آخر الأخبار

الحكومة تعلن مشروعًا للربط السككي بين تطوان والناظور.. فـهل تكـون فرصة لحسم مشـروع قـطـار طـنـجـة؟

المشروع‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬حبرًا‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬منذ‭ ‬2024‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬النقلة‭ ‬بالشمال‭ ‬والريف

أعلن‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭ ‬قيوح،‭ ‬وزير‭ ‬النقل‭ ‬واللوجستيك،‭ ‬مؤخرًا،‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬سككي‭ ‬جديد‭ ‬يهمّ‭ ‬جهة‭ ‬الشمال،‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬خط‭ ‬حديدي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬مدن‭ ‬تطوان‭ ‬وشفشاون‭ ‬والحسيمة‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬الناظور،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬يقارب‭ ‬333‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬وبسرعة‭ ‬تشغيلية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬160‭ ‬كيلومترًا‭ ‬في‭ ‬الساعة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬توجّه‭ ‬أوسع‭ ‬يروم‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬شبكة‭ ‬النقل‭ ‬وتعزيز‭ ‬التكامل‭ ‬المجالي‭ ‬بالمملكة‭.‬

للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بمشروع‭ ‬‮«‬ثوري‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يغيّر‭ ‬وجه‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وخِدْمات‭ ‬النقل‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشمال‭ ‬والريف‭ ‬180‭ ‬درجة،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬مخاوفَ‭ ‬كثيرةً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يظلّ‭ ‬مجرد‭ ‬حبر‭ ‬على‭ ‬ورق،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الجمود‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬مشاريع‭ ‬سككية‭ ‬أخرى‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان،‭ ‬وهي‭ ‬الخطوة‭ ‬التي‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تتم‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬فإن‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬للخطّ‭ ‬الجديد‭ ‬سيظل‭ ‬محدودًا‭.

*من‭ ‬الشمال‭ ‬إلى‭ ‬الريف

يأتي‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬السككي‭ ‬بين‭ ‬تطوان‭ ‬والناظور‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬دينامية‭ ‬يقودها‭ ‬المكتبُ‭ ‬الوطني‭ ‬للسكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬حاليًا‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬مخطط‭ ‬مديري‭ ‬شامل‭ ‬لتطوير‭ ‬الشبكة‭ ‬السككية،‭ ‬باعتباره‭ ‬وثيقةً‭ ‬استراتيجيةً‭ ‬تستهدف‭ ‬توسيع‭ ‬التغطية‭ ‬الجغرافية‭ ‬للقطار،‭ ‬وربط‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المدن،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬ضعف‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬للنقل،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استثنينا‭ ‬طنجة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الخط‭ ‬فائق‭ ‬السرعة‭ ‬نحو‭ ‬القنيطرة‭ ‬والرباط‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء‭.‬

ويهدف‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬‮«‬وفق‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬شبكة‭ ‬حديثة‭ ‬ومندمجة‭ ‬تشمل‭ ‬خطوطًا‭ ‬فائقة‭ ‬السرعة‭ ‬وأخرى‭ ‬كلاسيكية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬ربط‭ ‬عشرات‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتوسيع‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬خِدْمات‭ ‬النقل‭ ‬السككي‭ ‬لتشمل‭ ‬نسبةً‭ ‬واسعةً‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تعزيز‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الموانئ‭ ‬والمطارات،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬نحو‭ ‬جعل‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬رافعة‭ ‬أساسية‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تبرز‭ ‬المعطيات‭ ‬الرقمية‭ ‬بوصفها‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬لفهم‭ ‬حجم‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬الوطني،‭ ‬حيث‭ ‬يُضيف‭ ‬المخطط‭ ‬المديري‭ ‬نحو‭ ‬1300‭ ‬كيلومترٍ‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬القطار‭ ‬فائق‭ ‬السرعة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬3800‭ ‬كيلومترٍ‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬توسيع‭ ‬الشبكة‭ ‬الحالية‭ ‬توسيعًا‭ ‬كبيرًا؛‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬كما‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬عدد‭ ‬المدن‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقطار‭ ‬من‭ ‬23‭ ‬مدينة‭ ‬حاليًا‭ ‬إلى‭ ‬43‭ ‬مدينة‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬نسمة،‭ ‬مما‭ ‬يُمثّل‭ ‬تقريبًا‭ ‬مضاعفة‭ ‬نطاق‭ ‬التغطية‭ ‬الحضرية‭.‬

