آخر الأخبار
امتحانات البكالوريا: أجواء استثنائية بين ضغط الدراسة وغياب طقوس العيد

في هذا الموسم الدراسي الاستثنائي، وبالتزامن مع اقتراب عطلة عيد الأضحى الذي تميز هذه السنة بإلغاء شعيرة الأضحية، بقرار ملكي تضامني مع المتضررين من الجفاف، اجتاز الآلاف من تلميذات وتلاميذ السنة الثانية بكالوريا بالمغرب الامتحان الوطني المُوحّد، وسط أجواء ممزوجة بين التوتر والترقب، وبين الإحساس بالفراغ العاطفي الناتج عن غياب واحدة من أهم المناسبات الاجتماعية والدينية في وجدان المغاربة.
وفي جولة لجريدة لاديبيش بعدد من المؤسسات التعليمية بمدينة طنجة، وقفنا على مشاهد متعددة تعكس كيف يعيش المجتمع التربوي هذا الظرف الخاص، وكيف استقبل التلاميذ، أولياء الأمور، والأطر التربوية هذه المحطة المفصلية في حياة الشباب المغربي.
*تحديات مزدوجة: ضغط الامتحان وغياب طقوس العيد
يقول فكري (17 سنة)، تلميذ شعبة العلوم الفيزيائية بإحدى الثانويات التأهيلية وسط المدينة:
”كنا ننتظر هذه الفترة منذ شهور، الامتحان الوطني هو نهاية مشوار طويل. لكن تزامنه مع عيد الأضحى، وقرار إلغاء الأضحية، جعل الأجواء مختلفة تمامًا. لا رائحة شواء، ولا أصوات مواشٍ، ولا فرحة تجمع العائلة. بصراحة، شعرت بشيء ناقص، لكن ركزت على هدفي الأساسي: النجاح”.
بخصوص الامتحانات، لن أقول إنها كانت في المستوى أو سهلة، لكن لكل مجتهد نصيب، من قام بالاستعداد للامتحان الوطني طوال السنة، سوف يحصد نتيجة متميزة، ومن لم يستعد نتمنى لهم التوفيق والنجاح.
أما صديقه ياسين يضيف: ”الضغط مضاعف هذه السنة. من جهة الامتحانات، ومن جهة أخرى النقاشات داخل البيت حول إلغاء الأضحية. أحسست أن الجو العام أكثر هدوءًا، ولكن في نفس الوقت أقل دفئًا”.
وأنا استعد للامتحانات بوتيرة أسرع، لا يكاد نقاش إلغاء أضحية العيد بقرار ملكي، يختفي على المائدة ففي كل لحظة تتحدّث العائلة عن القرار وعن ردّة الفعل، هل سوف يتم الاستجابة للقرار الحكيم، أم هناك رأي آخر.
قرار إلغاء شعيرة الأضحية بسبب الجفاف لم يمرّ دون أثر، خصوصًا لدى فئة المراهقين الذين اعتادوا ربط هذه المناسبة بذكريات الطفولة والتجمع العائلي. هذا الغياب ألحق بظلاله على الجانب النفسي، وأضفى طابعًا غير مألوف على فترة الامتحانات.
*المؤسسات التربوية: تنظيم صارم ودعم نفسي
من إحدى الثانويات التأهيلية بطنجة، يحدثنا إطار تربوي، وهو أستاذ لمادة الفلسفة وعضو لجنة المراقبة: ”وزارة التربية الوطنية حرصت على توفير جميع الظروف المناسبة لاجتياز الامتحانات، من حيث تأمين الفضاءات، وتوزيع التلاميذ، واحترام معايير النزاهة، والوقاية الصحية. لكنّنا لاحظنا نوعًا من التوتر الزائد على المعتاد، خصوصًا في صفوف التلميذات والتلاميذ الذين افتقدوا الدفء العائلي المعهود في هذه الفترة.”
كما أكَّد المتحدث ذاته، أنَّ بعض المؤسَّسات عملت على توفير دعم نفسي داخل المركز، من خلال وجود أطر مختصة للاستماع إلى التلاميذ وتوجيههم في حال القلق أو الانهيار النفسي، خصوصًا في اليوم الأول.
