مجتمع

النظافة بطنجة.. لماذا عجزت الشركات عن إرضاء المنتخبين والسلطات والمواطنين؟ هل الخلل في دفاتر التحملات أم في سوء التدبير؟

حين‭ ‬تتحول‭ ‬الأزبــــال‭ ‬إلــــــــــى‭ ‬عنوان‭ ‬للنقاش‭ ‬العمومي‭.. ‬ مسؤولية‭ ‬الشركات‭ ‬والمنتخبين‭ ‬والرقابة‭ ‬على‭ ‬المحك

أزمة‭ ‬نظافة‭ ‬خانقة‭ ‬بطنجة‭.. ‬ هل‭ ‬المواطن‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬المسؤولية؟

لم‭ ‬تعد‭ ‬قضية‭ ‬النظافة‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬مجرد‭ ‬موضوع‭ ‬يرتبط‭ ‬بجمع‭ ‬النفايات‭ ‬المنزلية‭ ‬وتنظيف‭ ‬الشوارع‭ ‬والأزقة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬نقاشًا‭ ‬واسعًا‭ ‬عن‭ ‬جودة‭ ‬التدبير‭ ‬المحلي،‭ ‬ومدى‭ ‬التزام‭ ‬الشركات‭ ‬المفوض‭ ‬إليها‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬بتعهداتها،‭ ‬وقدرة‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة‭ ‬والجهات‭ ‬المعنية‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬المُقدّمة‭ ‬للمواطنين‭ ‬وضمان‭ ‬احترام‭ ‬المعايير‭ ‬المطلوبة‭.‬

ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تراهن‭ ‬فيه‭ ‬عاصمة‭ ‬البوغاز‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياحية،‭ ‬وتطوير‭ ‬بنياتها‭ ‬التحتية‭ ‬وتحسين‭ ‬جاذبيتها‭ ‬لدى‭ ‬الزوّار‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬تظلُّ‭ ‬النظافة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الاختبارات‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬تقيس‭ ‬مدى‭ ‬نجاح‭ ‬التدبير‭ ‬الحضري،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ارتباطها‭ ‬المباشر‭ ‬بصحّة‭ ‬المواطنين‭ ‬وجودة‭ ‬الحياة‭ ‬وصورة‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬سكانها‭ ‬وضيوفها‭.‬

وتتجدَّد‭ ‬التساؤلات‭ ‬كلما‭ ‬ظهرت‭ ‬مظاهر‭ ‬تراكم‭ ‬النفايات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفضاءات‭ ‬أو‭ ‬الأحياء،‭ ‬أو‭ ‬سُجلت‭ ‬اختلالات‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬الجمع‭ ‬والتنظيف،‭ ‬لتعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬عن‭ ‬المسؤوليات‭ ‬وحدود‭ ‬الاختصاصات،‭ ‬ومدى‭ ‬نجاعة‭ ‬دفاتر‭ ‬التحمُّلات،‭ ‬وفعالية‭ ‬آليات‭ ‬المراقبة‭ ‬والتتبع،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬المنتخبين‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬السكان‭ ‬ومساءلة‭ ‬الجهات‭ ‬المُكلّفة‭ ‬بتقديم‭ ‬الخِدْمات‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬النقاش،‭ ‬تتباين‭ ‬التفسيرات‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬الشركات‭ ‬مسؤولية‭ ‬عدم‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتها،‭ ‬ومن‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الخلل‭ ‬يتجاوز‭ ‬الجانب‭ ‬التقني‭ ‬والتعاقدي‭ ‬ليشمل‭ ‬طريقة‭ ‬تدبير‭ ‬الملف‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المنتخبين،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬احترام‭ ‬الالتزامات‭ ‬واتِّخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬اللازمة‭ ‬عند‭ ‬تسجيل‭ ‬التقصير‭.‬

وبين‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬وذاك،‭ ‬تبقى‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬ينتظرها‭ ‬المواطن‭ ‬واضحة‭: ‬مدينة‭ ‬نظيفة،‭ ‬وخدمات‭ ‬منتظمة،‭ ‬وتدبير‭ ‬شفاف‭ ‬يضع‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭.‬

