنه «بعد أربع سنوات من إعلان 7 أبريل 2022، فإن ما كان ينبغي أن يتحوّل إلى جمارك تجارية تعمل بكامل طاقتها، أصبح اليوم نظامًا يفتقر إلى قواعدَ واضحة وأمن قانوني وتشغيل مماثل لأي معبر تجاري دولي»، وهي صرخةُ احتجاجٍ تحيل أساسًا على شروط المغرب المتعلقة بالنشاط التجاري عبر سبتة.
وحسب رجال ونساء الأعمال في سبتة، فإن المعبر التجاري «ومنذ افتتاحه في فبراير 2025» اقتصر فيه النشاط بشكل أساسي على استيراد موادّ البناء مثل الرمل والحجارة، إضافة إلى بعض واردات السمك الطازج وصادرات مواد مرتبطة بصناعة السيارات»، وحسب كامبوس، فإنّه «خلال العام الماضي» كان عدد العمليات «ضعيفًا جدًّا مقارنة بما يُفترض أن تكون عليه جمارك تجارية مستقرة»، مبرزة بأنه في يوليوز 2025 سُجّلت 42 عملية، بينها عملية تصدير واحدة فقط، قبل أن يُغلق العام بـ«نحو خمسين عملية فقط».
وطلبت جمعية اتِّحاد رجال الأعمال معلومات حول عدد العمليات المنجزة منذ افتتاح الجمارك، وكذلك عدد الطلبات المقدمة من طرف رجال الأعمال إلى مندوبية الحكومة في سبتة، لكنَّها لم تتلق أي رد، ولذلك ترى أرانتشا كامبوس أنَّ العدد المحدود من العمليات، «إضافة إلى التوقفات والانقطاعات المؤقتة، يُظهر غياب انتظام كاف لبناء ثقة لدى المستثمرين»، مضيفةً «لسنا أمام تدفق متنوّع ومستقر للبضائع، بل أمام استخدام محدود للغاية».
وأكدت الفاعلة الإسبانية تراجع مدخول أنشطة المقاولات الاقتصادية بشكل كبير بسبب ما يسميه الإسبان «الإغلاق المغربي»، موردةً أن «الشركات القليلة التي تستعمل هذا المسار تضطلع بذلك أساسًا لاستيراد البضائع نحو سبتة وبشكل متقطع، ما يدلّ على غياب منظومة تشغيل مستقرّة يمكن أن يستفيد منها النسيج الاقتصادي ككل».
وأوضحت كامبوس، أن النسيج الاقتصادي في سبتة يتكون أساسًا من «مقاولات صغيرة جدًّا وصغيرة ومتوسطة»، كانت تأمل في التوسّع تجاريًّا بفضل هذه الجمارك، وقالت «كانت التوقعات الأولية تتمثل في توفر أداة مفيدة لتعزيز النشاط التجاري والفرص، لكن الواقع أن رجال الأعمال لم يتمكَّنوا من إدماج هذه الجمارك ضمن تخطيطهم كقناة موثوقة»، ممَّا يعني صراحة أن أمل الاقتصاديين الإسبان معلق على القرار السيادي المغربي.
لكن الوصول إلى هذا الهدف بالنسبة للفاعلين الإسبان، ما زال يُراهن على مسار الضغط والتعالي، حيث تقول كامبوس إن «الإحساس السائد لدى رجال الأعمال هو «غياب إرادة حقيقية لتطوير النشاط الاقتصادي بشكل طبيعي أيضا من الجانب المغربي»، وترى أن التنسيق بين إسبانيا والمغرب «غير كافٍ»، مشيرة إلى أنه «لو كان كذلك، لكان هناك إطار واضح ومستقر ومعروف للشركات»، وأضافت «ما ينقص هو تحويل التصريحات السياسية إلى آليات عملية ثنائية وتقنية ومستدامة».
وفي محاولة جديدة للضغط على الرباط عبر مدريد، دعت كامبوس إلى مساواة ظروف الجمارك في سبتة بباقي المعابر التجارية بين المغرب والاتِّحاد الأوروبي، مثل ميناء طنجة المتوسط، قائلة «من الضروري التوقف عن التعامل مع هذه الجمارك كاستثناء، والبدء في تشغيلها كجمارك عادية ضمن إطار العلاقات التجارية بين المغرب والاتِّحاد الأوروبي»، وختمت بتأكيد أنها «حذرة» لكنها تأمل أن يتحوّل معبر تاراخال إلى جمارك فعّالة، مضيفة «لكن هذا التفاؤل لن يكون مقنعًا إلا عندما تتحقّق الاستمرارية والانتظام ووضوح القواعد».