وتشير‭ ‬الأرقام‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬طموح‭ ‬بلوغ‭ ‬نسبة‭ ‬تغطية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬90%‭ ‬من‭ ‬الساكنة‭ ‬الوطنية‭ ‬بخدمات‭ ‬النقل‭ ‬السككي،‭ ‬مقارنة‭ ‬بمستويات‭ ‬أقل‭ ‬حاليًا،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬واضحًا‭ ‬نحو‭ ‬تعميم‭ ‬الاستفادة‭ ‬وتقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬المجالية،‭ ‬ويوازي‭ ‬ذلك‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬12‭ ‬ميناء‭ ‬و15‭ ‬مطارًا‭ ‬دوليًّا‭ ‬بشبكة‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬أنماط‭ ‬النقل،‭ ‬ويقوّي‭ ‬البعد‭ ‬اللوجستي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الجديد‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬نقاش‭ ‬قائم‭ ‬بشأن‭ ‬وضعية‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المملكة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬تأخر‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬السككي‭ ‬بين‭ ‬تطوان‭ ‬وطنجة،‭ ‬الذي‭ ‬ظلَّ‭ ‬لسنوات‭ ‬مطلبًا‭ ‬ملحًا‭ ‬لساكنة‭ ‬المنطقة‭ ‬وفاعليها‭ ‬الاقتصاديين،‭ ‬ويطرح‭ ‬هذا‭ ‬التأخر‭ ‬تساؤلات‭ ‬عن‭ ‬آجال‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬الجديدة،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الإكراهات‭ ‬التقنية‭ ‬والمالية،‭ ‬التي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬ترافق‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأوراش‭ ‬الكبرى‭.‬

ورغم‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬السككي‭ ‬بين‭ ‬تطوان‭ ‬وشفشاون‭ ‬والحسيمة‭ ‬والناظور‭ ‬باعتباره‭ ‬خطوة‭ ‬نوعية،‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬إحداث‭ ‬تحوّل‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للمنطقة،‭ ‬فمن‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يُرتقب‭ ‬أن‭ ‬يُسهم‭ ‬هذا‭ ‬الخط‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬تنقُّل‭ ‬البضائع‭ ‬بين‭ ‬موانئ‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬خاصّةً‭ ‬ميناء‭ ‬الناظور،‭ ‬وباقي‭ ‬المدن‭ ‬الداخلية،‭ ‬مما‭ ‬سيُعزّز‭ ‬من‭ ‬جاذبية‭ ‬المنطقة‭ ‬للاستثمارات‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭.‬

كما‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يُسهم‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النسيج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المحلي،‭ ‬عبر‭ ‬تقليص‭ ‬كلفة‭ ‬النقل‭ ‬وتحسين‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬مما‭ ‬سينعكس‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬تنافسية‭ ‬المقاولات،‭ ‬خاصة‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬منها،‭ ‬وسيتيح‭ ‬الربط‭ ‬السككي‭ ‬أيضا‭ ‬فرصًا‭ ‬جديدةً‭ ‬لتطوير‭ ‬قطاعات‭ ‬واعدة،‭ ‬مثل‭ ‬السياحة‭ ‬الجبلية‭ ‬والبيئية‭ ‬في‭ ‬شفشاون‭ ‬والحسيمة؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسهيل‭ ‬ولوج‭ ‬السياح‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الوجهات‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬إقبالًا‭ ‬متزايدًا‭.‬