*يوسف‭ ‬القبيلة‭:‬‭ ‬المنتخبون‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬ملف‭ ‬النظافة

في‭ ‬تصريح‭ ‬خص‭ ‬به‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬لاديبيش‮»‬،‭ ‬عبّر‭ ‬يوسف‭ ‬القبيلة،‭ ‬ابن‭ ‬منطقة‭ ‬بوحوت‭ ‬والفاعل‭ ‬الجمعوي،‭ ‬عن‭ ‬انتقاده‭ ‬لطريقة‭ ‬تدبير‭ ‬ملف‭ ‬النظافة‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أنَّ‭ ‬المنتخبين‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسهم،‭ ‬بحسب‭ ‬تقييمه،‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬مظاهر‭ ‬انتشار‭ ‬الأزبال‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الفضاءات‭.‬

ويرى‭ ‬القبيلة‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬النظافة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬ملفًا‭ ‬تقنيًّا‭ ‬محدودًا،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬مسؤولية‭ ‬عمومية‭ ‬ترتبط‭ ‬بتدبير‭ ‬الشأن‭ ‬المحلي،‭ ‬وبمدى‭ ‬قدرة‭ ‬المسؤولين‭ ‬المنتخبين‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬المواطنون‭ ‬يوميًّا‭.‬

وأكَّد‭ ‬المتحدّث‭ ‬ضرورة‭ ‬تدخل‭ ‬السلطات‭ ‬المعنية‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاختلالات‭ ‬المطروحة،‭ ‬داعيًا‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬نقاش‭ ‬جدي‭ ‬ومفصل‭ ‬حول‭ ‬واقع‭ ‬النظافة‭ ‬بالمدينة،‭ ‬وإجراء‭ ‬تحقيق‭ ‬مُعمّق‭ ‬يحدد‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭.‬

وتكتسي‭ ‬هذه‭ ‬الدعوة‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬تقييم‭ ‬أداء‭ ‬الشركات‭ ‬المفوض‭ ‬إليها‭ ‬تدبير‭ ‬النظافة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬تقييم‭ ‬منظومة‭ ‬المراقبة‭ ‬والتتبع،‭ ‬ومدى‭ ‬تفاعل‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬مع‭ ‬الشكايات‭ ‬والملاحظات‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬المواطنون‭ ‬والفعاليات‭ ‬الجمعوية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬مطالب‭ ‬الفاعلين‭ ‬الجمعويين‭ ‬تعكس‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬قنوات‭ ‬واضحة‭ ‬للتواصل‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬والجهات‭ ‬المكلفة‭ ‬بالتدبير،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتحديد‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬اختلالات،‭ ‬ورصد‭ ‬طبيعتها‭ ‬وتكرارها،‭ ‬والتدخل‭ ‬لمعالجتها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تشخيص‭ ‬نهائي‭ ‬لحجم‭ ‬الإخفاقات‭ ‬وأسبابها‭ ‬يقتضي‭ ‬الاستناد‭ ‬إلى‭ ‬معطيات‭ ‬ميدانية‭ ‬دقيقة،‭ ‬تشمل‭ ‬طبيعة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬المتعاقد‭ ‬بشأنها،‭ ‬ومدى‭ ‬تنفيذها،‭ ‬والتقارير‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالمراقبة،‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتَّخذت‭ ‬عند‭ ‬تسجيل‭ ‬أي‭ ‬تقصير‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬التحقيق‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬مجرد‭ ‬مطلب‭ ‬احتجاجي،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬مدخلًا‭ ‬لتقييم‭ ‬موضوعي‭ ‬لمنظومة‭ ‬تدبير‭ ‬النظافة،‭ ‬وتحديد‭ ‬مكامن‭ ‬القوة‭ ‬والضعف،‭ ‬واقتراح‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬تضمن‭ ‬عدم‭ ‬تكرار‭ ‬الاختلالات‭.‬

*عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬الطنجاوي‭:‬‭ ‬الشركات‭ ‬لم‭ ‬تلتزم‭ ‬بدفتر‭ ‬التحملات‭ ‬والمنتخبون‭ ‬يتحملون‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية

