في الواجهة
الوالي يشن حربًا على البناء غير القانوني.. ورجال سلطة ومنتخبون ومُنتفعون «يقاومون» ذلك متجاهلين الاحتمالات الكارثية

ما مصير الأحياء العشوائية لو قُدر لزلزال الحوز أن يصل طنجة؟
مساء يوم الجمعة 8 شتنبر 2023، في تمام الساعة الـ11 و11 دقيقة، كان المغرب على موعد مع فاجعة هزَّت الأرض من تحت أقدام الناس حرفيًّا، وهزَّت معها نفوس ومشاعر المواطنين في طول البلاد وعرضها، فالهزّة الأرضية غير المتوقعة، الَّتِي كانت بؤرتها في إقليم الحوز بـ7 درجات على سلم ريختر، وتضرَّر منها بشدّة أيضًا إقليما تارودانت وشيشاوة، الَّتِي وصلت آثارها البشريَّة والماديَّة إلى مدن مراكش وأكادير والدار البيضاء وغيرها، جعلت الجميع يضعون أيديهم على قلوبهم، من طنجة إلى الكويرة، مخافة وصول الزلزال إلى منازلهم.
وفي طنجة، قليلون هم الَّذِينَ شعروا بالهزة، فالأمر مرَّ بسلام نظرًا للبعد الجغرافي بين المدينة الموجودة في أقصى شمال المملكة وبين بؤرة الفاجعة، غير أنَّ سكان المدينة انخرطوا -بشكلٍ قياسيٍّ- في حملات التبرع والإغاثة، وفي الوقت نفسه كان البعض يطرح أسئلةً حارقةً من قبيل: ماذا لو قُدر للمدينة أن تعيش زلزالًا مماثلًا؟ ماذا سيكون مصير الآلاف من الأسر الَّتِي تعيش في الأبنية العشوائيَّة، الَّتِي أنشئت بشكلٍ غير قانوني. والأهم من ذلك، مَن سيتحمل المسؤولية حينها؟
-
العشوائي.. تربة خصبة للمآسي
قبل أسبوعٍ واحدٍ من الزلزال الَّذِي ضرب وسط المملكة، تصدَّر مشهد إحدى العمارات الَّتِي أمر والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، محمد مهيدية، بهدمها نظرًا لخرقها ضوابط البناء، الاهتمام الإعلامي في المدينة، وحينها كان الحديث ينصب عن الطريقة غير السليمة الَّتِي تمت بها عملية الهدم، الَّتِي أدت إلى سقوط العمارة على الجرافة الَّتِي كانت تُنفّذ القرار وعلى سائقها، لكن كان للموضوع أوجه أخرى، فرغم أنَّ الأمر يتعلق بعمارة موجودة بحي طنجة البالية، أي داخل المجال الحضري للمدينة، فإنَّ صاحب المشروع لم يرَ ضررًا في أن يغير من التصميم بشكل جذري ليظفر بطابقين إضافيين.
والحال أنَّ العمارة المعنية كانت حاصلة على ترخيص يسمح لصاحبها بإنشاء طابقٍ أرضيٍّ و3 طوابق علوية، غير أنه، وفي غفلة من بعض المسؤولين المنتخبين والمُعينين أو بتواطؤ مع بعضهم الآخر، استطاع أن يبني عمارة من طابق أرضي و5 طوابق علوية، ما يجعلنا نتساءل الآن -بعد فاجعة الحوز الَّتِي امتدت إلى مدن كبرى مثل مراكش والدار البيضاء وأكادير لو كانت الهزة الأرضية أقرب قليلا لمدينة طنجة- ما المصير الَّذِي كان ينتظر هَذِهِ العمارة ومثيلاتها من نماذج السكن العشوائي الَّذِي أصبح شعارًا حتى للبنايات الموجهة لمتوسطي الدخل والأثرياء؟
وأصبحت مدينة طنجة غارقة في الأبنية العشوائية، فباستثناء مقاطعة السواني الموجودة في قلب المدينة، فإن باقي المقاطعات، بني مكادة ومغوغة وحتّى طنجة المدينة، كلها تعاني تمدد السكن العشوائي، خصوصًا على الأطراف، ففي مقاطعة بني مكادة مثلًا، تم تسليم 5000 رخصة تعمير غير قانونية خلال الفترة ما بين 2011 و2015، وهو رقم رسميّ صادر على لسان الرئيس السابق لمجلس المقاطعة محمد خيي، الَّذِي أكَّد في تصريحات أمام وسائل الإعلام تعود لسنة 2016، أنَّ هناك أحياء بكاملها بُنيت -بشكل عشوائي- على تراب المقاطعة، دون أن تتوفر على ربط بشبكة الماء والكهرباء، ولا حتى على شبكة للصرف الصحي، لدرجة أن سكّانها يقضون حاجتهم في حفر.