*السياسيون يلعبون بورقة “مسلمي سبتة“
والملاحظ هو أن الطرف الأكثر وعيًا بحساسية الموضوع، هو رئيس الحكومة المحلية لسبتة خوان فيفاس، الذي شدَّد «مؤخرًا» على أهمية توفر سبتة على جمارك تجارية باعتبارها «خطوة نحو تطبيع الحدود وتحقيق تدفق منتظم للبضائع»، لكن مع تأكّيد «في الوقت ذاته» أن «المستقبل الاقتصادي لسبتة لا يمكن أن يعتمد فقط على هذه الجمارك».
وحسب فيفاس، فإن التجارة مع المغرب «يجب ألّا تكون الركيزة الأساسية للنموذج الاقتصادي، بل مجرد عنصر مكمل لمشروع أوسع» متحدثًا عن «نموذج اقتصادي أكثر صلابةً واستقرارًا، مرتبط بفكرة مزيد من الاندماج مع إسبانيا وأوروبا»، وهي تصريحات يحاول فيها الحفاظ على توازن هشّ بين متطلبات الفاعلين الاقتصاديين، وأولويات حكومة مدريد، في مقابل موقف مغربي صارم.
ومؤخرًا أصبح يبرز توجه جديد للضغط على الرباط وبيدرو سانشيز من داخل سبتة، عبر تحريك أصوات السكان ذوي الأصل المغربي، أو من يوصفون هناك بـ«مسلمي سبتة» لتفادي الإشارة إلى أصولهم الحقيقية، ومن أبرز ملامح ذلك ما حدث في يناير الماضي، حين حرّك حزب «الحركة من أجل الكرامة والمواطنة»، مطالب بإعادة النظر في طبيعة حدود سبتة.
الحزب الذي تقوده فاطمة حامد، النائبة الثانية لرئيس حكومة سبتة، دعا إلى إبرام اتّفاق ثنائي بين إسبانيا والمغرب، يهدف إلى تحسين تدبير حركة العبور عبر المعبر الحدودي، بما يضمن مزيدًا من النجاعة والانسيابية، وهي المبادرة التي أتت في سياق تزايد الانتقادات المرتبطة بطريقة اشتغال معبر تاراخال وتأثيرها المباشر في الحياة اليومية داخل المدينة.
وأوضح الحزب، المعروف اختصارًا بـ MDyC، الذي يتوفر على تمثيلية داخل المجلس المحلي، أن هذه الخطوة جاءت نتيجة الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية السلبية للوضع الحالي للمعبر، وأشار إلى أن الاختلالات المستمرة تُؤثّر في مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك الحركة التجارية والتنقل اليومي للسكان.
وفي هذا الإطار، وجَّه الحزب رسالة إلى وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، عرض فيها تفاصيل الوضع المتكرر الذي يشهده المعبر الحدودي، مطالبًا بتدخّل عاجل لإيجاد حلول عملية. كما أعلن عزمه طرح مقترح خلال دورة المجلس المحلي يدعو الحكومة الإسبانية إلى إطلاق مبادرة رسمية للتفاوض مع المغرب.
ويهدف هذا المقترح إلى ضمان عبور أكثر سلاسةً واحترامًا لكرامة الأشخاص، بما يتماشى مع الأهمية الاستراتيجية التي يُمثّلها معبر تاراخال بالنسبة لمدينة سبتة، وأكَّد الحزب أن استمرار الوضع الحالي يضرُّ مباشرةً بالسكان، مشددًا على ضرورة التحرّك وعدم الصمت إزاء هذه الإشكالات المتكررة.
كما انتقد الحزب ما وصفه بغياب مبادرات من قبل الأحزاب الوطنية داخل البرلمان الإسباني لمعالجة هذا الملف، مؤكدًا أنه سيعمل على تصعيد القضية إلى المستوى الوطني، وأبرز أن تمثيليته المحلية ستُوظف للدفع نحو تحريك هذا الملف وإيجاد حلول ملموسة له.
وفي ختام موقفه، عبر الحزب عن قلقه من غياب اتّفاق ثنائي عملي ومستقر بين إسبانيا والمغرب، معتبرًا أن معالجة وضع المعبر بشكل استراتيجي بات أمرًا ضروريًّا، ودعا وزارة الخارجية الإسبانية إلى التحلّي برؤية بعيدة المدى وتسخير الإمكانيات اللازمة لإيجاد حلّ جذري لمشكلة طال أمدها.