من‭ ‬جهته،‭ ‬اعتبر‭ ‬الناشط‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬الطنجاوي‭ ‬أنَّ‭ ‬الشركات‭ ‬المخول‭ ‬لها‭ ‬تدبير‭ ‬قطاع‭ ‬النظافة‭ ‬بطنجة‭ ‬لم‭ ‬تلتزم،‭ ‬وفق‭ ‬تقييمه،‭ ‬بدفتر‭ ‬التحملات،‭ ‬لكنَّه‭ ‬شدَّد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المنتخبين‭ ‬يتحملون‭ ‬بدورهم‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭.‬

ويطرح‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬إشكالية‭ ‬جوهرية‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشركة‭ ‬المفوض‭ ‬إليها‭ ‬تدبير‭ ‬الخدمة‭ ‬والجهة‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬العقد‭ ‬ومراقبة‭ ‬تنفيذه‭. ‬فوجود‭ ‬دفتر‭ ‬تحملات،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬دقّة‭ ‬بنوده،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لضمان‭ ‬جودة‭ ‬النظافة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تقترن‭ ‬الالتزامات‭ ‬بآليات‭ ‬فعالة‭ ‬للتتبع‭ ‬والتقييم‭ ‬والمحاسبة‭.‬

فدفتر‭ ‬التحمُّلات‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يُحدّد‭ ‬طبيعة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬المطلوبة،‭ ‬والمناطق‭ ‬التي‭ ‬يشملها‭ ‬التدبير،‭ ‬وتواتر‭ ‬عمليات‭ ‬الجمع‭ ‬والتنظيف،‭ ‬والمعدات‭ ‬والموارد‭ ‬البشرية‭ ‬اللازمة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬مؤشرات‭ ‬قياس‭ ‬الأداء‭ ‬وشروط‭ ‬التدخُّل‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬اختلالات‭.‬

وعندما‭ ‬تظهر‭ ‬شكايات‭ ‬بشأن‭ ‬تراكم‭ ‬النفايات‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬انتظام‭ ‬عمليات‭ ‬الجمع،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التحقُّق‭ ‬مما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخِدْمات‭ ‬المتفق‭ ‬عليها،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الموارد‭ ‬والمعدات،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الحاويات‭ ‬ومسارات‭ ‬الجمع،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬تتطلّب‭ ‬معالجة‭ ‬مختلفة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬موقف‭ ‬الطنجاوي‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مسؤوليتين‭ ‬متكاملتين‭: ‬مسؤولية‭ ‬الشركة‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬التزاماتها‭ ‬التعاقدية،‭ ‬ومسؤولية‭ ‬الجهة‭ ‬المفوضة‭ ‬عن‭ ‬مراقبة‭ ‬مدى‭ ‬احترام‭ ‬تلك‭ ‬الالتزامات‭ ‬والتدخُّل‭ ‬وفق‭ ‬المساطر‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭ ‬عند‭ ‬ثبوت‭ ‬الإخلال‭ ‬بها‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬دفتر‭ ‬التحمُّلات‭ ‬يتضمَّن‭ ‬شروطًا‭ ‬واضحةً،‭ ‬فإنَّ‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬يجري‭ ‬التحقُّق‭ ‬من‭ ‬احترامها‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم؟‭ ‬وهل‭ ‬توجد‭ ‬تقارير‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬مستوى‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخِدْمات؟‭ ‬وهل‭ ‬تُفعّل‭ ‬الإجراءات‭ ‬التعاقدية‭ ‬عند‭ ‬ثبوت‭ ‬التقصير؟

أما‭ ‬إذا‭ ‬كشفت‭ ‬المراجعة‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الالتزامات‭ ‬أو‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأداء،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأمر‭ ‬يستدعي‭ ‬بدوره‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬شروط‭ ‬التعاقد،‭ ‬حتَّى‭ ‬تصبح‭ ‬الالتزامات‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭ ‬والتقييم،‭ ‬ويكون‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤولية‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬أي‭ ‬اختلال‭.‬

*دفتر‭ ‬التحملات‭..‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لضمان‭ ‬مدينة‭ ‬نظيفة؟