أمَّا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فيُرتقب‭ ‬أن‭ ‬يُؤدّي‭ ‬المشروع‭ ‬دورًا‭ ‬مُهمًّا‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬العزلة‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المناطق،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬الحسيمة‭ ‬والمناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬المجاورة،‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬صعوباتٍ‭ ‬في‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬الحديثة،‭ ‬وسيمكن‭ ‬الخط‭ ‬من‭ ‬تحسين‭ ‬تنقُّل‭ ‬السكان‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬وتيسير‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الخِدْمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬مثل‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬شغل‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة‭ ‬خلال‭ ‬مرحلتي‭ ‬البناء‭ ‬والاستغلال‭. ‬ويحمل‭ ‬المشروع‭ ‬أيضًا‭ ‬بُعدًّا‭ ‬مجالاتيًّا‭ ‬مُهمًّا،‭ ‬إذ‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬أوسع‭ ‬تستهدف‭ ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الجهات؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬نحو‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬خصاصًا‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يُمثّل‭ ‬ربط‭ ‬مدن‭ ‬الريف‭ ‬بشبكة‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬خطوةً‭ ‬نحو‭ ‬إدماجها‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬توازن‭ ‬التنمية‭ ‬بين‭ ‬الساحل‭ ‬المتوسطي‭ ‬وباقي‭ ‬جهات‭ ‬المملكة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬رهانات‭ ‬التمويل‭ ‬والتنفيذ‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التحدّيات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الكلفة‭ ‬المرتفعة‭ ‬لإنجاز‭ ‬خطوط‭ ‬سككية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬ذات‭ ‬تضاريس‭ ‬مُعقّدة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الريف،‭ ‬ويتطلَّب‭ ‬إنجاح‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬تعبئة‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬مُهمّة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تنسيقٍ‭ ‬محكمٍ‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين،‭ ‬واعتماد‭ ‬مقاربة‭ ‬تشاركية‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬خصوصيات‭ ‬المنطقة‭ ‬وانتظارات‭ ‬ساكنتها‭.‬

وفي‭ ‬انتظار‭ ‬انتقال‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التخطيط‭ ‬إلى‭ ‬التنفيذ،‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬توجّه‭ ‬رسمي‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للنقل‭ ‬السككي‭ ‬بوصفها‭ ‬خيارًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬للتنمية،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬ظلَّت‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الاستفادة‭ ‬لسنوات،‭ ‬كما‭ ‬يعكس‭ ‬تطلعًا‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا،‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬الربط‭ ‬المجالي‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاندماج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬لجهة‭ ‬الشمال‭ ‬والريف‭.‬

*في‭ ‬انتظار‭ ‬إحياء‭ ‬خط‭ ‬طنجةتطوان

وبالموازاة‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬يستمر‭ ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬السككي‭ ‬بين‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬نفسه‭ ‬بوصفه‭ ‬عنصرًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬الجدوى‭ ‬الفعلية‭ ‬لباقي‭ ‬المشاريع‭ ‬السككية‭ ‬المعلنة‭ ‬في‭ ‬جهة‭ ‬الشمال،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الخط‭ ‬المرتقب‭ ‬بين‭ ‬تطوان‭ ‬وشفشاون‭ ‬والحسيمة‭ ‬والناظور‭. ‬فبالرغم‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬الطموح‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬الأخير،‭ ‬فإنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬أثره‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬يظل‭ ‬رهينًا‭ ‬بإرساء‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬أساسية‭ ‬بين‭ ‬تطوان‭ ‬وطنجة،‭ ‬باعتبار‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬القلب‭ ‬النابض‭ ‬للجهة‭ ‬ومحركها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأول‭.‬

وتكتسي‭ ‬طنجة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬إذ‭ ‬تُعدُّ‭ ‬عاصمة‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة،‭ ‬وثاني‭ ‬أكبر‭ ‬تجمُّع‭ ‬سكني‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بما‭ ‬يقارب‭ ‬مليونًا‭ ‬ونصف‭ ‬المليون‭ ‬نسمة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬ثاني‭ ‬قطب‭ ‬اقتصادي‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني‭ ‬بعد‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬هذا‭ ‬الثقل‭ ‬الديمغرافي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬ربطها‭ ‬بباقي‭ ‬مدن‭ ‬الجهة،‭ ‬خاصة‭ ‬تطوان،‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬لضمان‭ ‬اندماج‭ ‬فعلي‭ ‬لهذه‭ ‬المناطق‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الوطنية‭.‬

