تواصل معنا

مجتمع

مهرجانات تبتلع الملايين ومشاريع تنموية تنتظر التمويل.. مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة طنـجة تحـت النـار

مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬وجد‭ ‬مجلس‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬الانتقادات،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خصّص‭ ‬جزءًا‭ ‬مُهمًّا‭ ‬من‭ ‬ميزانيته‭ ‬لدعم‭ ‬المهرجانات‭ ‬والتظاهرات‭ ‬الفنية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تعاني‭ ‬فيه‭ ‬جماعات‭ ‬قروية‭ ‬كثيرة‭ ‬نقصًا‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬الصالح‭ ‬للشرب،‭ ‬والبنيات‭ ‬المدرسية،‭ ‬والطرقات‭.‬

ففي‭ ‬الدورة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬صادق‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬اعتمادات‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭ ‬لدعم‭ ‬مهرجانات‭ ‬وصفها‭ ‬متتبعون‭ ‬بـ«الموسمية‭ ‬والسطحية‮»‬،‭ ‬معتبرين‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُصرف‭ ‬على‭ ‬الترفيه‭ ‬يفوق‭ ‬أحيانًا‭ ‬ما‭ ‬يُرصد‭ ‬للتنمية‭ ‬المحلية‭.‬

في‭ ‬ذات‭ ‬السياق،‭ ‬أكدت‭ ‬مصادر‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المجلس،‭ ‬أنَّ‭ ‬غلاف‭ ‬الدعم‭ ‬المخصص‭ ‬للأنشطة‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬تتجاوز‭ ‬ملايين‭ ‬الدراهم،‭ ‬مُوزّعة‭ ‬على‭ ‬مهرجانات‭ ‬متفرّقة‭ ‬بين‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان‭ ‬وشفشاون‭ ‬والحسيمة،‭ ‬دون‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬الانتقاء‭ ‬أو‭ ‬التقييم‭.‬

هذا‭ ‬القرار‭ ‬أثار‭ ‬غضبًا‭ ‬واسعًا‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬المحلية،‭ ‬الَّتِي‭ ‬رأت‭ ‬فيه‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬انحراف‭ ‬بوصلـة‭ ‬التنمية‭ ‬الجهوية،‭ ‬وتحويل‭ ‬الميزانية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لخدمة‭ ‬صور‭ ‬سياسية‭ ‬وإرضاء‭ ‬جمعيات‭ ‬معينة،‭ ‬بدل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الحاجيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العاجلة‭ ‬للساكنة‭.‬

وذهب‭ ‬بعض‭ ‬المنتخبين‭ ‬المعارضين‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬عبث‭ ‬بالمال‭ ‬العام‮»‬،‭ ‬مشيرين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬يضخّ‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬تظاهرات‭ ‬موسيقية‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬بأي‭ ‬أثر‭ ‬اقتصادي‭ ‬أو‭ ‬اجتماعي‭ ‬يُذكر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تعاني‭ ‬عشرات‭ ‬الجماعات‭ ‬خصاصًا‭ ‬في‭ ‬النقل‭ ‬المدرسي‭ ‬والماء‭ ‬والكهرباء‭.‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك،‭ ‬يدافع‭ ‬المكتب‭ ‬المسير‭ ‬عن‭ ‬خياراته،‭ ‬معتبرا‭ ‬أن‭ ‬دعم‭ ‬الثقافة‭ ‬والمهرجانات‭ ‬‮«‬جزء‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬التنمية‭ ‬السياحية‭ ‬للجهة‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬التبريرات‭ ‬لم‭ ‬تُقنع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬المحلي،‭ ‬خاصّةً‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬المهرجانات‭ ‬المدعومة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬أصداؤها‭ ‬حدود‭ ‬صفحات‭ ‬‮«‬فيسبوك‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬تخلق‭ ‬دينامية‭ ‬اقتصادية‭ ‬حقيقية‭.‬

الأخطر،‭ ‬حسب‭ ‬مصادر‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬المالية،‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬آلية‭ ‬تقييم‭ ‬واضحة‭ ‬لنتائج‭ ‬الدعم،‭ ‬إذ‭ ‬تُصرف‭ ‬الملايين‭ ‬سنويًّا‭ ‬دون‭ ‬تقارير‭ ‬محاسباتية‭ ‬دقيقة‭ ‬أو‭ ‬متابعة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الأنشطة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬عملية‭ ‬الدعم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬منح‭ ‬‮«‬شيكات‭ ‬بيضاء‮»‬‭ ‬لبعض‭ ‬الجمعيات‭ ‬المُقرّبة‭.‬

وتساءل‭ ‬فاعلون‭ ‬جمعويون‭ ‬عن‭ ‬معايير‭ ‬توزيع‭ ‬هذا‭ ‬الدعم،‭ ‬معتبرين‭ ‬أنَّ‭ ‬الجهة‭ ‬تتعامل‭ ‬بمنطق‭ ‬‮«‬الزبونية‭ ‬الثقافية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تحظى‭ ‬بعض‭ ‬الجمعيات‭ ‬بحصص‭ ‬متكررة‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تُقصى‭ ‬مبادرات‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬تربوي‭ ‬أو‭ ‬اجتماعي‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يستمر‭ ‬غياب‭ ‬الدعم‭ ‬عن‭ ‬مشاريع‭ ‬حيويَّة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬القروية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تعاني‭ ‬الفقر‭ ‬والعزلة،‭ ‬مثل‭ ‬ترميم‭ ‬المدارس‭ ‬القروية‭ ‬أو‭ ‬إصلاح‭ ‬المسالك‭ ‬الطرقية‭.‬

ويرى‭ ‬متابعون،‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬البنيوي‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬يكشف‭ ‬غياب‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لدى‭ ‬مجلس‭ ‬الجهة،‭ ‬الَّذِي‭ ‬يفضل‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬المظاهر‭ ‬الاحتفالية‭ ‬بدل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬الأساسية‭ ‬الَّتِي‭ ‬تخلق‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬وتحسّن‭ ‬معيش‭ ‬السكان‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين‭ ‬دعوا‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬والمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للحسابات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تدقيق‭ ‬نفقات‭ ‬المهرجانات‭ ‬وتحديد‭ ‬أثرها‭ ‬الفعلي‭ ‬على‭ ‬التنمية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الظرفية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصعبة‭ ‬وتزايد‭ ‬المطالب‭ ‬الاجتماعية‭.‬

وبينما‭ ‬ترفع‭ ‬الجهة‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬التنمية‭ ‬المندمجة‮»‬‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دورة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬اتِّجاه‭ ‬آخر،‭ ‬حيث‭ ‬تبتلع‭ ‬المهرجانات‭ ‬الملايين‭ ‬وتظل‭ ‬التنمية‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الصف،‭ ‬لتتكرر‭ ‬نفس‭ ‬الصورة‭ ‬كل‭ ‬سنة‭: ‬موسيقى‭ ‬صاخبة‭ ‬في‭ ‬الساحات،‭ ‬وطرقات‭ ‬محفرة‭ ‬في‭ ‬القرى،‭ ‬وساكنة‭ ‬تائهة‭ ‬بين‭ ‬الوعود‭ ‬والشعارات‭.‬

تابعنا على الفيسبوك