مجتمع
احتلال الملك العمومي بطنجة.. الأرصفة تضيق والراجلون يواجهون خطر الطريق

تتجدَّد شكاوى سكان مدينة طنجة بشأن ظاهرة احتلال الملك العمومي، خصوصًا الأرصفة المُخصّصة للراجلين، بعدما تحوَّلت بعض المقاطع إلى امتدادات فعلية للمقاهي والمحلات التجارية، من خلال وضع الطاولات والكراسي والثلاجات والعروض التجارية وغيرها من التجهيزات التي تضيق المساحات المخصصة للمشاة.
وتشير تقارير محلية منشورة خلال سنة 2026 إلى أن الظاهرة تظهر في عددٍ من الأحياء والشوارع التجارية؛ حيث يجد الراجلون أنفسهم، في بعض الحالات، أمام أرصفة يصعب استعمالها، ما يدفعهم إلى النزول إلى قارعة الطريق ومشاركة المجال مع السيّارات والدراجات النارية. وقد أعادت وسائل إعلام محلية في غشت وشتنبر 2026 طرح الموضوع، استنادًا إلى شكاوى مواطنين وملاحظات ميدانية.
ولا يتعلق الأمر فقط بمسألة جمالية أو بتنظيم المجال الحضري، بل يرتبط أيضًا بسلامة مستعملي الطريق، خصوصًا الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يجدون صعوبة أكبر في تجاوز الأرصفة المحتلة أو غير الصالحة للمرور.
من الرصيف إلى قارعة الطريق
المشكلة تبدأ حين يفقد الرصيف وظيفته الأساسية باعتباره فضاءً آمنًا لحركة المشاة. فكلما تقلَّص الممر المتاح أمام الراجلين بسبب الكراسي أو الطاولات أو السلع المعروضة أمام المحلات، يصبح المرور أكثر صعوبة، وقد يضطر المواطن إلى النزول إلى الطريق، في نقطة تتقاطع فيها حركة المشاة مع حركة السيَّارات.
وفي بعض الحالات، لا تقتصر مظاهر الاستغلال على وضع تجهيزات مؤقتة، بل تمتدّ إلى احتلال أجزاء واسعة من الرصيف، ما يجعل مسألة تحرير الملك العمومي مرتبطة مباشرةً بتنظيم الحركة داخل الأحياء والشوارع ذات الكثافة التجارية.
وكانت تقارير محلية قد رصدت هذه الوضعية في عددٍ من مناطق طنجة، من بينها بني مكادة وبئر الشفاء وكاسباراطا وبوخالف، مع تأكيد أنَّ حجم الظاهرة يختلف من منطقة إلى أخرى.
حملات لتحرير الملك العمومي
في المقابل، لم تغب تدخلات السلطات المحلية عن المشهد؛ فقد شهدت طنجة خلال 2026 حملات ميدانية استهدفت تحرير عدد من الفضاءات العمومية من مظاهر الاستغلال غير المرخص.
وفي أبريل الماضي، أفادت تقارير محلية بتنظيم حملة على مستوى عددٍ من الأحياء التابعة للملحقة الإدارية 19 مكرر، شملت إزالة تجهيزات وعوائق من الأرصفة وحجز بعض المعدات المستعملة في الاحتلال غير القانوني للملك العمومي.
كما شهدت منطقة الغندوري وفيلا هاريس، في ماي، حملة أخرى شاركت فيها السلطات المحلية والقوات المساعدة، وأسفرت، وفق المعطيات المنشورة، عن حجز أربع سيارات تستعمل في بيع القهوة وتحضيرها، ودراجتين ناريتين، إلى جانب عشرات الكراسي والطاولات والمظلات.
لكنَّ استمرار ظهور الشكاوى في مناطق مختلفة يطرح سؤالًا آخر يتعلق بمدى قدرة الحملات الظرفية على معالجة الظاهرة بصورة مستدامة، خاصة عندما تعود بعض مظاهر الاستغلال بعد انتهاء التدخلات الميدانية.
بين النشاط التجاري وحق المواطن في الرصيف
وتطرح الظاهرة أيضًا إشكالية تحقيق التوازن بين مصالح الأنشطة التجارية وحق المواطنين في استعمال الفضاء العمومي؛ فالمقاهي والمحلات التجارية تُشكّل جزءًا من النسيج الاقتصادي والخدماتي للمدينة، لكن استغلال الفضاء العمومي يفترض احترام القواعد المنظمة له وعدم تحويل الرصيف المخصص للمشاة إلى امتداد دائم للنشاط التجاري على حساب حركة المواطنين.
ومن هنا، لا تبدو الإشكالية مرتبطة فقط بوجود طاولة أو كرسي أمام محل، وإنَّما بمدى احترام المساحة الضرورية لمرور الراجلين، وبكيفية تدبير الاستغلال المرخص للملك العمومي ومراقبة التجاوزات عندما تتحوّل إلى عرقلة فعلية لحركة السير والجولان.
شكاوى متكررة وسؤال حول الاستمرارية
وفي ظلّ تواصل الشكاوى، يبقى التحدّي أمام السلطات هو ضمان معالجة مستمرة للظاهرة، بدل الاقتصار على حملات متفرقة مرتبطة بفترات أو مناطق محددة.
كما أنَّ معالجة احتلال الأرصفة تحتاج “إلى جانب التدخل الميداني” إلى وضوح في شروط الاستغلال، ومراقبة مدى احترامها، والتعامل مع المخالفات بشكل منتظم، حتى لا يتحوّل تحرير الرصيف إلى إجراء مؤقت سرعان ما تعود بعده التجاوزات.
وبالنسبة لسكان طنجة، فإنّ الرصيف ليس مجرد جزء من الطريق، بل فضاء أساسي للتنقل اليومي. وعندما يفقد هذا الفضاء وظيفته، ينتقل جزءٌ من الضغط مباشرة إلى قارعة الطريق، بما يرفع مستوى المخاطر التي يواجهها الراجلون ويزيد من صعوبة التنقل داخل عدد من الشوارع والأحياء.
وهكذا، فإنَّ ملف احتلال الملك العمومي بطنجة يتجاوز مسألة الفوضى البصرية، ليصبح مرتبطًا بحق أساسي في التنقل الآمن، وبمدى قدرة المدينة على حماية الفضاءات المشتركة وتنظيم العلاقة بين النشاط التجاري واستعمال المجال العمومي.