وخلال الأشهر الأولى من السنة الجارية، كان الطنجاويون شهودًا على مطاردة عمليات التجزيء السري، الَّتِي انتشرت بشكل غير مسبوق في منطقتي «الشجيرات والهرارش»، إذ حلت السلطات المحلية هناك، وهدمت عدّة منازل بُنيت دون ترخيص وفي أماكن خطرة، بعدما استغل المجزؤون السريّون الملفات العالقة للأراضي السلالية، وقد أدى ذلك إلى ظهور احتجاجات توجه أصابع الاتهام لممثلين عن السلطة المحلية ولمُنتخبين من مدينة طنجة، باعتبارهم استفادوا من أموال طائلة مقابل بيع الأراضي الَّتِي أقيمت عليها تلك البنايات.
وكان الوالي مهيدية قد أوقف عددًا من رجال السلطة بمقاطعة بني مكادة، في مارس من السنة الجارية، بسبب الانتشار الكبير للبناء العشوائي في المنطقة، وفي مقدمتهم 3 قياد، وقبل بضعة أسابيع وخلال ترأسه اجتماعًا بمقر الولاية، بحضور منتخبي المدينة ورجال السلطة، وضع مهيدية ملف البناء العشوائي على الطاولة باعتباره آفة تشوه المدينة وتُشكّل خطرًا على السكان، مشدّدًا على ضرورة التصدي بحزم إلى مظاهر التجزيء السري والتشديد في تطبيق القانون، بما في ذلك قانون التعمير.
وقبل الزلزال الَّذِي ظهرت آثاره المدمرة والقاتلة على سكان المباني الَّتِي لا تخضع للضوابط الحديثة والقانونية في البناء، كان مهيدية يعلن، في غشت الماضي، أنَّ البناء العشوائي «خط أحمر» خلال حفل تنصيب رجال السلطة الجدد بمقر الولاية، معتبرًا أنَّ استقطاب المدينة سنويًا للآلاف من المواطنين الراغبين في العمل والاستقرار بالمدينة، لا يمكن أن يفتح الباب لهَذَا النوع من التعمير، موجهًا انتقاداته للوسطاء، وكذا لمن وصفهم بـ«المشبوهين» الَّذِينَ يحترفون هَذَا الأمر.
-
أحياء عشوائية أمام أنظار السلطات
ولا شكّ أنَّ البناءَ العشوائيَّ في مدينة طنجة ونواحيها، على خطورة هَذِهِ الظاهرة وتشويهها لصورة المدينة، ليس أمرًا جديدًا، لأنَّ عددًا من المناطق تحوّل -تدريجيًّا- إلى عواصم للبناء العشوائي، على غرار ما يحدث في جماعة اكزناية، الَّتِي أطاحت فضائح التعمير والاستيلاء على الأراضي برئيسها السابق أحمد الإدريسي، وهو أحد أثرياء شمال المغرب الَّذِي كان يوصف بعراب حزب الأصالة والمعاصرة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، لدرجة أن وزارة الداخلية حرَّكت المساطر القضائية لعزله عن منصبه.
وفضائح التعمير العشوائي في اكزناية لا تقف عند الاستيلاء على الأراضي وعمليات اجتثاث المساحات الغابوية والتجزيء السري، بل تصل إلى حدّ انتشار الشواهد الإدارية المزورة أو غير المطابقة للقانون؛ لتمكين أصحاب تلك البنايات من ضمان الربط بشبكة الماء والكهرباء، ومؤخرًا عادت ظاهرة الاستيلاء على الملك الغابوي بشكل مكثف في هَذِهِ المنطقة، على الرغم من إصدار تحذيرات صريحة من الوالي مهيدية للمنتخبين ورجال السلطة.
وكانت فضائح التعمير قد تسببت في عزل رئيس الجماعة السابق من منصبه، ثُمّ في شتنبر من سنة 2022، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بطنجة، حكمًا في حقه بالحبس النافذ لمدة 8 أشهر بتهمة المشاركة في إقامة بنايات فوق أملاك الدولة، والمشاركة في إحداث تجزئة عقارية من غير إذن سابق في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النُظم المقررة وفوق ملك الدولة، والمشاركة في تقسيم بقع أرضية داخل تجزئة غير مرخصة، والمشاركة في إحداث تجزئة دون إذن سابق والمشاركة في بيع بقع أرضية في تجزئة غير مرخصة.
