القانون والناس
الحرائق والأمن الغابوي بين القانون والواقع

إنَّ الملكَ الخاصَّ للدولة شأنه شأن الملك الخاصّ للأفراد، يمكن التصرّف فيه بجميع أنواع التصرفات القانونية، غير أنَّ ملكَها الغابويَّ يشذ عن هَذِهِ القاعدة بمقتضى الفصل الثاني من ظهير 10 اكتوبر 1917، بشأن المحافظة على الغابات واستغلالها الَّذِي ينص في فقرته الأولى على أنه: «لا يمكن بيع الملك المخزني الغابوي، ولا يتأتى استخراجه من النظام الغابوي إلا لفائدة المصلحة العمومية».
من خلال هَذَا النص، يتبين أنَّ الملك الغابوي للدولة يعتبر مبدئيًا غير قابل للتفويت، وذلك على عكس الأملاك الخاصة غير الغابوية المملوكة للدولة، الَّتِي يمكن لهَذِهِ الاخيرة التصرّف فيها على غرار الخواص، بعيدًا عن القواعد المرتبطة بالمنفعة العامّة. وبالتالي تُعدُّ عدم القابلية للتفويت إحدى خصائص الملك الغابوي الَّتِي تميّزه عن باقي الأملاك الخاصة للدولة.
فهَذِهِ الخاصية تُمثّل حجر الأساس في تقرير نظام الملكية العامة للمياه والملكية الغابوية لفائدة الدولة –كأحد الأنظمة العقارية ببلادنا– ومن دونها تبقى هَذِهِ الموادّ عرضة إلى مجموعة من التصرفات التعسفية وغير العقلانية، وكذا لنزوات ذوي النيات السيئة.
المُشرّع كان واضحًا من خلال تشدّده في كل ما يتعلق بالملك الغابوي، بل أكثر من ذلك، يكون باطلا بقوّة القانون كلّ عقد تفويت لعقار واقع داخل التحديد الإداري لملك غابوي، ابتداءً من تاريخ إصدار القرار الوزاري بمباشرة أعمال التحديد إلى حين إصدار قرار المصادقة على هَذَا الأخير، طبقًا للفقرة الثانية من الفصل الثالث لظهير 03 يناير 1916، بسنّ نظامٍ خاصٍّ لتحديد أملاك الدولة باعتباره ملكًا من أملاك الدولة، الَّتِي جاء فيها على أنه:
«ومن يوم صدور هَذَا القرار إلى أن يصدر قرار المصادقة على أعمال التحديد المشار إليه في الفصل الثامن الآتي، فإنّه لا يسوغ التعاقد في شيء مما اشتملت عليه حدود العقار المشروع في تحديده ولا يعقد بيع في انتقال ملكيته ولا في استغلاله».
يستشف من خلال قراءتنا مقتضيات هَذِهِ الفقرة، أنَّ المُشرّع قد عمَّم جزاء البطلان على كلّ التصرفات الَّتِي تجرى خلال الفترة الفاصلة بين إصدار مرسوم التحديد والمصادقة عليه، وأن هَذَا الحكم يطبق بشأن جميع التصرفات دون التمييز بين العوضية منها كالبيع والمعاوضة وتقديم حصة في شركة والكراء، وتلك الَّتِي تتمّ دون عوض كالهبة والصدقة والحبس، حيث إنّ العقود الناقلة للملكية المنجزة بعد إصدار مرسوم التحديد، الَّتِي يدلي بها المتعرض على عملية التحديد الإداري للملك الغابوي لا يعتدّ بها في إثبات استحقاق العقار أو ترتيب أي حقّ عليه.
ومن جهة أخرى، فإنّ هَذَا البطلان المقرّر في الفقرة الثانية من الفصل الثالث لظهير 03 يناير 1916، لا يجب أن يقتصر العمل به في مواجهة المتعرّض على أعمال التحديد الإداري للملك الغابوي للدولة فقط، بل يمكن كذلك التمسّك به في مواجهة إدارة المياه والغابات بشأن التصرّفات الَّتِي يخول القانون لها القيام بها، كالمعاوضة العقارية والتفويت لفائدة المصلحة العمومية وغيرهما، خلال الفترة الممتدة ما بين صدور مرسوم التحديد ومرسوم المصادقة عليه. وذلك تفاديًا للمساس بحقوق المتعرض على مسطرة التحديد الإداري للملك الغابوي للدولة، خاصّةً إذا تأكد فيما بعد للمحكمة مدى صحة تعرّضه. كما أنّه ليس هناك مُبرّرٌ منطقيٌّ لإعطاء الأفضلية للدولة أو للمؤسّسات العمومية على حساب المواطنين، تكريسًا لمبدأ المساواة المنصوص عليه دستوريًا.
