آخر الأخبار
إطلاق الشركة الجهوية متعددة الخدمات.. هـل يشكل مرحلة جديدة في تدبير خــدمات كــان يتولاها التدبير المفوض؟

تجربة جهة طنجة -تطوان – الحسيمة تنــطـــلـــق مــــع المــــاء والكهـــرباء بعــد رسائــل طمـــأنة مـــن الداخلــيــة
*بــديل التــدبيــر المــفــوض
الشركة الجهويَّة متعدّدة الخِدْمات طنجة-تطوان-الحسيمة هي شركة مساهمة برأسمال عمومي انبثقت من داخل الجهة نفسها، وقد أسند إليها بموجب عقد التدبير الذي دخل حيّز التنفيذ فاتح شتنبر 2025، صلاحيات واسعة لتأمين استمراريَّة خِدْمات التوزيع وتطوير بنياتها التحتيَّة، وتغطي تدخلات هذه الشركة مجالين أساسيين.
المجال الأول «المنطقة أ» يهم مجموع تراب الجهة باستثناء المناطق الخاضعة حاليًا لعقود تدبير مفوّض، حيث تضطلع الشركة بكلّ مهامّ توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، بما في ذلك إنجاز الاستثمارات اللازمة واستغلالها، أمّا المجال الثاني «المنطقة ب» فيشمل المدار الترابي الذي لا يزال خاضعًا لعقد التدبير المفوّض الساري المفعول، وفي هذا الإطار يقتصر دور الشركة على إنجاز الاستثمارات المرتبطة بالمرافق وَفْق المقتضيات المعمول بها.
هذه المؤسَّسة الجديدة، تُعدُّ فاعلًا محوريًّا في ورش الجهويَّة المتقدّمة، وقد التزمت باعتماد مقاربة أساسها الشفافيَّة والنجاعة والقرب من المواطنين، تنفيذًا للتوجيهات الملكيَّة الصادرة عن الملك محمد السادس، التي تدعو إلى جعل التدبير الترابي رافعة للتنميَّة المتوازنة والمستدامة.
وفي هذا السياق، وحسب ما أُعلن رسميًّا مؤخرًا، أعدت الشركة مخططاتٍ استثماريَّةً طموحة تروم تحديث وتطوير البنيات التحتيَّة والمنشآت المتعلّقة بتوزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، بما يضمن تلبيَّة الطلب المتزايد على هذه الخِدْمات الحيويَّة ويُعزّز العدالة المجالية بين مختلف مناطق الجهة سواء الحضريَّة منها أو القرويَّة.
*رؤية استثماريَّة ونمو ديمغرافي
وترتكز الرؤية الاستثماريَّة للشركة على إدراك حجم التحدّيات المرتبطة بالنموّ الديمغرافي المتسارع والحركيَّة الاقتصاديَّة والسياحيَّة التي تشهدها الجهة، ومن ثَمَّ فإنَّ رهانات المرحلة لا تقتصر على ضمان استمراريَّة الخِدْمات فحسب، بل تتعداها إلى توفير خِدْمات أكثر جودة، مع الأخذ في الاعتبار الضغوط البيئيَّة والمناخيَّة التي يعرفها المجال الترابي للجهة، خصوصًا ما يتعلّق بندرة الموارد المائيَّة وتزايد الاستهلاك خلال فصل الصيف بفعل السياحة الداخلية والخارجيَّة وعودة الجالية المغربيَّة المقيمة بالخارج.
وانطلاقًا من وعيها بكون نجاح التجربة يتوقّف على انخراط جميع الفاعلين، أكَّدت الشركة في البلاغ الذي أصدرته، أنَّها ستعمل في إطار شراكة وثيقة مع مجموعة الجماعات الترابيَّة طنجة تطوان الحسيمة بصفتها صاحبة المرفق، ومع السلطات العموميَّة والمحلية، فضلًا عن باقي الشركاء من مؤسَّسات وفاعلين اقتصاديين واجتماعيين، كما تعهّدت بالانفتاح على المواطنين عبر آليات القرب والإنصات، باعتبارهم المرتفق الأول لهذه الخِدْمات، وذلك بهدف تدارك النقائص وتجويد العرض.
ولضمان انتقال سلس إلى مرحلة التدبير الجهوي المندمج، عبأت الإدارة العامة للشركة كل الإمكانيات البشريَّة والتقنيَّة واللوجستيكيَّة الضروريَّة، حسب ما أوضحه البلاغ، وقد جرى تأكيد تعبئة الأطر والمستخدمين والمتعاونين الذين راكموا خبرة طويلة في قطاع توزيع الماء والكهرباء والتطهير، للعمل بنفس روح الالتزام والانضباط التي عهدها المواطنون في السابق، وذلك في إطار مقاربة جديدة تضع النجاعة في صلب أولوياتها.
