سياسة
أسوأ شخصية سنة 2025 بطنجة.. تحقيق استقصائي في سياسة الغياب وتآكل الثقة

اعتادت المنابر الإعلامية، مع نهاية كل سنة، أن تنخرط في سباق اختيار «شخصية السنة»، في الغالب تحت عناوين إيجابية تحتفي بالنجاح والإنجاز، غير أن هذا التقليد، رغم وجاهته الظاهرية، لا يخلو من مفارقات، إذ يتحول في كثير من الأحيان إلى مساحة للمجاملة أو لتلميع أسماء بعينها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصيات سياسية أو مسؤولين في مواقع السلطة، بين مَن يبرر اختياره بالإنجاز، ومن يبرره بالرمزية، يبقى السؤال الحقيقي معلقًا: ماذا عن الإخفاق؟ ومَن يتحمّل مسؤوليته؟
في جريدة «لاديبيش»، اخترنا هذا العام أن نطرح السؤال من زاوية مغايرة، لا بحثًا عن الإثارة، ولا رغبة في كسر الإجماع من أجل الكسر، بل التزامًا بخطّ تحريري يعتبر أن الصحافة ليست فقط مرآة للنجاح، بل أيضًا أداة مساءلة.
لذلك، نطرح عنوانًا قد يبدو صادمًا: أسوأ شخصية سنة 2025 بمدينة طنجة، غير أن المقصود هنا ليس فردًا بعينه، ولا اسمًا يُرمى في الواجهة، بل ممارسة سياسية كاملة، ومنظومة تدبيرية أثبتت -خلال هذه السنة- محدوديتها وعجزها عن مواكبة تحوّلات المدينة وانتظارات ساكنتها.
طنجة، المدينة -التي تعيش منذ سنوات على إيقاع مشاريع كبرى وتحولات اقتصادية متسارعة- كانت في سنة 2025 أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع نخبها السياسية المحلية أن تكون في مستوى هذه التحولات؟ المعطيات الميدانية، كما رصدها هذا التحقيق، تشير إلى فجوة متزايدة بين ما يحدث في المدينة، وبين ما تنتجه السياسة المحلية من قرارات ومبادرات.
التحقيق انطلق من الشارع، لا من القاعات المغلقة، في أحياء مثل بني مكادة، مغوغة، العوامة، وامغوغة الصغيرة، يتكرر الإحساس نفسه: غياب المنتخبين عن الحياة اليومية للناس، عبد الفتاح، عامل بناء، يبلغ من العمر 47 سنة، قضى أزيد من ثلاثين سنة بطنجة، يقول في تصريح خصّ به جريدة لاديبيش: «لا نعرف ماذا يفعل المجلس، ولا من يمثلنا فيه، المشكلات هي نفسها منذ سنوات». هذا الشعور لا يقتصر على الأحياء الشعبية، بل حتى الأحياء مثل مرشان ومالاباطا، حيث تسكن فئات متوسطة وميسورة، يعبّر السكان عن خيبة أمل من نوع آخر: «المدينة تتغير، لكن دون رؤية واضحة، ودون نقاش عمومي»، تقول هناء، موظفة بذات المدينة.
هذا الانفصال بين المواطن والمؤسسة المنتخبة لا يمكن فهمه دون العودة إلى طريقة اشتغال السياسة المحلية خلال سنة 2025، تتابع جريدة لاديبيش عددًا من الدورات لجُلّ المجالس المنتخبة المحلية والإقليمية والجهوية ولبعض الغرف المهنية والمقاطعات، يكشف نمطًا متكرّرًا: دورات تقنية، بنقاش محدود، وحضور باهت للمعارضة، إن وُجدت أصلًا، نقاط تُدرج في جدول الأعمال وتُمرر بسرعة، دون إشراك فعلي للرأي العام، أو حتى دون تواصل يشرح خلفيات القرارات المتّخذة.
أحد الفاعلين السياسيين السابقين، الذي غادر العمل الانتخابي قبل سنوات، يصف الوضع بـ«تفريغ السياسة من معناها أو محتواها». ويضيف: «حين تتحوّل المجالس إلى فضاءات تصديق، يفقد المواطن الإحساس بأن صوته له قيمة»، إن هذا الكلام ينسجم مع معطيات المشاركة السياسية، حيث سجّلت طنجة، كما باقي المدن الكبرى، نسب مشاركة متدنية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، ما يعكس أزمة ثقة عميقة.
