مجتمع

الوجه الآخر لـ«عروس الشمال».. حين يتحوّل الرصيف إلى سرير لـ«أطفال الشوارع»

تستفيق‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬متناقض‭ ‬يضع‭ ‬شعارات‭ ‬التنمية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬قاسية‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬مرير‭. ‬فبينما‭ ‬تلمع‭ ‬واجهاتها‭ ‬السياحية‭ ‬ومشاريعها‭ ‬المليارية‭ ‬كبوابة‭ ‬للمغرب‭ ‬نحو‭ ‬القارة‭ ‬العجوز،‭ ‬ينمو‭ ‬في‭ ‬هوامشها‭ ‬ووسط‭ ‬شوارعها‭ ‬النابضة‭ ‬بالحياة‭ ‬‮«‬مجتمع‭ ‬موازٍ‮»‬‭ ‬يسكنه‭ ‬أطفال‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬الزهور،‭ ‬اتَّخذوا‭ ‬من‭ ‬الأرصفة‭ ‬الباردة‭ ‬سريرًا‭ ‬ومن‭ ‬موادّ‭ ‬التخدير‭ ‬والتشرُّد‭ ‬قدرًا‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه‭.‬

هؤلاء‭ ‬الصغار‭ ‬الذين‭ ‬باتوا‭ ‬يشكلون‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزَّأ‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬اليومي‭ ‬في‭ ‬محطة‭ ‬القطار‭ ‬‮«‬طنجة‭ ‬المدينة‮»‬،‭ ‬وساحة‭ ‬‮«‬الأمم‮»‬،‭ ‬ومحيط‭ ‬الميناء،‭ ‬يعيدون‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬الحارق‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬المقاربات‭ ‬المعتمدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬أطفال‭ ‬الشوارع‮»‬‭ ‬بعروس‭ ‬الشمال،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬الأعداد‭ ‬وتنامي‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬الملف‭ ‬الشائك‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يؤرق‭ ‬الساكنة‭ ‬والفاعلين‭ ‬الحقوقيين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

إنَّ‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬شوارع‭ ‬طنجة‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬المدينة،‭ ‬بموقعها‭ ‬الجيو‭-‬استراتيجي‭ ‬كقبلة‭ ‬للحلم‭ ‬بالعبور‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬الفردوس‭ ‬الأوروبي‮»‬،‭ ‬أصبحت‭ ‬مغناطيسًا‭ ‬جاذبًا‭ ‬للقاصرين‭ ‬غير‭ ‬المرفقين‭ ‬النازحين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مدن‭ ‬المملكة،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الحلم‭ ‬بالضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يصطدم‭ ‬بجدار‭ ‬الواقع‭ ‬الصلب،‭ ‬لينتهي‭ ‬المطاف‭ ‬بهؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬قبضة‭ ‬شبكات‭ ‬الاستغلال‭ ‬المنظم‭ ‬أو‭ ‬ضحايا‭ ‬لإدمان‭ ‬‮«‬السيلسيون‮»‬‭ ‬والمخدرات‭ ‬القوية،‭ ‬مما‭ ‬يحولهم‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قنابل‭ ‬موقوتة‮»‬‭ ‬تُهدّد‭ ‬السلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأمن‭ ‬العام‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المعضلة‭ ‬الحقيقية؛‭ ‬فالمقاربة‭ ‬المعتمدة‭ -‬حتى‭ ‬الآن‭- ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الوصية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتَّسم‭ ‬بطابعها‭ ‬الموسمي‭ ‬والمناسباتي،‭ ‬حيث‭ ‬تقتصر‭ ‬‮«‬الحملات‮»‬‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬تمشيط‭ ‬محدودة‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬بعودة‭ ‬الأطفال‭ ‬إلى‭ ‬النقط‭ ‬السوداء‭ ‬ذاتها‭ ‬بمجرد‭ ‬هدوء‭ ‬العاصفة،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬صارخ‭ ‬لاستراتيجية‭ ‬إدماج‭ ‬حقيقية‭ ‬تمس‭ ‬جوهر‭ ‬المشكلة‭ ‬النفسية‭ ‬والمادية‭ ‬لهذه‭ ‬الفئة‭ ‬الهشّة‭.‬

لقد‭ ‬تجاوز‭ ‬الوضع‭ ‬اليوم‭ ‬مرحلة‭ ‬التشخيص‭ ‬ليدخل‭ ‬نفق‭ ‬الاستعجال،‭ ‬فطنجة‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تعبئة‭ ‬شاملة‮»‬‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحلول‭ ‬الأمنية‭ ‬الصرفة‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬محدوديتها،‭ ‬لتلامس‭ ‬الأبعاد‭ ‬السوسيو‭-‬اقتصادية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إشراك‭ ‬حقيقي‭ ‬للفاعلين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬والقطاعات‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬مراكز‭ ‬إيواء‭ ‬نموذجية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭ ‬وإعادة‭ ‬التأهيل،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬تصدير‭ ‬الأزمة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالتدخُّلات‭ ‬التجميلية‭.‬

فاستمرار‭ ‬تدفق‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬المداشر‭ ‬والمدن‭ ‬الداخلية،‭ ‬وضعف‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬المتخصّصة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الطفولة،‭ ‬وتغول‭ ‬شبكات‭ ‬التسوُّل‭ ‬التي‭ ‬تستغل‭ ‬هؤلاء‭ ‬البؤساء،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الشعارات‭ ‬الرسمية‭ ‬حول‭ ‬‮«‬المدينة‭ ‬الذكية‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬حبرٍ‭ ‬على‭ ‬ورقٍ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬ترفق‭ ‬بإرادة‭ ‬سياسية‭ ‬محلية‭ ‬تضع‭ ‬كرامة‭ ‬‮«‬أطفال‭ ‬البوغاز‮»‬‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭ ‬انتخابي‭ ‬أو‭ ‬اقتصادي‭ ‬ضيّق‭.‬

إن‭ ‬التقارير‭ ‬الميدانية‭ ‬والشهادات‭ ‬الحية‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬‮«‬النقط‭ ‬السوداء‮»‬‭ ‬بطنجة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬مآسٍ‭ ‬إنسانية‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬التشرُّد؛‭ ‬فنحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬جيل‭ ‬يتربّى‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬الجريمة‭ ‬والعنف،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬وحنان‭ ‬الأسرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬المسؤولية‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المجلس‭ ‬الجماعي‭ ‬والسلطات‭ ‬الترابية‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭.‬

إنَّ‭ ‬إنقاذ‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬براثن‭ ‬الشارع‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ترفٍ‭ ‬حقوقي‭ ‬أو‭ ‬واجهة‭ ‬لتلميع‭ ‬صورة‭ ‬المدينة‭ ‬أمام‭ ‬السياح‭ ‬الأجانب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬أمنية‭ ‬قصوى‭ ‬وأمانة‭ ‬أخلاقية‭ ‬في‭ ‬عنق‭ ‬الجميع؛‭ ‬لأن‭ ‬ترك‭ ‬طفل‭ ‬واحد‭ ‬للضياع‭ ‬وسط‭ ‬غابة‭ ‬الأسمنت‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬بمنزلة‭ ‬صناعة‭ ‬محترفة‭ ‬لمجرم‭ ‬محتمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تراهن‭ ‬فيه‭ ‬طنجة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قاطرةً‭ ‬للتنمية‭ ‬القارية،‭ ‬وهي‭ ‬قاطرةٌ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسير‭ ‬بانتظام‭ ‬بينما‭ ‬يئن‭ ‬أطفالها‭ ‬تحت‭ ‬عجلاتها‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬مطبق‭.‬

Exit mobile version