يُشكّل‭ ‬دفتر‭ ‬التحمُّلات‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬قطاع‭ ‬النظافة؛‭ ‬لأنَّه‭ ‬يحدد‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تشتغل‭ ‬داخله‭ ‬الشركة‭ ‬المفوض‭ ‬إليها‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمة،‭ ‬ويرسم‭ ‬حدود‭ ‬التزاماتها‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬المقابل‭ ‬المالي‭ ‬والشروط‭ ‬المتفق‭ ‬عليها‭.‬

لكن‭ ‬الإشكال‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬بالضرورة‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬دفتر‭ ‬التحملات‭ ‬أو‭ ‬غيابه،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬وضوح‭ ‬بنوده،‭ ‬وقابليتها‭ ‬للتطبيق،‭ ‬ووجود‭ ‬آليات‭ ‬تسمح‭ ‬بقياس‭ ‬مستوى‭ ‬الإنجاز‭ ‬والتحقُّق‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬الالتزامات‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

فمن‭ ‬غير‭ ‬الكافي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أن‭ ‬ينصَّ‭ ‬العقد‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬النفايات‭ ‬وتنظيف‭ ‬الشوارع‭ ‬بصورة‭ ‬عامة،‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬دقيق‭ ‬لمعايير‭ ‬الخدمة‭ ‬المطلوبة،‭ ‬وتواتر‭ ‬عمليات‭ ‬الجمع،‭ ‬والمناطق‭ ‬المشمولة،‭ ‬وكيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬النفايات‭ ‬المتراكمة،‭ ‬وشروط‭ ‬التدخُّل‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬الاستثنائية‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬فعالية‭ ‬دفتر‭ ‬التحمُّلات‭ ‬ترتبط‭ ‬بمدى‭ ‬ملاءمته‭ ‬للتحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬المدينة،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬والنمو‭ ‬السكاني‭ ‬وتغيُّر‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وارتفاع‭ ‬كميات‭ ‬النفايات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفترات،‭ ‬فالمدينة‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬توسعًا‭ ‬عمرانيًّا‭ ‬متواصلًا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬مستمرة‭ ‬لاحتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الحاويات‭ ‬والمعدات‭ ‬والموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬وإلى‭ ‬التأكُّد‭ ‬من‭ ‬أنَّ‭ ‬التزامات‭ ‬الشركة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬الخدمة‭ ‬المطلوبة‭.‬

وإذا‭ ‬لم‭ ‬تواكب‭ ‬شروط‭ ‬التدبير‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬فقد‭ ‬تظهر‭ ‬اختلالات‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬عقد‭ ‬ينظم‭ ‬الخدمة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اتِّخاذ‭ ‬وجود‭ ‬صعوبات‭ ‬تشغيلية‭ ‬ذريعة‭ ‬لتبرير‭ ‬أي‭ ‬إخلال‭ ‬بالتزامات‭ ‬تعاقدية‭ ‬واضحة‭. ‬لذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬مسؤولية‭ ‬دفتر‭ ‬التحمُّلات‭ ‬يتطلّب‭ ‬الاطّلاع‭ ‬على‭ ‬بنوده‭ ‬الفعلية،‭ ‬ومقارنتها‭ ‬بالخِدْمات‭ ‬المنجزة،‭ ‬ودراسة‭ ‬التقارير‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتنفيذ‭ ‬العقد‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬يبقى‭ ‬تحميل‭ ‬الدفتر‭ ‬وحده‭ ‬مسؤولية‭ ‬الاختلال‭ ‬أو‭ ‬تبرئته‭ ‬بشكل‭ ‬مطلق‭ ‬استنتاجًا‭ ‬سابقًا‭ ‬لأوانه‭.‬

*سوء‭ ‬التدبير‭ ‬والمراقبة‭..‬ ‬الحلقة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق

