الجهة
هل تجاوزت طنجة زمن التجزيء السري والبناء العشوائي.. أم أن جيوب المقاومة مازالت تتحيّن الفرصة؟

بعد سنوات من الحملات الواسعة لهدم البنايات غير القانونية، وإغلاق منافذ التوسع العشوائي، بدا وكأن مدينة طنجة قد دخلت مرحلة جديدة تسعى فيها السلطات إلى القطع مع إرث عمراني مثقل بالفوضى.
غير أنَّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو: هل طوت المدينة نهائيًّا صفحة التجزيء السري والبناء خارج القانون، أم أن جيوب المقاومة ما زالت تتحرك في الظل؟
هذا السؤال يعود إلى الواجهة مع بروز معطيات ميدانية وتسجيلات لمواطنين يتحدثون عن «محاولات إحياء جيوب صغيرة للبناء العشوائي» في عدد من النقاط الهامشية بالمدينة، خصوصًا المناطق التي كانت في السابق مرتعا لهذه الظاهرة، مثل العوامة، بني مكادة، حي مسنانة.
فبينما تتحدث التقارير الرسمية عن تراجع كبير في حالات البناء المخالف، تشير شهادات من الداخل إلى أن «الاختفاء لا يعني النهاية، وأن الفاعلين القدامى يغيرون فقط أساليبهم»
*مرحــلة مـــــا بعـــد الهـــدم.. صرامة أم تــهدئـــــــة؟
قبل سنوات، اعتمدت السلطات المحلية بطنجة مقاربة صارمة في مواجهة البناء العشوائي، عبر استعمال الآليات الثقيلة لهدم مئات الدور والغرف والدكاكين التي بنيت خارج القانون. وقد لقيت الحملة ترحيبًا لدى فئات واسعة من السكان الذين أنهكتهم الفوضى العمرانية، لكنها في المقابل خلفت احتقانًا اجتماعيًا في بعض المناطق.
هذه التجربة جعلت جزءًا من الرأي العام يعتقد أن طنجة خرجت نهائيا من «منطقة الخطر»، غير أن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا. فمصادر مهنية تحدثت لـ«لاديبيش» تُؤكّد أن الحملات الأخيرة، رغم فعاليتها، لم تُغلق كل المنافذ، خصوصًا في الأحياء التي تعرف نموًّا سكانيًّا سريعًا وطلبًا متزايدًا على السكن الاقتصادي، حيث تبقى شهية المضاربين مفتوحة، محاولين اختبار يقظة السلطات بين الفينة والأخرى.
*أساليب جديدة.. وخيوط قديمة
التحقيقات الصحافية التي خاضتها لاديبيش في ملفات مشابهة على المستوى الوطني تُظهر أن شبكات التجزيء السري غالبا ما تُبدل جلدها كلما تعرَّضت للضغط، فتتحوَّل من تشييد البنايات الكبرى إلى تقسيمات صغيرة، ومن بيع البقع إلى «تسليم مفاتيح غرف جاهزة»، ومن الاشتغال كوسطاء مباشرين إلى استخدام وجوه جديدة أو وسطاء غير معروفين.
وتشير مصادر محلية، إلى أن بعض هؤلاء يحاولون استغلال «المساحات الرمادية» في القانون، من خلال إقامة بنايات ليلية، أو استغلال عطلة نهاية الأسبوع، أو البناء داخل مناطق يصعب مراقبتها بسبب التضاريس أو ضعف الإنارة.
كل هذا يجري، بحسب المتحدثين، بهدف جسّ نبض السلطات ومعرفة مدى الصرامة التي تشتغل بها الفرق المختصة.
*المجــلس الجمـــاعــي والــولايـــــة..آليـــات جـديـــدة للــــردع
في السنوات الأخيرة، عملت جماعة طنجة بشراكة مع ولاية الجهة على إدخال تغييرات في طريقة التعامل مع البناء غير المرخص، من خلال اعتماد نظام للتدخل الفوري، وتعزيز اللجان المختلطة، والاستعانة بتقنيات التتبّع عن بُعد.
هذه التحسينات سمحت، وفق معطيات قريبة من الملف، برصد المخالفات في مهدها، ومنع الكثير من البنايات من استكمال أشغالها.
ومع ذلك، تُطرح تساؤلات حول قدرة هذه الآليات على الصمود خلال الأشهر المقبلة التي تشهد توسعًا عمرانيًّا مهما في المدينة، خصوصا مشاريع الطرق الجديدة واتّساع الطلب على السكن. فكل توسّع يجلب معه منافذَ جديدة يمكن أن تستغلها الشبكات القديمة للعودة من خلف الستار.
*بين طموح المدينة وخطر الانتكاسة
تسعى طنجة، باعتبارها قطبًا اقتصاديًّا وسياحيًّا، إلى ترسيخ صورة مدينة منظمة، خالية من العشوائية العمرانية التي شوّهت معالمها لسنوات.
ويعتبر فاعلون في قطاع العقار أن أي عودة للبناء العشوائي، حتى وإن كانت محدودة، قد تهدد جاذبية المدينة وتضرب ثقة المستثمرين. في المقابل، يرى بعض الحقوقيين أنَّ محاربة البناء غير القانوني يجب أن ترافقه حلول اجتماعية حقيقية، خاصة في المناطق التي تعرف هشاشة وفقرًا، حيث يلجأ المواطنون إلى البناء دون ترخيص بسبب غياب بدائل في المتناول.
*طنجة.. ما بين إنجازات واضحة وتهديدات صامتة
ختامًا، يمكن القول إن طنجة قطعت فعلا أشواطًا مُهمّة في محاربة البناء العشوائي، وأغلقت العديد من الجيوب التي ظلت لسنوات بؤرا للفوضى.
لكنّ بقاء بعض «النقاط الرمادية»، وتحوّل الفاعلين السابقين إلى أساليب أكثر دهاء، يجعل الباب مفتوحا أمام احتمال الانتكاسة إن لم تستمر اليقظة بالوتيرة نفسها.
فالسؤال اليوم لم يعد: هل انتهى البناء العشوائي؟
بل أصبح: هل ستتمكن طنجة من منع عودته في نسخة أكثر تطورًا؟