وأثارت هَذِهِ الفضيحة، الَّتِي انتهت بالحكم على 5 متهمين آخرين بالسجن لمدة تتراوح ما بين 8 سنوات و8 أشهر، علامات الاستفهام بشأن مدى تورط رجال السلطة أيضًا في تلك العمليات، وهو ما يشي به أيضًا إجراء التنقيل العقابي الَّذِي طال عدّة مسؤولين بالمنطقة، ومنهم قياد وأعوان سلطة، لكن كلّ ذلك لم ينهِ الفضائح في تلك المنطقة الَّتِي توثقها إلى غاية اليوم صور سكانها ومن يزورونها، ما يؤكد وجود مافيا تعتقد أنها أقوى من السلطات المحلية والقضاء.
-
رخص مزورة وأبنية غير مرخصة
وإذا كان الزلزال الأليم -الَّذِي ضرب المملكة مناسبة للوقوف مجددًا على فضائح البناء العشوائي في جماعة اكزناية- فهَذَا لا يعني نسيان مقاطعة وسط مدينة طنجة، الأكبر في المغرب من حيث عدد السكان، بما يقارب 450 ألف نسمة، ويتعلق الأمر بمقاطعة بني مكادة، الَّتِي كانت قبل أشهر على موعد مع فضيحة من العيار الثقيل، حين انكشف أمر تسليم عددٍ من رخص البناء الأحادية في مجموعة من أحيائها، الَّتِي كانت تحمل تواريخ قديمة، لتفادي المساءلة القانونية لمسؤولي مجلس المقاطعة.
وأصبحت هَذِهِ المقاطعة تعرف «تقنيعا» للبناء العشوائي، من خلال تسليم هَذَا النوع من الرخص دون انتظار رأس جهات أخرى متدخلة في العملية بقوة القانون، خصوصًا الوكالة الحضرية، بل إن من يُسلمونها أصبحوا يتجاوزون أيضًا ممثلي وزارة الداخلية، الأمر الَّذِي أدى إلى بروز أحياء جديدة من «العشوائي»، ويحدث ذلك بعد تسليم مبالغ مالية للوسطاء، حسب شهادات متقاطعة من عددٍ من سكان المنطقة، الَّذِينَ يتحدثون عن تورط منتخبين بعينهم.
والبناء العشوائي في بني مكادة ليس ظاهرة مرتبطة بزمان محدد، بل يكاد يكون جزءًا من «ثقافة» المنطقة، لدرجة أن سكانها رصدوا استغلال بعض الأشخاص لفترة حالة الطوارئ الصحية الناجمة عن جائحة كورونا، سنة 2020، لبناء منازل بشكل غير قانوني، مثلما حدث في حي «مرس الخير»، وفي فترات أخرى، وتحديدًا سنة 2012، استولت عشرات الأسر على أراضٍ بمنطقتي العوامة وبير الشفا، ومن ثم تجزيئها والبناء فوقها بحجة أنَّ الأمر قانوني وأنه يستند إلى «خطاب ملكي»، قبل أن تتدخل السلطات المحلية وتهدم البنايات المحدثة في تحرك رافقته احتجاجات من أصحابها بلغت حد المواجهات.
-
المدينة القديمة.. بين الإنقاذ والاستغلال
بالرجوع إلى تفاصيل فاجعة الزلزال الَّذِي ضرب وسط المملكة، نلاحظ أمرًا مثيرًا للاهتمام، فالضحايا الَّذِينَ سقطوا وسط المدن الكبرى، وتحديدًا مراكش والدار البيضاء، أغلبهم ماتوا جراء انهيارات سُجلت في أحياء المدن القديمة، وهي مناطق تشبه -إلى حد كبير- نظيرتها في مدينة طنجة مع بعض الخصوصيات، وأهم شيء يجمع بينها هو أنَّ الكثير من منازلها يتجاوز تاريخ بنائها قرنًا من الزمن، ما يعني أن دعاماتها وجدرانها وأسقفها كلها في حاجة إلى عمليات إعادة ترميم، بل إنَّ بعضها قد لا تكون صالحة للسكن ووجب أن تُهدم ويُعاد بناؤها، وَفْق معايير حديثة.
وحسب المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية، فإنَّ الزلزال تسبَّب في وفاة 18 شخصًا في عمالة مراكش و3 في الدار البيضاء، والصور القادمة من المدينتين، تؤكد أنَّ أحياء المدينة القديمة كانت الأكثر تضررًا، مثل حي الملاح الَّتِي انهارت فيه عدة منازل واضطر سكانه إلى المبيت في الشارع، ما يدفعنا إلى طرح تساؤلات حول مصير أحياء المدينة القديمة في طنجة في حال وقوع أي نوع من الكوارث الطبيعية، علمًا أنَّ بعض سكان المدينة كانوا قد أحسوا بالفعل بارتدادات طفيفة لهَذَا الزلزال الَّتِي وصلت إلى إسبانيا والبرتغال شمالًا والجزائر شرقًا وموريتانيا جنوبًا.