إلى‭ ‬جانب‭ ‬الجانب‭ ‬التعاقدي،‭ ‬يبرز‭ ‬التدبير‭ ‬اليومي‭ ‬للنظافة‭ ‬باعتباره‭ ‬عاملًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬انتظام‭ ‬الخدمة‭. ‬فجمع‭ ‬النفايات‭ ‬عملية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتطلب‭ ‬تخطيطًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬للمسارات،‭ ‬وتوزيعًا‭ ‬مناسبًا‭ ‬للموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والمعدات،‭ ‬وتنسيقًا‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬للتبليغ‭ ‬عن‭ ‬الأعطاب‭ ‬والتدخُّل‭ ‬السريع‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬اختلالات‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تُصبح‭ ‬المراقبة‭ ‬الميدانية‭ ‬ضرورية‭ ‬للتحقُّق‭ ‬من‭ ‬مدى‭ ‬تنفيذ‭ ‬البرامج‭ ‬المقررة،‭ ‬ورصد‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تتكرر‭ ‬فيها‭ ‬الشكايات،‭ ‬وتحديد‭ ‬أسبابها‭ ‬الحقيقية،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بنقص‭ ‬المعدّات‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬توزيعها‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬احترام‭ ‬مواعيد‭ ‬الجمع‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬غياب‭ ‬معطيات‭ ‬دقيقة‭ ‬ومحيّنة‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬القطاع‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تقييم‭ ‬الوضع‭ ‬بصورة‭ ‬موضوعية،‭ ‬ويفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تبادل‭ ‬الاتهامات‭ ‬دون‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬اعتماد‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬للأداء،‭ ‬مثل‭ ‬نسبة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الجولات‭ ‬المبرمجة،‭ ‬وعدد‭ ‬الشكايات‭ ‬المعالجة‭ ‬داخل‭ ‬الآجال‭ ‬المُحدّدة،‭ ‬ومدة‭ ‬التدخُّل‭ ‬عند‭ ‬تسجيل‭ ‬تراكم‭ ‬للنفايات،‭ ‬أن‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬التقييم‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الأدلة‭.‬

ويفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬متاحة‭ ‬للجهات‭ ‬المعنية،‭ ‬مع‭ ‬نشر‭ ‬خلاصات‭ ‬دورية‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬تسمح‭ ‬للمواطنين‭ ‬بمعرفة‭ ‬مستوى‭ ‬الخدمة‭ ‬والإجراءات‭ ‬المتّخذة‭ ‬لتحسينها‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬المراقبة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬الملاحظات‭ ‬أو‭ ‬تسجيل‭ ‬المخالفات،‭ ‬بل‭ ‬يتعين‭ ‬أن‭ ‬ترتبط‭ ‬بمتابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬التصحيحية،‭ ‬والتأكُّد‭ ‬من‭ ‬أنَّ‭ ‬الاختلال‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬رصده‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتكرر‭.‬

*المنتخبون‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬التدبير‭ ‬والمساءلة

تطرح‭ ‬قضية‭ ‬النظافة‭ ‬أيضًا‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬المنتخبين‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬المرافق‭ ‬المحلية‭ ‬ومتابعة‭ ‬جودة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬المقدمة‭ ‬للسكان‭. ‬فالمنتخبون‭ “‬بحكم‭ ‬مسؤولياتهم‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬المحلي‭” ‬مطالبون‭ ‬بالعمل‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬ومتابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الالتزامات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالخِدْمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬شكايات‭ ‬المواطنين،‭ ‬وتقديم‭ ‬التوضيحات‭ ‬اللازمة‭ ‬بشأن‭ ‬القرارات‭ ‬المتّخذة‭ ‬والإجراءات‭ ‬المبرمجة‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬تحميل‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة‭ ‬المسؤولية‭ ‬المباشرة‭ ‬عن‭ ‬كلّ‭ ‬حالة‭ ‬لتراكم‭ ‬النفايات،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬التدبير‭ ‬اليومي‭ ‬للعمليات‭ ‬قد‭ ‬يدخل‭ ‬ضمن‭ ‬اختصاصات‭ ‬الشركة‭ ‬المفوض‭ ‬إليها‭. ‬لكن‭ ‬مسؤولية‭ ‬الإشراف‭ ‬والتتبع‭ ‬والتأكُّد‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬شروط‭ ‬التعاقد‭ ‬تظل‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬منظومة‭ ‬التدبير‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬المساءلة‭ ‬المطلوبة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التعميم‭ ‬أو‭ ‬إطلاق‭ ‬الأحكام،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المسؤولية‭ ‬التعاقدية‭ ‬للشركة،‭ ‬ومسؤولية‭ ‬الجهة‭ ‬المفوضة‭ ‬في‭ ‬المراقبة،‭ ‬وأدوار‭ ‬السلطات‭ ‬المختصة‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬صلاحياتها‭ ‬القانونية‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬المواطنين‭ ‬يظل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التدبير‭ ‬الجيد،‭ ‬لأنَّ‭ ‬غياب‭ ‬التوضيح‭ ‬بشأن‭ ‬الشكايات‭ ‬أو‭ ‬التأخر‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬قد‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬المكلفة‭ ‬بتقديم‭ ‬الخدمة‭.‬