ويُؤكّد في تصريح خصّ به جريدة “لاديبيش”، الامتحانات تزامنت مع الصيف وإلغاء عيد الأضحى، أتمنى أن يكون الجانب الذهني حاضرًا عن المرشحين لاجتياز امتحانات البكالوريا، وأن يتعاملوا مع الأسئلة بحذرٍ وذكاء مطلوب.
*أولياء الأمور.. بين التفهم والدعم
السيدة إكرام العسلي، والدة تلميذة تجتاز امتحانات شعبة الآداب، قالت: ”كأسرة، تفهّمنا قرار إلغاء الأضحية، وكان علينا أن نظهر قوّة أمام أبنائنا. دعمنا ابنتنا وخلقنا جوًّا إيجابيًّا داخل المنزل. حاولنا تعويض أجواء العيد بدفء إنسانيّ، وركزنا على تهيئة الظروف للدراسة.”
الامتحانات هي الأهم بالنسبة لنا، خصوصا أنَّها مرحلة مفصلية في حياة التلاميذ، نتمنى لهم خيرا، وإن كانت بعض المواد صعبة للغاية.
بينما يرى عبد الرفيع بوريط، أبّ لتلميذ في شعبة العلوم الاقتصادية، أنَّ تزامن هذه المحطة مع غياب الأجواء العيدية قد يكون إيجابيًّا من زاوية التركيز: ”دون صخب العيد وزيارات العائلة، ركز ابني أكثر. أظن أنَّ بعض التلاميذ استفادوا من الهدوء العام، رغم أنَّ الطابع النفسي للغياب العيد لا يمكن إنكاره”.
أما السيدة سميرة، فقد أكَّدت أن الامتحانات سبق العيد الأضحى بأكثر من أسبوع، لهذا لا أظن أنَّه سيكون لها تأثيرٌ نفسيٌّ، خصوصًا الذين قاموا بالتركيز ذهنيًّا ونفسيًّا مع الامتحانات.
*تصريحات الأطر الإدارية: الحذر والترقب
في تصريح لـ”لاديبيش”، أكَّدت مديرة إحدى المؤسسات الثانوية التأهيلية بطنجة، أنَّ نسبة الحضور كانت عالية جدًا، ما يعكس استعداد التلاميذ رغم الإكراهات النفسيَّة والاجتماعيَّة، وأضافت: “هذه السنة كانت مختلفة على كل المستويات. كنا مستعدّين لأي طارئ. شجعنا التلاميذ، خصصنا فترات استراحة مرنة، وفتحنا أبواب التواصل مع الأسر.”
كما شدَّدت على أنَّ بعض التلاميذ عبَّروا عن إحباطٍ خفيفٍ بسبب غياب أجواء العيد، ما يستوجب، في رأيها، تعزيز برامج المواكبة النفسية في النظام التربوي المغربي.
*نحو مستقبل متوازن بين المناسبات الدراسية والدينية
يثير هذا التزامن بين موعد الباكالوريا وعيد الأضحى نقاشًا أوسعَ حول ضرورة مراجعة تواريخ الامتحانات الوطنية، خاصّةً في سنوات الجفاف أو الأحداث الاستثنائية. فالاستقرار النفسي للتلميذ له دور كبير في جودة الأداء داخل قاعات الامتحان.
وفي هذا السياق، يقترح بعض الاختصاصيين التربويين التفكير في رزنامة تربوية مرنة تأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية والظروف الاجتماعية، حتّى لا يشعر التلميذ بأنه مضطر للتضحية بين واجباته الدراسية والتزاماته الدينية أو الاجتماعية.
تُمثّل امتحانات البكالوريا دائمًا محطة فارقة في حياة التلميذ المغربي، لكن هذه السنة حملت طابعًا استثنائيًا، ليس فقط من حيث الاستعدادات البيداغوجية، ولكن من حيث المناخ العام الذي جرى فيه الامتحان. غياب الأضحية لم يكن مجرد تفصيل، بل لحظة رمزية أكَّدت أنَّ التضامن الوطني قد يتطلب تنازلات، حتى من فئة التلاميذ.