الأحزاب السياسية، خصوصًا تلك المكوِّنة للتحالف المسير، تتحمّل جزءًا كبيرًا من هذه المسؤولية، فبدل أن تكون فضاءات للتأطير والنقاش، تحوَّلت في نظر كثيرين إلى هياكل انتخابية موسميَّة، لا برامج تُناقش مع القواعد، ولا تقييم دوري للأداء، ولا آليات داخلية للمحاسبة، هذا التراجع في الدور الحزبي جعل السياسة المحلية رهينة توازنات هشّة، قائمة على الحفاظ على التحالف أكثر من الحفاظ على المصلحة العامة.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي يُوضّح، في تصريح لجريدة «لاديبيش»، أنَّ «المشكل في طنجة ليس نقصًا في الموارد أو الفرص، بل ضعفًا في القيادة السياسية المحلية، هناك غياب لرؤية شمولية تربط بين الاقتصاد، الاجتماع، والثقافة». ويضيف أن «المنتخب المحلي أصبح في كثير من الأحيان فاعلًا ثانويًا، يواكب ولا يبادر».
هذا المعطى يتأكّد عند مقارنة دور المنتخب المحلي بالدينامية التي تقودها الدولة والقطاع الخاص، مشاريع بنيوية كبرى تُنجز، واستثمارات تتدفّق، فيما يبقى دور المجالس المنتخبة محدودًا في التواصل والتتبع. فاعل اقتصادي صرّح للجريدة بأن «المدينة تتحرك بسرعة، لكن السياسة تسير ببطء، وأحيانًا في الاتِّجاه المعاكس».
التحقيق الميداني رصد أيضًا ضعفًا واضحًا في التواصل المؤسساتي، أغلب المواطنين الذين جرى الحديث معهم لم يتذكروا أي لقاءات مباشرة أو خرجات ميدانية منتظمة لمنتخبين خلال سنة 2025. التواصل، إن وُجد، يظل محصورًا في بلاغات رسمية أو تدوينات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تعوّض اللقاء المباشر ولا النقاش العمومي.
النساء، اللاتي يُفترض أن يشكلن رافعة لتجديد العمل السياسي، لم يسلمن من هذا التهميش، رغم الحضور العددي، يظل التأثير محدودًا، وتقول سعاد، إحدى أبرز الحقوقيات بالمدينة: «المشكل ليس في الكفاءة، بل في مناخ سياسي لا يشجع على المبادرة ولا يحتمل الصوت النقدي». سنة 2025، بحسب متابعتها، «لم تشهد بروز قيادات سياسية نسائية محلية قادرة على فرض أجندة واضحة».
على مستوى الخطاب، يسجل التحقيق فقرًا لافتًا، لا أرقام دقيقة، لا تقييم للمنجز، ولا جرأة في الاعتراف بالتقصير، الخطاب السياسي ظل حبيس العموميات، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى وضوح، وإلى مصارحة، أحد المحللين السياسيين وصف هذا الوضع بـ«التطبيع مع الرداءة»، حيث يصبح الفشل مقبولًا، بل عاديًّا، ولا يستدعي أي مساءلة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن «أسوأ شخصية سنة 2025» حديثًا عن غياب المحاسبة، فلا أحد يتحمل المسؤولية، ولا أحد يقدّم استقالته، ولا أحد يخرج للرأي العام ليشرح ما لم يتحقق ولماذا. هذه الثقافة، التي تجعل من المنصب غاية في حد ذاته، لا وسيلة لخدمة المدينة، هي ما يثير القلق الحقيقي.
في جريدة لاديبيش، لا نكتب هذا التحقيق بدافع الإدانة المجردة، بل بدافع التحذير، طنجة، بتاريخها وموقعها ورهاناتها المستقبليّة، لا يمكن أن تستمر بسياسة الحد الأدنى، سنة 2025 كشفت بوضوح حدود النموذج الحالي في التدبير السياسي المحلي، لكنها كشفت أيضًا حاجة ملحّة إلى تجديد النخب، وإلى إعادة الاعتبار للفعل السياسي كخدمة عمومية لا كامتياز.
قد تكون سنة 2025، سياسيًّا، سنة خيبة أمل. لكنها قد تشكل أيضًا لحظة وعي. وعي بأن أسوأ شخصية ليست فردًا يُسمّى، بل ممارسة تُكرَّس، ومتى اعتُرف بذلك، يصبح الإصلاح ممكنًا، أما الاستمرار في الصمت، فسيجعل من هذا اللقب قدرًا يتكرر كل سنة، باسم مختلف، وبالنتائج نفسها.
فأسوأ شخصية السنة بطنجة هي الممارسة السياسية التي يمارسها عدد كبير من السياسيين المنتميين إلى تنظيمات سياسية فقدت بريقها، لأنها أصبحت تبحث عمَّن يجل أصوات الناخبين، بدل من هو قادر على جعل الممارسة السياسية ممارسة نبيلة تخدم مصلحة الساكنة والمدينة والوطن، وإذا ما استمر الوضع كما هو عليه، فكل سنة سوف يكون فيها شخصية السنة السياسي والسياسة والحزب السياسي، رغم أن هؤلاء الفاعلين كانوا نبراسًا الوطن وأسهموا في استقلال الوطن وتطويره في عقود ماضية.