وتبرز‭ ‬الحاجة،‭ ‬تبعًا‭ ‬لذلك،‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬آليات‭ ‬تواصل‭ ‬واضحة،‭ ‬تتيح‭ ‬للسكان‭ ‬الإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬المشكلات،‭ ‬وتسمح‭ ‬للجهات‭ ‬المعنية‭ ‬بتتبع‭ ‬الشكايات‭ ‬ومعرفة‭ ‬مآلها،‭ ‬مع‭ ‬تقديم‭ ‬معلومات‭ ‬منتظمة‭ ‬بشأن‭ ‬الإجراءات‭ ‬المتخذة‭.‬

*السلطات‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭.. ‬ ضــــرورة‭ ‬التنــــسيق‭ ‬لا‭ ‬تبــــــادل‭ ‬الاتهـــامــــــــات

في‭ ‬خضم‭ ‬النقاش‭ ‬الدائر‭ ‬حول‭ ‬النظافة‭ ‬بطنجة،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬الجماعات‭ ‬المعنية،‭ ‬والجهات‭ ‬المكلفة‭ ‬بتدبير‭ ‬القطاع،‭ ‬والسلطات‭ ‬المختصة،‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والمواطنين؛‭ ‬فالتعامل‭ ‬مع‭ ‬اختلالات‭ ‬النظافة‭ ‬يتطلب‭ ‬مقاربة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التدخل‭ ‬السريع‭ ‬لمعالجة‭ ‬المشكلات‭ ‬القائمة،‭ ‬والتقييم‭ ‬الموضوعي‭ ‬للأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إليها،‭ ‬ووضع‭ ‬تدابير‭ ‬تمنع‭ ‬تكرارها‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬إشراك‭ ‬الفاعلين‭ ‬الجمعويين‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬بعض‭ ‬الاختلالات‭ ‬وتقديم‭ ‬الملاحظات‭ ‬الميدانية‭ ‬أن‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تدخل،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬يتمَّ‭ ‬ذلك‭ ‬ضمن‭ ‬آليات‭ ‬واضحة‭ ‬تضمن‭ ‬توثيق‭ ‬المعطيات‭ ‬والتحقق‭ ‬منها‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬بدوره‭ ‬معني‭ ‬بالمحافظة‭ ‬على‭ ‬النظافة‭ ‬العامة،‭ ‬واحترام‭ ‬المواعيد‭ ‬والأماكن‭ ‬المخصصة‭ ‬لإخراج‭ ‬النفايات،‭ ‬وعدم‭ ‬رمي‭ ‬المخلفات‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬العمومية‭. ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬لا‭ ‬يعفي‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬خدمة‭ ‬منتظمة‭ ‬وفعالة،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬استخدام‭ ‬سلوك‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد‭ ‬لتبرير‭ ‬أي‭ ‬تقصير‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬الالتزامات‭ ‬التعاقدية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإنَّ‭ ‬تحسين‭ ‬النظافة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬الحملات‭ ‬الظرفية،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬مستمر‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬انتظام‭ ‬عمليات‭ ‬الجمع،‭ ‬وتوفير‭ ‬المعدات‭ ‬اللازمة،‭ ‬وتحسين‭ ‬تدبير‭ ‬الحاويات،‭ ‬والتوعية‭ ‬البيئية،‭ ‬والمراقبة‭ ‬والمحاسبة‭.‬