واستثناءً، فقد قرَّر المشرع جواز التصرّف القانوني في العقار الواقع داخل التحديد الإداري للملك الغابوي، خلال الفترة المذكورة سلفًا، وذلك في الحالة الَّتِي يدلي فيها البائع، قبل إبرام العقد، بشهادة بعدم التعرّض مسلمة من طرف إدارة المياه والغابات. وهو ما يستفاد من مضمون نفس الفقرة من الفصل الثالث من ظهير 03 يناير 1916، إذ جاء فيها على أنّه: «لا يسوغ التعاقد في شيء… ولا يعقد بيع… إلا بشرط الحصول على شهادة بعدم التعرض من الإدارة الَّتِي لها النظر في ذلك وإلا فلا يصح التعاقد عليه».
وفي هَذَا الصدد، استُشهد بالقرار الصادر عن استئنافية الرباط الَّذِي ورد فيه ما يلي: «يكون باطلًا كل عقد تفويت لاحق لقرار تحديد الأراضي الَّتِي توجد بشأنها قرائن تدل على أنها أملاك الدولة إذا لم يقع سابقًا تسليم شهادة عدم تعرض من طرف الإدارة المعنية بالأمر، وعليه فإنّ… الدولة الَّتِي تعرضت على تحفيظ عقار مشترى دون أن يكون هَذَا الشراء مسبوقًا بطلب الشهادة المذكورة أو الحصول عليها، تعبر بهَذِهِ الكيفية منذ اطّلاعها على البيع عن نيتها في الطعن في صحة البيع المذكور، وفي التمسّك بالبطلان المنصوص عليه في الفصل الثالث من ظهير 03 يناير 1916، بالتالي يجب أن يحكم بأن تعرّضها مبني على أساس سليم».
وتجدر الإشارة، إلى أنّه يمكن بيع الملك الغابوي للدولة، بعد أن تتمّ مسطرة فصله عن النظام الغابوي، حيث يتعيّن في هَذِهِ الحالة دفع ثمن البيع إلى صندوق الأموال المخزنية المعدّة لإعادة الاستعمال، ليُوظّف هَذَا المبلغ مرّة أخرى في شراء أراضٍ يتم غرسها، طبقًا للفصل 2 – ب من ظهير 10 اكتوبر1917، الَّذِي ينص على أنه: «في حالة بيع الملك الغابوي بعد فصله عن النظام الغابوي… فإن مبلغ البيع… يدفع لاستعماله مرة أخرى في شراء الأراضي الواجب غرسها إلى صندوق الأموال المخزنية المعدّة لإعادة الاستعمال». وعليه فإذا تم تفويت جزءٍ مُعيّن من الملك الغابوي للدولة، فإنّ هَذَا الجزء يتم تعويضه بأراضٍ أخرى يتم اقتناؤها بثمن البيع من أجل تشجيرها.
من أجل ذلك، ينبغي سلوك مسطرة الاقتناء بالمراضاة، بحيث تتنازل الدولة عن امتيازاتها كشخص عام وتقتحم إجراءات المفاوضات المباشرة مع الملاك المحتملين من أجل إبرام عقود الاقتناء. وتحكمها في هَذَا الإطار القواعد العامة، إذ تعتبر العقود الَّتِي تبرمها عقودًا يحكمها القانون الخاصّ.
وهكذا تخضع عقود الاقتناء، الَّتِي تبرمها إدارة المياه والغابات طبقًا للفصل 2– ب من ظهير 10 أكتوبر1917، في آثارها لما يخضع له عقد البيع في إطار القواعد… لكن يبقى التساؤل حول مدى قدرة السلطات والدولة بشكل عام في إرجاع الملك الغابوي، الَّذِي حُرق مؤخرًا، وتعويض كل من تضرر أم على المتضرّر اللجوء إلى الله عزّ وجلّ؟!