هذا التحوّل المؤسّسي يعكس إرادة واضحة في تجاوز النماذج السابقة للتدبير التي كانت تعتمد على شركات التدبير المفوض، نحو نموذجٍ جديدٍ يرتكز على البعد الجهوي والملكيَّة العموميَّة، بما يُعزّز الشفافيَّة ويضمن عدالة أكبر في الولوج إلى الخِدْمات، كما يكرس هذا التحوّل مبدأ الاستدامة، حيث تراهن الشركة على التوفيق بين تلبيَّة الحاجيات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة من جهة، وضمان حماية الموارد الطبيعيَّة ومواجهة التحدّيات المناخيَّة من جهة أخرى.
من جهة أخرى، فإنَّ انطلاق الشركة الجهويَّة متعدّدة الخِدْمات بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة لا يمثل مجرد تغيير تنظيمي في طريقة تدبير مرافق التوزيع، بل يُشكّل بداية مرحلة جديدة أساسها رؤية مندمجة تُراعي مختلف الأبعاد الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والبيئيَّة، وهي مرحلة تروم جعل هذه الجهة الرائدة وطنيًّا في مجالات الاستثمار والسياحة والأنشطة الاقتصاديَّة، نموذجًا في التدبير المندمج للخِدْمات الأساسيَّة، بما يضمن تحسين جودة حياة السكان ويُعزّز الثقة في المؤسسات العموميَّة.
*تـــوجـــه وطـــني شـــــامل
وفي السنوات الأخيرة، خصوصًا في فترة ما بعد جائحة «كورونا»، أصبح المغرب يراهن على إصلاحات بنيويَّة عميقة في تدبير المرافق العموميَّة الأساسيَّة، باعتبارها المدخلَ الحقيقيَّ لتكريس العدالة المجاليَّة وضمان التنميَّة المستدامة، بالإضافة إلى استيعاب الدولة للمكاسب التي يمكن تحقيقها من خلال تنزيل الجهويَّة بشكل فعلي بعد 10 سنوات من التردّد، خصوصًا على مستوى تقاسم الأعباء بين الجهة والمركز قبل الاستحقاقات المستقبليَّة التي سيحتضنها المغرب.
وفي مُقدّمة تلك الإصلاحات برز ورش إحداث الشركات الجهويَّة متعدّدة الخِدْمات، باعتباره تحولًا مؤسساتيًّا غير مسبوق يستهدف تحسين تدبير خِدْمات توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، غير أنَّ الإصلاح لا يقف عند مجرد تعديل إداري أو هيكلي، بل يتوخّى معالجة اختلالات مزمنة راكمتها أنماط التدبير السابقة، من تعدّد المتدخلين وضعف التنسيق إلى غياب الشفافيَّة وتفاوت مستوى الخِدْمات بين الأقاليم والجهات.
وخلال جلسة الأسئلة الشفويَّة الأسبوعيَّة بمجلس النواب، يوم 2 يونيو 2025، قدّم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت صورةً دقيقةً عن حجم الرهانات المرتبطة بهذا الورش الإصلاحي، كاشفًا عن برنامج استثماري ضخم وضعته الشركات الجهويَّة متعددة الخِدْمات، تصل قيمته الإجماليَّة إلى 253 مليار درهم، مع تنفيذ نحو 32% منه خلال السنوات الخمس الأولى فقط. هذه الأرقام تعكس الطموح الكبير الذي يحمله هذا المشروع، سواء من حيث حجم التمويل أو من حيث الرؤية الاستراتيجيَّة التي يتبناها. ووفق ما أكّده الوزير، فإن الغلاف المالي المُخصّص لسنة 2025، وحدها بالنسبة للشركات الأربع التي انطلقت في المرحلة الأولى يفوق 13 مليار درهم دون احتساب الرسوم، في حين يصل مجموع الاستثمارات المبرمجة، خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2029 إلى نحو 44 مليار درهم.
الشركات المعنيَّة في هذه المرحلة الأولى كانت هي تلك التي تمّ إحداثُها على مستوى جهات الدار البيضاء – سطات، وسوس – ماسة، الشرق، ومراكش – آسفي. أما جهة الرباط-سلا-القنيطرة فقد شهدت انطلاق عقد التدبير يوم فاتح يونيو 2025، لتلتحق بدورها بالمسار، ثم جاء الدور على باقي الجهات، وفي مُقدّمتها جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي يُنتظر أن تصبح خلال السنة الجارية جزءًا من هذه الديناميَّة الوطنيَّة.