*طنجة‭ ‬وصورتها‭ ‬السياحية‭..‬ ‬النظافة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬جاذبية‭ ‬المدينة

تكتسي‭ ‬النظافة‭ ‬أهمية‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬مكانتها‭ ‬السياحية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وإلى‭ ‬ارتباط‭ ‬صورتها‭ ‬العامة‭ ‬بجودة‭ ‬الفضاءات‭ ‬التي‭ ‬يرتادها‭ ‬السكان‭ ‬والزوار؛‭ ‬فالمدينة‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬السياح‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نظافة‭ ‬شوارعها‭ ‬وساحاتها‭ ‬ومحيط‭ ‬مرافقها‭ ‬التجارية‭ ‬والسياحية،‭ ‬لأنَّ‭ ‬جودة‭ ‬البيئة‭ ‬الحضرية‭ ‬تُؤثّر‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الزائر‭ ‬وفي‭ ‬انطباعه‭ ‬عن‭ ‬المكان‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تراكم‭ ‬النفايات،‭ ‬متى‭ ‬ثبت‭ ‬وجوده‭ ‬واستمراره‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق،‭ ‬لا‭ ‬يطرح‭ ‬فقط‭ ‬مشكلة‭ ‬جمالية،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يثير‭ ‬مخاوف‭ ‬تتعلق‭ ‬بالصحة‭ ‬العامة‭ ‬والروائح‭ ‬وانتشار‭ ‬الحشرات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عندما‭ ‬تتأخر‭ ‬عمليات‭ ‬الجمع‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬معالجة‭ ‬المخلفات‭ ‬بالشكل‭ ‬المناسب‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬تحسين‭ ‬تدبير‭ ‬النظافة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬استثمارًا‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الحياة،‭ ‬وعنصرًا‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬التنمية‭ ‬الحضرية،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬خدمة‭ ‬تقنية‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬الأزبال‭ ‬من‭ ‬الشوارع‭. ‬وتتطلب‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬وضع‭ ‬تصور‭ ‬متكامل‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬خِدْمات‭ ‬النظافة‭ ‬والتوسع‭ ‬العمراني‭ ‬والتدبير‭ ‬البيئي،‭ ‬مع‭ ‬تقييم‭ ‬مستمرّ‭ ‬لمدى‭ ‬استجابة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬لحاجيات‭ ‬السكان‭ ‬والزوار‭.‬

*تحقيق‭ ‬مفصل‭ ‬لتحديد‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل

إنَّ‭ ‬المطالب‭ ‬التي‭ ‬عبَّر‭ ‬عنها‭ ‬الفاعل‭ ‬الجمعوي‭ ‬يوسف‭ ‬القبيلة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ملاحظات‭ ‬الناشط‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬الطنجاوي،‭ ‬تعيد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬ضرورة‭ ‬فتح‭ ‬نقاش‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬تدبير‭ ‬قطاع‭ ‬النظافة‭ ‬بطنجة،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المعطيات‭ ‬الموثقة‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بتبادل‭ ‬الاتهامات‭.‬

ويقتضي‭ ‬ذلك‭ ‬الاطّلاع‭ ‬على‭ ‬دفتر‭ ‬التحملات‭ ‬المعمول‭ ‬به،‭ ‬وتقارير‭ ‬مراقبة‭ ‬تنفيذ‭ ‬العقد،‭ ‬والمعطيات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمعدات‭ ‬والموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والجولات‭ ‬المبرمجة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الشكايات‭ ‬المسجلة‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتّخذت‭ ‬لمعالجتها‭.‬

