سياسة
هل تستطيع النخب الطنجاوية الحالية إقناع الشباب بالمشاركة الفعّالة في الانتخابات المقبلة؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود النقاش القديم-الجديد إلى الواجهة: هل لا تزال النخب السياسية الطنجاوية قادرة على تحريك الشارع الشبابي، وإقناع فئة واسعة من غير المصوّتين بالعودة إلى صناديق الاقتراع؟ سؤال يحمل -في طياته- كثيرًا من الشكوك، خاصّةً بعد التجارب الأخيرة الَّتِي أظهرت تراجعًا واضحًا في نسب المشاركة داخل أكثر الأحياء كثافة ديموغرافية، خصوصًا بني مكادة، ومغوغة، ومناطق الامتداد الحضري السريع.
*أزمة ثقة لا تخطئها العي
الأجيال الشابة بطنجة تعيش على وقع فجوة متزايدة مع ممثليها السياسيين. فمنذ سنوات، يتصاعد خطاب التشكيك في قدرة المنتخبين على تقديم إجابات عملية عن القضايا اليومية: البطالة، والنقل العمومي، وغلاء الكراء، وضعف البنية الرياضية والثقافية، وتراجع جودة الخِدْمات الإدارية.
هذه الملفات تتحول، في كل موسم انتخابي، إلى وعود متكرّرة غير مرفوقة بنتائج ملموسة، وهو ما عمّق شعورا عاما بأن السياسة «مجرد كلام لا يغير شيئًا».
عددٌ من الباحثين في العلوم السياسية يرون أنَّ المدينة عرفت -خلال العقد الأخير- تراجعًا نوعيًّا في حضور النخب القادرة على التواصل المباشر مع الشباب، مقابل صعود وجوه تعتمد على الخطاب الإنشائي أو الولاءات الحزبية الضيقة، دون الاستثمار في القرب الاجتماعي أو تطوير آليات جديدة للتواصل.
*طنجة.. مدينة شابة لكنها غير مصوّتة
الإحصائيات غير الرسمية المتداولة داخل الفاعلين الحزبيين، تؤكد أنَّ أغلب المسجلين الجدد بطنجة هم من الفئة العمرية ما بين 18 و35 سنة. لكن المفارقة أن نسبةً كبيرةً من هؤلاء لا يصلون فعليًا إلى مكاتب التصويت. السبب، حسب عدد من المتتبعين، يعود إلى ثلاثة عوامل مركزية:
*غياب خطاب سياسي يُشبه الشباب: لا في مجال اللغة، ولا الأولويات، ولا القنوات المستخدمة.
*شعور بأن القرارات الكبرى تُحسم بعيدًا عن المجالس المنتخبة.
*هيمنة الأساليب التقليدية في الحملات الانتخابية الَّتِي لم تعد قادرة على اختراق عالم يهيمن عليه المحتوى الرقمي ووسائل التواصل الحديثة.
*أخطاء النخب التقليدية
بالرغم من دينامية بعض الوجوه الشابة داخل المجالس المحلية، فإنَّ المشهد العام لا يزال -في نظر كثير من الطنجاويين- محكومًا بـ«نخب محافظة» تفضل الاشتغال بالأساليب القديمة نفسها.
حملات انتخابية موسمية، لقاءات مغلقة، رسائل إنشائية، وتغييـب شبه كامل لآليات التواصل التفاعلي، هذا النموذج “الَّذِي كان فعالًا في بدايات الألفية” أصبح اليوم غير قابل للاستمرار في مدينة تتحوّل بسرعة، ويشكل الشباب أكثر من نصف نسيجها الاجتماعي.
ويسجل مراقبون محليون، أن أبرز عيوب هذه النخب هو الفشل في إنتاج مبادرات سياسية أو اجتماعية مستدامة، خارج فترات الانتخابات. فالشباب الَّذِي لا يراهم إلا عند اقتراب موعد الاقتراع، طبيعي أن يتعامل مع دعواتهم بكثير من التحفُّظ.
*هل هناك فرصة لتغيير الصورة؟
على الرغم من هذا المشهد القاتم، يرى بعض المتخصصين أن الفرصة لا تزال قائمة، شريطة أن تتَّخذ النخب الحزبية ثلاث خطوات عاجلة:
أولًا: تجديد الخطاب السياسي:
خطاب جديد يربط بين القضايا الَّتِي تهم الشباب فعلًا وبين حلول قابلة للتحقق، وليس وعودًا عامة. الكلمات الكبيرة لم تعد تكفي، والشباب ينتظر لغة أقرب إلى الواقع.
ثانيًا: الانفتاح على الفضاء الرقمي:
طنجة تُعد من أكثر المدن المغربية استعمالًا للإنترنت والهواتف الذكية. لكن أغلب الأحزاب لا تزال تتعامل مع هذا الفضاء بخجل شديد أو بمنطق ترويجي فجّ، بدل خلق محتوى تفاعلي يطرح الأسئلة بجرأة ويقدم أجوبة عملية.
ثالثًا: إشراك الشباب في صناعة القرار:
ليس عبر «تنظيمات تابعة للحزب» كما جرت العادة، ولكن عبر حضور فعلي للشباب في مكاتب التسيير، في لوائح الانتخابات، وفي النقاشات المصيرية المتعلقة بتدبير المدينة. مشاركة رمزية في الصفوف الخلفية لم تعد مقنعة.
*نقطة التحول.. هل تحدث فعلًا؟
السؤال الَّذِي يطرحه الجميع اليوم هو: هل تمتلك النخب الطنجاوية الإرادة والقدرة على استعادة ثقة جيل جديد أكثر وعيا وأكثر انتقادا؟
الجواب، حسب مؤشرات الواقع، لا يزال معلقًا. فالنخب الَّتِي تريد إقناع الشباب يجب أن تبدأ أولًا بإقناع نفسها بضرورة التغيير، وبأن زمن السياسة الموسمية انتهى.
نجاحها أو فشلها في ذلك سيحدد بشكل كبير ملامح المشاركة في الانتخابات المقبلة، وسيكشف إن كانت طنجة ستستمر في مشهد سياسي راكد، أم أنها ستشهد صحوة انتخابية جديدة يعيد فيها الشباب الاعتبار لصوتهم داخل صناديق الاقتراع.