ويستند هذا المسار إلى تشخيص واضح لمجموعة من المعضلات التي عاناها مرفق توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، إذ كان التعدّد الكبير للمتدخلين وغياب التنسيق على المستوى الجهوي من أبرز أسباب الاختلالات، إلى جانب التفاوتات الكبيرة بين المناطق من حيث جودة الخِدْمات والبنيات التحتيَّة، وقد شكَّلت هذه المعيقات الدافع الأساسي وراء إطلاق المشروع الوطني المهيكل الخاص بالشركات الجهويَّة متعدّدة الخِدْمات، في إطار القانون رقم (83.21) الذي نظَّم عملها وحدَّد أدوارها.
ومن الناحيَّة العمليَّة، أشرفت وزارة الداخليَّة على عمليات دقيقة لضمان انتقال سلس من نمط التدبير السابق إلى النمط الجديد، فقد تمَّ جردُ ونقل الممتلكات اللازمة لتدبير المرفق من الموزعين السابقين إلى الجماعات الترابيَّة، كما نُقل المستخدمون مع المحافظة على حقوقهم وامتيازاتهم من خلال وضع نظام يضمن هذه الحقوق، وتمَّ أيضًا نقل العقود والصفقات المبرمة من المُوزّعين السابقين إلى الشركات الجديدة، حرصًا على ضمان استمراريَّة الاستثمارات والخِدْمات، فضلًا عن استعادة الوكالات والنقاط التجاريَّة السابقة قصد تقريب الخِدْمات من المرتفقين.
وحرصت وزارة الداخلية على أن تكون الشركات الجديدة قريبة من المواطنين، فأحدثت تمثيليات للقرب على شكل مديريات إقليميَّة تتمتّع بصلاحيات تقريريَّة مُهمّة، وبذلك لم يعد التدبير مركزيًّا محصورًا في إدارات بعيدة، بل صار جزءًا من الممارسة اليوميَّة داخل كل إقليم وجهة، مع صلاحيات واضحة لاتِّخاذ القرارات، وهذه المقاربة تعكس فلسفة الإصلاح المؤسّساتي القائم على الجهويَّة المتقدّمة، التي جعلها الملك محمد السادس خيارًا استراتيجيًّا للمغرب.
* مـــخـــاوف مــن الغـــلاء
ورغم حداثة التجربة، فقد برزت بعض التخوّفات لدى المواطنين، خاصّةً ما يتعلّق بارتفاع أسعار الخِدْمات، ففي طنجة مثلًا، لا تزال احتجاجات الساكنة ضد شركة التدبير المفوّض للماء والكهرباء «أمانديس»، سنة 2015، حاضرة في الأذهان، بسبب الفواتير الملتهبة وغياب الضبط الدقيق لعمليات المراجعة والتقدير، وهي الاحتجاجات التي فرضت حينها حضور رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، ووزير الداخلية محمد حصاد، إلى مدينة البوغاز بتكليف ملكي لإنهاء الأزمة. غير أنَّ وزير الداخلية الحالي، شدَّد أمام البرلمان، قبل أسابيع، على أن هذه المخاوف «لا أساس لها من الصحة»، موضحًا أنَّ الشركات الجهويَّة ملزمة قانونًا بالاحتفاظ بنفس التعريفات التي كانت ساريَّة المفعول في عهد الموزعين السابقين، وأكَّد أنّ ما وقع من زيادات في بعض الحالات يرتبط أساسًا، بغياب انتظام عمليات قراءة العدادات في السابق، إذ كان يتمُّ اللجوءُ إلى تقدير الاستهلاك عوض احتسابه فعليًّا.
ومع انتقال التدبير إلى الشركات الجهويَّة، أصبح احتساب الفواتير يتمُّ حصرًا بناءً على الاستهلاك الحقيقي عبر معاينات فعليَّة منتظمة، ما قد يُؤدّي إلى إظهار فروقات في الفواتير لدى بعض الأسر، لكنها فروقاتٌ مرتبطةٌ بضبط الاستهلاك وليس بتغيير التسعيرة، وَفْق ما كشفته وزارة الداخلية.
ولم يغفل الوزير التطرّق إلى ما تقوم به الشركات في جانب التواصل وخدمة المرتفقين، إذ تستقبل الوكالات التجاريَّة المواطنين للإجابة عن استفساراتهم، ومعالجة شكاياتهم بالدقة والسرعة المطلوبتين، كما يتمُّ منح تسهيلات للأداء في الحالات الاستثنائيَّة، مراعاة للظروف الاجتماعيَّة للمرتفقين، وهذه الإجراءات تبتغي تأكيد أنَّ الإصلاح لم يقتصر على الجانب الاستثماري والهيكلي فحسب، بل شمل أيضًا البعد الاجتماعي والإنساني الذي يضع المواطن في صلب العملية.