كما‭ ‬يستدعي‭ ‬الأمر‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬توضيحات‭ ‬الجهات‭ ‬المنتخبة‭ ‬المعنية،‭ ‬والشركة‭ ‬المكلفة‭ ‬بالتدبير،‭ ‬والسلطات‭ ‬المختصة،‭ ‬حتى‭ ‬يتسنّى‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬المختلفة‭ ‬وتحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬الاختلالات،‭ ‬إن‭ ‬ثبت‭ ‬وجودها،‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬التقييم‭ ‬أن‭ ‬يُساعد‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬التعاقد،‭ ‬وعدم‭ ‬احترام‭ ‬الالتزامات،‭ ‬وضعف‭ ‬المراقبة،‭ ‬والصعوبات‭ ‬التشغيلية،‭ ‬والعوامل‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسلوك‭ ‬المواطنين‭ ‬أو‭ ‬بالتوسُّع‭ ‬الحضري‭.‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬التقييم،‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬الإجراءات‭ ‬التصحيحية‭ ‬المناسبة‭ “‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بتحسين‭ ‬آليات‭ ‬المراقبة‭” ‬أو‭ ‬مراجعة‭ ‬بعض‭ ‬شروط‭ ‬التدبير‭ ‬وفق‭ ‬المساطر‭ ‬القانونية،‭ ‬أو‭ ‬تعزيز‭ ‬الموارد‭ ‬والمعدّات،‭ ‬أو‭ ‬تفعيل‭ ‬الجزاءات‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬عند‭ ‬ثبوت‭ ‬الإخلال‭ ‬بالالتزامات‭.‬

*خاتمة‭: ‬المواطن‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬تبريرات‭..‬‭ ‬بل‭ ‬مدينة‭ ‬نظيفة

بين‭ ‬اتِّهامات‭ ‬الفاعلين‭ ‬الجمعويين،‭ ‬وانتقادات‭ ‬النشطاء،‭ ‬والأسئلة‭ ‬المطروحة‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬الشركات‭ ‬والمنتخبين،‭ ‬يظل‭ ‬ملف‭ ‬النظافة‭ ‬بطنجة‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬لنجاعة‭ ‬التدبير‭ ‬المحلي‭ ‬ومدى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬خدمة‭ ‬يومية‭ ‬تمس‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭.‬

فالسؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬يتحمّل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بكيفية‭ ‬تحديد‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل‭ ‬ومعالجتها،‭ ‬وضمان‭ ‬ألَّا‭ ‬تتحوَّل‭ ‬الاختلالات‭ ‬المحتملة‭ ‬إلى‭ ‬مشكلات‭ ‬متكررة‭ ‬يدفع‭ ‬المواطن‭ ‬ثمنها‭ ‬من‭ ‬صحته‭ ‬وراحته‭ ‬وجودة‭ ‬محيطه‭.‬

هل‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬التحمُّلات؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬احترام‭ ‬بنوده؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬المراقبة‭ ‬والتتبع؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬سوء‭ ‬التدبير‭ ‬وتداخل‭ ‬المسؤوليات؟‭ ‬تظلُّ‭ ‬الإجابة‭ ‬الدقيقة‭ ‬رهينةً‭ ‬بفحص‭ ‬الوثائق‭ ‬والمعطيات‭ ‬الميدانية‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭.‬

لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬تحسين‭ ‬النظافة‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وضوح‭ ‬في‭ ‬المسؤوليات،‭ ‬وصرامة‭ ‬في‭ ‬المراقبة،‭ ‬وشفافية‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬العقود،‭ ‬وتواصل‭ ‬مستمر‭ ‬مع‭ ‬السكان،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مشاركة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الفضاءات‭ ‬العامة‭. ‬فطنجة‭ “‬بما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬ثقل‭ ‬حضري‭ ‬وسياحي‭ ‬واقتصادي‭” ‬تستحق‭ ‬منظومة‭ ‬نظافة‭ ‬تستجيب‭ ‬لتطلعات‭ ‬سكانها‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬جاذبيتها‭. ‬أما‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي،‭ ‬فلا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬الاتِّهامات‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬أخفق،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬تشخيص‭ ‬الاختلالات‭ ‬إلى‭ ‬محاسبة‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬التقصير،‭ ‬وتصحيح‭ ‬المسار،‭ ‬وضمان‭ ‬حق‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نظيفة‭ ‬تحفظ‭ ‬كرامته‭ ‬وصحته‭ ‬وجودة‭ ‬حياته‭.‬

Exit mobile version