تواصل معنا

القانون والناس

أين الأحكام الغيابية من التنزيل الواقعي للقانون؟!

في‭ ‬خضم‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬الأحداث‭ ‬من‭ ‬تغيُّرات‭ ‬كبرى،‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬التشريعي،‭ ‬لم‭ ‬يُجرَ‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابيَّة،‭ ‬التي‭ ‬تُعدُّ‭ ‬إشكاليَّة‭ ‬قانونيَّة‭ ‬مُعقّدة‭ ‬تثير‭ ‬جدلًا‭ ‬واسعًا‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬القضائيَّة‭ ‬المقارنة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬قضايا‭ ‬العقود‭ ‬والالتزامات‭. ‬حيث‭ ‬تتمحور‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬حول‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬بغياب‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬المدعى‭ ‬عليه‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬جوهريَّة‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬تحقيقها‭ ‬مبدأ‭ ‬العدالة‭ ‬الناجعة،‭ ‬وضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنازعة‭.‬

الحكم‭ ‬الغيابي‭ -‬في‭ ‬جوهره‭- ‬هو‭ ‬قرار‭ ‬قضائي‭ ‬يصدر‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف،‭ ‬ويستند‭ ‬إصداره‭ ‬إلى‭ ‬مبررات‭ ‬مختلفة‭. ‬ضمنها‭ ‬تحقيق‭ ‬سرعة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬النزاعات،‭ ‬وتجنُّب‭ ‬تعطيل‭ ‬التقاضي‭ ‬بسبب‭ ‬مماطلة‭ ‬المدعى‭ ‬عليه‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يواجه‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأحكام‭ ‬انتقادات‭ ‬حادة‭. ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتأثيرها‭ ‬المحتمل‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الدفاع،‭ ‬واحتماليَّة‭ ‬صدور‭ ‬أحكام‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬نتيجة‭ ‬لغياب‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬عن‭ ‬الإجراءات‭.‬

الإجراءات‭ ‬القانونيَّة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأحكام‭ ‬الغيابيَّة‭ ‬تتضمَّن‭ ‬جوانب‭ ‬دقيقة‭ ‬وحساسة،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الإعلان‭ ‬القانوني‭ ‬للمدعى‭ ‬عليه،‭ ‬الذي‭ ‬يشترط‭ ‬صحة‭ ‬الإعلان‭ ‬لضمان‭ ‬علمه‭ ‬بالدعوى‭ ‬المقامة‭ ‬ضده‭.‬

الإعلان‭ ‬غير‭ ‬الصحيح‭ ‬قد‭ ‬يُؤدِّي‭ ‬إلى‭ ‬بطلان‭ ‬الحكم‭ ‬الغيابي،‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬إعادة‭ ‬الإجراءات‭. ‬وتتوفر‭ ‬للمحكوم‭ ‬عليه‭ ‬غيابيًّا‭ ‬طرق‭ ‬للطعن‭ ‬في‭ ‬الحكم‭. ‬مثل‭ ‬الاعتراض‭ ‬والاستئناف،‭ ‬وذلك‭ ‬ضمن‭ ‬شروط‭ ‬ومواعيد‭ ‬محددة‭ ‬قانونًا‭.‬

أما‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحكم‭ ‬الغيابي،‭ ‬فيخضع‭ ‬لإجراءات‭ ‬وضوابط‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬المحكوم‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬وتكشف‭ ‬مقارنة‭ ‬بسيطة‭ ‬للأنظمة‭ ‬القضائيَّة‭ ‬المختلفة‭ ‬عن‭ ‬تباين‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابيَّة‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تُركّز‭ ‬بعض‭ ‬الأنظمة‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭. ‬تُشدّد‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الدفاع،‭ ‬حتَّى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الغياب‭.‬

هذا‭ ‬التباين‭ ‬يظهر‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬العقود‭ ‬والالتزامات،‭ ‬حيث‭ ‬تتطلَّب‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬التعاقديَّة،‭ ‬وضمان‭ ‬عدالة‭ ‬الإجراءات‭.‬

فإن‭ ‬كانت‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابيَّة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُؤثّر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬التعاقديَّة،‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابيَّة‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬القانوني؟‭! ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬شاب‭ ‬الإجراءات‭ ‬عيوبًا‭ ‬جوهريَّة؟‭! ‬أم‭ ‬أن‭ ‬تقييم‭ ‬فاعليَّة‭ ‬الأحكام‭ ‬الغيابيَّة‭ ‬يتطلَّب‭ ‬نظرة‭ ‬شاملة‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬المزايا‭ ‬والعيوب؟‭!‬

ففي‭ ‬حين‭ ‬تُسهم‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التقاضي،‭ ‬غير‭ ‬أنَّها‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬العدالة‭ ‬وحقوق‭ ‬الدفاع‭. ‬لذلك،‭ ‬يظل‭ ‬تطوير‭ ‬التشريعات‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالأحكام‭ ‬الغيابيَّة‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭. ‬وذلك‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬سرعة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬النزاعات،‭ ‬وضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنازعة‭. ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬العقود‭ ‬والالتزامات‭ ‬التي‭ ‬تتَّسم‭ ‬بتعقيداتها‭ ‬وخصوصياتها‭.‬

وهكذا‭ ‬يشدد‭ ‬النظام‭ ‬القضائي‭ ‬الفرنسي‭ ‬والألماني‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الدفاع‭ ‬قبل‭ ‬إصدار‭ ‬الحكم‭ ‬الغيابي‭. ‬فيما‭ ‬تتعامل‭ ‬أنظمة‭ ‬أخرى‭ ‬بمرونة‭ ‬أكبر‭ ‬لتحقيق‭ ‬سرعة‭ ‬البت‭ ‬في‭ ‬القضايا‭. ‬ويُعدُّ‭ ‬إعلان‭ ‬المدعى‭ ‬عليه‭ ‬الإجراء‭ ‬الأهم‭. ‬حيث‭ ‬يلزم‭ ‬القانون‭ ‬بإعلانه‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭. ‬سواء‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البريد‭ ‬أو‭ ‬بوسائل‭ ‬أخرى،‭ ‬لضمان‭ ‬علمه‭ ‬بالدعوى‭. ‬ولا‭ ‬يصدر‭ ‬القاضي‭ ‬الحكم‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬استيفاء‭ ‬إجراءات‭ ‬الإعلان‭. ‬وإذا‭ ‬غاب‭ ‬المدعى‭ ‬عليه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتقدّم‭ ‬بالطعن‭ ‬خلال‭ ‬المواعيد‭ ‬المُحدّدة،‭ ‬يعد‭ ‬الحكم‭ ‬غيابيًّا‭.‬

يتبع

تابعنا على الفيسبوك