ويُعزّز‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬كون‭ ‬طنجة‭ ‬تحتضن‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬متقدّمة،‭ ‬تشمل‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭ ‬ولوجستية‭ ‬كبرى،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ارتباطها‭ ‬بشبكة‭ ‬القطار‭ ‬فائق‭ ‬السرعة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬بوابةً‭ ‬استراتيجيةً‭ ‬نحو‭ ‬باقي‭ ‬جهات‭ ‬المملكة،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬ربط‭ ‬سككي‭ ‬مباشر‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬تطوان‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬استفادة‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ومعها‭ ‬مدن‭ ‬الريف،‭ ‬من‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬طنجة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬سككي‭ ‬جديد‭ ‬يربط‭ ‬تطوان‭ ‬بالناظور‭ ‬‮«‬رغم‭ ‬أهميته‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يظلّ‭ ‬محدودَ‭ ‬الأثر‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُدمج‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬متكاملة‭ ‬يكون‭ ‬محورها‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬فالتنمية‭ ‬المجالية‭ ‬لا‭ ‬ترتكز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬خطوط‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬ترابطها‭ ‬وتكاملها‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬تدفقًا‭ ‬سلسًا‭ ‬للأشخاص‭ ‬والبضائع‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأقطاب‭.‬

وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الربط‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬التطور‭ ‬الذي‭ ‬يشهده‭ ‬القطار‭ ‬فائق‭ ‬السرعة‭ ‬بالمغرب،‭ ‬خاصّةً‭ ‬بعد‭ ‬إطلاق‭ ‬خطّ‭ ‬البراق،‭ ‬الذي‭ ‬ربط‭ ‬طنجة‭ ‬بالدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬الذي‭ ‬يُنتظر‭ ‬أن‭ ‬يتوسّع‭ ‬مستقبلًا‭ ‬ليشمل‭ ‬مدنًا‭ ‬أخرى،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استفادة‭ ‬باقي‭ ‬مدن‭ ‬الشمال‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬تظلُّ‭ ‬رهينةً‭ ‬بوجود‭ ‬وصلات‭ ‬جهوية‭ ‬فعّالة،‭ ‬تتيح‭ ‬ربطها‭ ‬بمحطات‭ ‬القطار‭ ‬فائق‭ ‬السرعة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تطوان‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الاستعدادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬باحتضان‭ ‬المغرب‭ ‬لتظاهرات‭ ‬كبرى‭ ‬‮«‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2030‮»‬‭ ‬تفرض‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬تطوير‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬للنقل،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬تنقلًا‭ ‬سلسًا‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬الجهوي،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يصبح‭ ‬ربط‭ ‬طنجة‭ ‬بتطوان‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة،‭ ‬لضمان‭ ‬توزيع‭ ‬متوازن‭ ‬للحركية‭ ‬المرتقبة،‭ ‬وتفادي‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬المحاور‭ ‬الطرقية‭ ‬الحالية‭.‬

وتكشف‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة،‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لم‭ ‬يراوح‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬الدراسات،‭ ‬رغم‭ ‬انطلاقها‭ ‬بشكل‭ ‬فعلي‭ ‬خلال‭ ‬أكتوبر‭ ‬2024،‭ ‬حيث‭ ‬أُسندت‭ ‬مهمة‭ ‬إعداد‭ ‬دراسات‭ ‬الجدوى‭ ‬لتحالف‭ ‬يضمُّ‭ ‬شركة‭ ‬هندسية‭ ‬إسبانية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مكتب‭ ‬دراسات‭ ‬مغربي،‭ ‬بكلفة‭ ‬إجمالية‭ ‬تُقارب‭ ‬2٫7‭ ‬مليون‭ ‬يورو،‭ ‬ومدة‭ ‬إنجاز‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬شهرًا،‭ ‬ويرتقب‭ ‬أن‭ ‬تحدد‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬الصيغة‭ ‬المثلى‭ ‬لإنجاز‭ ‬خط‭ ‬سككي‭ ‬بطول‭ ‬يناهز‭ ‬85‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬مدينتين‭ ‬في‭ ‬الجهة‭.‬