وتعي سلطات المدينة أنَّ المنازل المأهولة داخل أحياء المدينة القديمة في طنجة مُهدّدة بكارثة في أي وقت، الأمر الَّذِي دفعها إلى تضمين عمليات الترميم في برنامج تأهيل المدينة العتيقة الممتد خلال الفترة ما بين 2020 و2024، وتحديدًا في محور التأهيل العمراني، ووَفْق المعطيات الَّتِي حصلت عليها أسبوعية «لاديبيش» من مصادر رسمية فإنَّ البرنامج خصص مبلغ 40 مليون درهم من أجل عمليات إعادة الإسكان الموجهة لـ254 أسرة، كما أُعيد تأهيل 28 بناية مُهدّدة بالسقوط من مباني الأحباس ذات القيمة التاريخية.
وفي يناير من السنة الجارية، أعلنت وكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال تخصيص أكثر من 29 مليون درهم لإعادة تأهيل منطقة فندق الشجرة، بما يشمل المباني التاريخيّة والفضاءات التجاريّة، وأوضحت في بلاغ لها، أنَّ الحالة المتدهورة الَّتِي يعرفها فندق الشجرة وفندق الخضرة، أصبحت تفرض اليوم إعادة تهيئتهما من أجل إدماجهما في النسيج الاقتصاديّ والحضريّ للمدينة العتيقة، الَّتِي تضمُّ بدورها عددًا من المباني التاريخية الَّتِي تُمثّل تُراثًا معماريًّا هندسيًا طنجاويًّا متميزًا، مثل مسرح سيرفانتيس، والمقبرة اليهودية، والجدران الأثرية، وفندق المنزه وغيرها، وهو المشروع الَّذِي يتطلب إتمام إنجازه 12 شهرًا.
ومع ذلك، فإنَّ المجهودات المبذولة في هَذَا الصدد تصطدم بشبح يجوب المدينة من أقصاها إلى أقصاها، ويتعلق الأمر بالبناء العشوائي، الَّذِي يتمدد في غفلة من السلطات المحلية في أحياء مثل السوق الداخل ودار البارود وبن يدر والقصبة، بل إن بعض أصحاب المنازل استغلوا عمليات الترميم الَّتِي كانت تباشرها السلطات من أجل التغطية على أعمال البناء غير القانونية، وهو أمر لا يتسبب فقط في تشويه معالم المدينة العتيقة ويضرب في عمق قيمتها التاريخية، بل أيضًا يُشكّل خطرًا على سكان تلك المنازل، الَّتِي تتطلب أشغال ترميم خاصة، ولا تحتمل أي إضافات بشكل عشوائي.
وقبل أيّام، وجَّه مهندسون يشتغلون ضمن مشروع إعادة تأهيل المدينة العتيقة، تحذيرات للسلطات الولائية بعدما رصدوا أعمالَ بناء غير قانونية في عدة أحياء، وأشاروا إلى أنَّ الأمر طال مجموعة من المباني التاريخيَّة، ما دفع السلطات المحلية إلى إجراء زيارات ميدانية أعقبتها قرارات بوقف مجموعة من أشغال البناء وتحريك المساطر القانونية في حق مرتكبي تلك المخالفات، كما صدرت أوامر بهدم الأجزاء غير القانونيَّة، بل إن الأمر امتدّ إلى توقيع عقوبات طالت أعوان سلطة بسبب تواطؤهم المحتمل في هَذِهِ الفضيحة.
ويتحدّث السكان المحليون في المدينة القديمة عن وجود تواطؤات بين بعض أعوان السلطة وأصحاب المنازل، وعن تقديم رشاوى للتغطية على أعمال البناء العشوائية، مشددين على أنَّ الأمر ليس جديدًا، فعدد من المساكن القديمة شهدت إضافات وتعديلات غير قانونية خلال السنوات الماضية، وهو ليس أمرًا سريًّا، على الرغم من علم الجميع بأنَّ الأمر خطير ويمثل مغامرة غير محمودة العواقب، فقبل أشهر فقط انهارت أسقف وشرفات عدة منازل في ظرف أسابيع إثر التساقطات المطرية، الَّتِي عرفتها طنجة، وفي سنة 2019، تُوفي شخص جراء انهيار جزء من منزله في حي أحرضان.