سياسة

الإشاعة الانتخابية.. مختبرات سرية تحترف الترويج وتسميم المشهد السياسي

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬كل‭ ‬استحقاق‭ ‬انتخابي،‭ ‬تتخلى‭ ‬بعض‭ ‬الهيئات‭ ‬السياسية‭ ‬ومرشحيها‭ ‬عن‭ ‬برامجهم‭ ‬التنموية‭ ‬ووعودهم‭ ‬للمواطنين،‭ ‬لتفسح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬غرف‭ ‬مظلمة‮»‬‭ ‬ومختبرات‭ ‬سرية‭ ‬متخصّصة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الإشاعات‭ ‬وترويجها‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬يقتصر‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬همسات‭ ‬المقاهي‭ ‬أو‭ ‬النميمة‭ ‬السياسية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬ألفها‭ ‬المغاربة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬صناعة‮»‬‭ ‬قائمة‭ ‬الذات،‭ ‬تديرها‭ ‬شبكات‭ ‬محترفة‭ ‬تستخدم‭ ‬أحدث‭ ‬التقنيات‭ ‬لضرب‭ ‬الخصوم‭ ‬وتوجيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬في‭ ‬أبشع‭ ‬استغلال‭ ‬للفضاء‭ ‬الرقمي‭.‬

وكشفت‭ ‬مصادر‭ ‬مطلعة‭ ‬لجريدة‭ ‬‮«‬لاديبيش‮»‬‭ ‬أن‭ ‬حمَّى‭ ‬التنافس‭ ‬السياسي‭ ‬أنعشت‭ ‬سوق‭ ‬‮«‬الجيوش‭ ‬الإلكترونية‮»‬‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬حيث‭ ‬لجأ‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المرشحين‭ ‬والأحزاب‭ ‬إلى‭ ‬التعاقد‭ ‬السري‭ ‬مع‭ ‬أشخاص‭ ‬محترفين‭ ‬لإدارة‭ ‬حملات‭ ‬التشهير‭ ‬والاغتيال‭ ‬المعنوي‭.‬

وتفيد‭ ‬المعطيات‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬المختبرات‭ ‬تعتمد‭ ‬خططا‭ ‬ممنهجة‭ ‬ومدروسة‭ ‬لنسف‭ ‬مصداقية‭ ‬الخصوم‭ ‬السياسيين،‭ ‬تبدأ‭ ‬باختلاق‭ ‬قصص‭ ‬وهمية‭ ‬حول‭ ‬الذمة‭ ‬المالية،‭ ‬أو‭ ‬تلفيق‭ ‬فضائح‭ ‬تمس‭ ‬الحياة‭ ‬الشخصية‭ ‬والمحيط‭ ‬العائلي‭ ‬للمنافسين‭.‬

ولم‭ ‬تقف‭ ‬الأمور‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬تجاوزتها‭ ‬إلى‭ ‬استعمال‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لفبركة‭ ‬الصور‭ ‬ومقاطع‭ ‬الفيديو،‭ ‬وتسريب‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬المسمومة‭ ‬عبر‭ ‬صفحات‭ ‬مجهولة‭ ‬الهُوية‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتكفل‭ ‬‮«‬الكتائب‭ ‬الإلكترونية‮»‬‭ ‬بنشرها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬عبر‭ ‬آلاف‭ ‬الحسابات‭ ‬الوهمية،‭ ‬لتتحوّل‭ ‬الكذبة‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬وجيز‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬مصطنعة‭.‬

والغريب‭ ‬في‭ ‬كواليس‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬القذرة،‭ ‬هو‭ ‬حجم‭ ‬الأموال‭ ‬الطائلة‭ ‬التي‭ ‬تضخ‭ ‬لتمويل‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭. ‬أموال‭ ‬‮«‬سوداء‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لأي‭ ‬رقابة‭ ‬من‭ ‬لجان‭ ‬التفتيش‭ ‬التابعة‭ ‬لوزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬أو‭ ‬قضاة‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للحسابات،‭ ‬تُصرف‭ ‬بسخاء‭ ‬لتمويل‭ ‬حملات‭ ‬تشويه‭ ‬السمعة‭ ‬وتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية،‭ ‬بدل‭ ‬استثمارها‭ ‬في‭ ‬التأطير‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمواطنين‭ ‬وإقناعهم‭ ‬بالبدائل‭ ‬العملية‭ ‬لمعالجة‭ ‬أزماتهم‭ ‬اليومية‭.‬

لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬المختبرات‭ ‬أشبه‭ ‬بعصابات‭ ‬منظمة‭ ‬تشتغل‭ ‬وفق‭ ‬أجندات‭ ‬مُحدّدة‭ ‬سلفًا‭ ‬وتُدرّ‭ ‬أرباحًا‭ ‬خيالية‭ ‬على‭ ‬‮«‬مرتزقة‭ ‬الكيبورد‮»‬،‭ ‬الذين‭ ‬يبيعون‭ ‬خدماتهم‭ ‬لمن‭ ‬يدفع‭ ‬أكثر،‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬وازع‭ ‬أخلاقي‭ ‬أو‭ ‬سياسي‭.‬

وقد‭ ‬سجلت‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬سقوط‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬من‭ ‬منتخبين‭ ‬ورؤساء‭ ‬جماعات‭ ‬ترابية،‭ ‬وحتّى‭ ‬فاعلين‭ ‬مدنيين،‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها‭ ‬وسط‭ ‬زوابع‭ ‬من‭ ‬الاتهامات‭ ‬الباطلة‭.‬

ورغم‭ ‬لجوء‭ ‬عدد‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬لردّ‭ ‬الاعتبار‭ ‬ومتابعة‭ ‬الواقفين‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الصفحات،‭ ‬فإنَّ‭ ‬مسار‭ ‬إثبات‭ ‬البراءة‭ ‬يتطلب‭ ‬وقتًا‭ ‬طويلًا‭ ‬وجهدًا‭ ‬مضنيًا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الضرر‭ ‬قد‭ ‬وقع‭ ‬والصورة‭ ‬قد‭ ‬شوهت‭ ‬أمام‭ ‬الناخبين‭.‬

إن‭ ‬تحول‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬لصراع‭ ‬الأفكار‭ ‬والبرامج‭ ‬إلى‭ ‬مستنقع‭ ‬لتراشق‭ ‬التهم‭ ‬ونشر‭ ‬الغسيل‭ ‬الوسخ،‭ ‬يسائل‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬القيادات‭ ‬الحزبية‭ ‬التي‭ ‬تغض‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬ممارسات‭ ‬منتسبيها‭ ‬وتُزكّي‭ ‬هذا‭ ‬العبث‭.‬

وفي‭ ‬ظلّ‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المقلق،‭ ‬تتعالى‭ ‬الأصوات‭ ‬المطالبة‭ ‬بتدخل‭ ‬حازم‭ ‬من‭ ‬لدن‭ ‬السلطات‭ ‬المختصة‭ ‬لتفعيل‭ ‬القوانين‭ ‬الرادعة‭ ‬ومحاربة‭ ‬الجريمة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬بصرامة‭ ‬أكبر‭.‬

فالاستمرار‭ ‬في‭ ‬التساهل‭ ‬مع‭ ‬صناع‭ ‬الإشاعة‭ ‬و«مختبرات‭ ‬الترويج‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يهدد‭ ‬فقط‭ ‬المسار‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ونزاهة‭ ‬الاقتراع،‭ ‬بل‭ ‬يضرب‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬ثقة‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬والعمل‭ ‬السياسي،‭ ‬ويدفعه‭ ‬نحو‭ ‬العزوف‭ ‬النهائي‭ ‬عن‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬مما‭ ‬يتطلّب‭ ‬تنظيفًا‭ ‬عاجلًا‭ ‬وشاملًا‭ ‬للمشهد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الطفيليات‭.‬

Exit mobile version