ومن‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬محطات‭ ‬استراتيجية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬محيط‭ ‬الملعب‭ ‬الكبير‭ ‬لطنجة،‭ ‬والمطار،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬صناعية‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬طنجة‭-‬تك‮»‬،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬ربطه‭ ‬بمدن‭ ‬ومراكز‭ ‬حضرية‭ ‬مجاورة،‭ ‬كمارتيل‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق‭ ‬وشفشاون،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الاستفادة‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاندماج‭ ‬الجهوي‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تُسجّل‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬نفسها‭ ‬دينامية‭ ‬متقدّمة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتطوير‭ ‬النقل‭ ‬السككي‭ ‬الداخلي،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬مؤخرًا‭ ‬اتّخاذ‭ ‬خطواتٍ‭ ‬عمليةً‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬محطة‭ ‬مغوغة،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الإغلاق،‭ ‬عبر‭ ‬مشروع‭ ‬يشمل‭ ‬توسيعها‭ ‬وتحديثها‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬تناهز‭ ‬5٫5‭ ‬هكتارات،‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬أوسع‭ ‬لإحداث‭ ‬شبكة‭ ‬سككية‭ ‬حضرية،‭ ‬بكلفة‭ ‬تتجاوز‭ ‬ملياري‭ ‬درهم،‭ ‬تروم‭ ‬ربط‭ ‬مختلف‭ ‬المرافق‭ ‬الحيوية‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭.‬

ويشمل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الداخلي‭ ‬ربط‭ ‬أحياء‭ ‬ومناطق‭ ‬استراتيجية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬المحطة‭ ‬الطرقية‭ ‬الجديدة،‭ ‬والأسواق‭ ‬الكبرى،‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬الذكية‭ ‬‮«‬طنجة‭-‬تك‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬توقّع‭ ‬انطلاق‭ ‬الأشغال‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬الجارية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكتمل‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬سنة‭ ‬2028،‭ ‬بتمويل‭ ‬مشترك‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المؤسّسات‭ ‬العمومية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬‮«‬رغم‭ ‬أهميتها‮»‬‭ ‬تظل‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬ربط‭ ‬جهوي‭ ‬فعّال،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬مدينة‭ ‬تطوان،‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬خارج‭ ‬الشبكة‭ ‬السككية‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬اليوم،‭ ‬مما‭ ‬يطرح‭ ‬تحديًّا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬أمام‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬المجالي‭ ‬داخل‭ ‬الجهة،‭ ‬ويحدّ‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬استفادة‭ ‬ساكنة‭ ‬تطوان‭ ‬والمناطق‭ ‬المجاورة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬طنجة‭.‬

وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بإطلاق‭ ‬مشاريع‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬بضمان‭ ‬تكاملها‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬شمولية،‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬محورًا‭ ‬للربط‭ ‬السككي‭ ‬الجهوي،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬تعميم‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وتحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬متوازنة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬التسريع‭ ‬بإنجاز‭ ‬خط‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا‭ ‬ثانويًّا،‭ ‬بل‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬لنجاح‭ ‬باقي‭ ‬المشاريع‭ ‬السككية‭ ‬في‭ ‬جهة‭ ‬الشمال،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الخط‭ ‬المرتقب‭ ‬نحو‭ ‬الناظور‭.‬

*أين‭ ‬مشروع‭ ‬القطار‭ ‬الجهوي؟

مشروع‭ ‬سككي‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أقاليم‭ ‬الشمال‭ ‬تنتظر‭ ‬خروجه‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬بوادره‭ ‬الأولى‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬2024،‭ ‬ارتباطًا‭ ‬بتنظيم‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2030،‭ ‬التي‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬إحدى‭ ‬المدن‭ ‬المستقبلة‭ ‬لمبارياته،‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬المغرب‭ ‬رفع‭ ‬جاهزية‭ ‬بنيته‭ ‬التحتية‭ ‬للنقل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التطلعات‭ ‬الدولية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬سلاسة‭ ‬تنقُّل‭ ‬ملايين‭ ‬الزوار‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬وجيزة‭. ‬ويتعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬بمشروع‭ ‬القطار‭ ‬الحضري‭ ‬RER‭ ‬بوصفه‭ ‬خيارًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬لهذه‭ ‬التحدّيات؛‭ ‬نظرًا‭ ‬لقدرته‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬أعدادٍ‭ ‬كبيرةٍ‭ ‬من‭ ‬الركاب‭ ‬بسرعة‭ ‬وانتظام،‭ ‬مع‭ ‬تقديم‭ ‬صورة‭ ‬حديثة‭ ‬ومنظمة‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬المغربية،‭ ‬خاصة‭ ‬الكبرى‭ ‬منها،‭ ‬وقد‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬صلة‭ ‬ربط‭ ‬رئيسة‭ ‬مستقبلًا‭ ‬بين‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان،‭ ‬ونحو‭ ‬جميع‭ ‬مدن‭ ‬الجهة‭.‬

ويُنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬النقل‭ ‬بوصفه‭ ‬حلًّا‭ ‬عمليًّا‭ ‬لتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬الحضرية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬تعرف‭ ‬نموًا‭ ‬ديمغرافيًّا‭ ‬واقتصاديًّا‭ ‬متسارعًا‭ ‬مثل‭ ‬طنجة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬التقليدية‭ ‬قادرةً‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬الطلب‭ ‬المتزايد،‭ ‬فالقطار‭ ‬الحضري،‭ ‬بفضل‭ ‬سرعته‭ ‬وانتظامه،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُشكّل‭ ‬بديلًا‭ ‬فعالًا‭ ‬للتنقل‭ ‬اليومي،‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬الاختناقات‭ ‬المرورية‭ ‬التي‭ ‬تُؤثّر‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬والإنتاجية‭.‬

كما‭ ‬تتعزّز‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الدينامية‭ ‬الصناعية،‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬حيث‭ ‬تحتضن‭ ‬مناطق‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬طنجة‭ ‬أوطوموتيف‭ ‬سيتي‮»‬‭ ‬و‮«‬طنجة‭ ‬تيك‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬الموانئ‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يفرز‭ ‬تدفقات‭ ‬يومية‭ ‬مكثفة‭ ‬لليد‭ ‬العاملة،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬تطوير‭ ‬وسائل‭ ‬نقل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬تنقل‭ ‬سريع‭ ‬وآمن‭ ‬بين‭ ‬مناطق‭ ‬السكن‭ ‬والعمل‭.‬

ويُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬القطار‭ ‬الجهوي‭ ‬‮«‬في‭ ‬حال‭ ‬اعتماد‭ ‬فكرته‮»‬‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬ظروف‭ ‬تنقُّل‭ ‬آلاف‭ ‬العمال‭ ‬الذين‭ ‬يواجهون‭ ‬صعوبات‭ ‬يومية‭ ‬بسبب‭ ‬الازدحام‭ ‬أو‭ ‬محدودية‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬الحالية،‭ ‬إذ‭ ‬سيمكن‭ ‬من‭ ‬ربط‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬بالأحياء‭ ‬السكنية‭ ‬والمراكز‭ ‬التجارية‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬ومنتظم،‭ ‬ما‭ ‬سينعكس‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬مردودية‭ ‬العمل‭ ‬ويُعزّز‭ ‬جاذبية‭ ‬المدينة‭ ‬للاستثمارات‭.‬

ويعتمد‭ ‬نظام‭ (‬RER‭) ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬نقل‭ ‬سككي‭ ‬موجه‭ ‬أساسًا‭ ‬لخدمة‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬وضواحيها،‭ ‬حيث‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬الحضري‭ ‬والمناطق‭ ‬المحيطة‭ ‬به‭ ‬بكفاءة‭ ‬عالية،‭ ‬ويتميّز‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬كثافة‭ ‬بشرية‭ ‬كبيرة،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬رحلات‭ ‬متقاربة‭ ‬زمنيًّا،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬الحضري‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التردد،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬النقل‭ ‬السككي‭ ‬وراحته‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬خصائص‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬تكامله‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬العمومي،‭ ‬مثل‭ ‬الحافلات‭ ‬وشبكات‭ ‬النقل‭ ‬الأخرى،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتنقُّل‭ ‬سلس‭ ‬دون‭ ‬تعقيدات‭ ‬لوجستية،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬تطويره‭ ‬إمّا‭ ‬عبر‭ ‬تحديث‭ ‬خطوط‭ ‬سككية‭ ‬قائمة‭ ‬أو‭ ‬إنشاء‭ ‬مسارات‭ ‬جديدة‭ ‬بالكامل،‭ ‬وهو‭ ‬الخيار‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬تكييفه‭ ‬مع‭ ‬خصوصيات‭ ‬المدن‭ ‬المغربية،‭ ‬وضمان‭ ‬مروره‭ ‬عبر‭ ‬نقاط‭ ‬حيوية‭ ‬دون‭ ‬التأثُّر‭ ‬بالازدحام،‭ ‬بما‭ ‬يرسخ‭ ‬أسسَ‭ ‬منظومة‭ ‬نقل‭ ‬حضري‭ ‬مستدامة‭ ‬وعصرية‭.‬

Exit mobile version