إلى جانب ذلك، تم إحداث شركة تنميَّة المرافق العموميَّة للتوزيع في شكل شركة محليَّة، غايتها مرافقة مشاريع وزارة الداخلية ومجموعات الجماعات الترابيَّة، والتنسيق لوضع برامج موحدة تضمن انسجام المشاريع وتُعزّز العدالة المجالية. هذه الشركة تُؤدّي دورًا مكملًا للشركات الجهويَّة متعددة الخِدْمات، إذ تركز على التنسيق والتخطيط المشترك بما يسمح بتحقيق أعلى مستويات النجاعة في استغلال الموارد.
ومن أبرز ما أكّده الوزير، أنَّ جودة الخِدْمات لن تتحقّق فوريًّا بعد استلام الشركات الجديدة للمرافق، إذ إنَّ هذه الأخيرة تسلَّمت التجهيزات والمنشآت كما تركها المُوزّعون السابقون، وبعضها يعاني تراجعًا واضحًا، غير أنَّ الإصلاح يراهن على رفع مستوى الاستثمارات بشكل متدرّج من أجل تحديث هذه البنيات وتطويرها، وهو ما يتطلَّب وقتًا لإنجاز المشاريع الكبرى التي تمَّ برمجتُها في المخططات الاستثماريَّة.
*هل تواكب التجربة نمو الجهة؟
وفي هذا السياق، تكتسي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أهميَّة خاصة داخل هذا الورش، فالجهة تعرف ديناميَّة عمرانيَّة واقتصاديَّة متسارعة، خصوصًا في مدينتي طنجة وتطوان ونواحيهما، واللتين تشهدان نموًّا سكانيًّا مُستمرًّا وارتفاعًا في الطلب على خِدْمات الماء والكهرباء والتطهير السائل، وهو أمر سيعرف تحدّيات أكبر نتيجة احتضان كأس العالم 2030، وترويج المنطقة كواجهة سياحيَّة واعدة.
وفي المقابل، توجد مناطق جبلية وريفيَّة في الحسيمة ووزان وشفشاون والعرائش وكذا في إقليم الفحص-أنجرة المجاور لميناء طنجة المتوسط، لا تزال تعاني خصاصًا في البنيات الأساسيَّة، ومن شأن إطلاق الشركة الجهويَّة متعددة الخِدْمات بالجهة أن يسهم في توحيد التدبير، وتقليص الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق الهشّة، بما يعزز العدالة المجالية ويحقق التنميَّة المتوازنة.
والظاهر أنَّ الشركات الجهويَّة المتعدّدة الخِدْمات ليست مجرد إطار إداري جديد، بل هي تجسيد لرؤية استراتيجيَّة شاملة تبتغي القطع مع أخطاء الماضي، مع العودة إلى السيادة في مجال تدبير الشؤون المحلية، وهي تراهن على القرب والنجاعة والشفافيَّة، وعلى إشراك المواطنين عبر المنتخبين وممثلي المجتمع المدني عوض الاكتفاء بالقرارات الفوقيَّة.
وفي حال نجاح هذه التجريَّة، فإنها ستترجم على أرض الواقع مبدأ الجهويَّة المتقدمة الدستوري الذي يروم تمكين الجهات من تأدية دور محوري في تدبير شؤونها، ويُنتظر أن يكون لهذه الشركات أثر ملموس على تحسين جودة الخِدْمات، وتحفيز الاستثمار، ودعم التنميَّة المحلية، خاصة في ظل حجم الاستثمارات المرصودة والإرادة السياسيَّة الواضحة لمواكبتها.
ويمكن القول، إنَّ المغرب يخطو “عبر هذا الورش” خطوةً جديدةً في مسار تحديث المرافق العموميَّة، بما يجعلها رافعة أساسيَّة للتنميَّة الشاملة والمستدامة، ورغم التحديات المرتبطة بالبداية، فإن المؤشرات الحالية تعكس جديَّة العمل، وحرص السلطات على إنجاح هذه التجربة، بما يمهد لمرحلة جديدة من التدبير العمومي، إذ تُدار مرافق حيويَّة بروح الشفافيَّة، وبمقاربات استثماريَّة طموحة، وبقرب من المواطن الذي يبقى في نهاية المطاف المعني الأول بهذا الإصلاح.